تجفيف البحر الأحمر

عرض المادة
تجفيف البحر الأحمر
2670 زائر
15-05-2014

من حسن الصدف في حياتي أن زملائي في الدراسة منذ المدرسة الأولية، مروراً بالوسطى والثانوي وعدة جامعات درست فيها، على صلة جيدة بيننا. لم يوهنها طول الأمد والزمن الذي امتد من نهاية الخمسينيات حتى نهاية الثمانينيات. فما زلت ألتقي أحيانًا بابكر حنين وطه السبكي، ويتضخم العدد عندما أصل إلى البحر الأحمر الثانوية، وأمر بأوائل السبعينيات عند (الحنينة السكرة) جامعة القاهرة الفرع، ثم جامعة الخرطوم وجامعة الزقازيق في مصر، وجامعة أم درمان الإسلامية حيث الدراسات العليا. ويزيد ذلك ألقاً ومحبة عندما أذكر زملاء التدريس الابتدائي والبنوك، بنك فيصل الإسلامي والبنك التجاري وبنك المزارع. وينهمر السيل عندما أدخل رسمياً على زملاء العمل الصحفي منذ العام 1993م حتى الآن.
هذه السلسلة دائماً تقودني إلى حمل هموم (أولاد الدفعة)، فبجانب اللقاءات الدورية والشخصية المنظمة والعشوائية، يصلني تلفون يحمل فقط سقوط ورقة من أوراق خريف العمر، زميل دراسة كان آخرهم رحيل العميد أمن تاج السر محمد حسن، ومن قبل شيخنا وأميرنا الراحل هاشم عمر طوكر، ثم محمد عثمان دريب من جبل إلبا في حلايب، وفتح الرحمن محمد عطية من ديم كوريا بورتسودان، ثم العقيد مصطفى قسم السيد.. إلخ.
المناسبة أن زملائي في مدرسة البحر الأحمر (المعهد العلمي) نعوا إليَّ هذه المرة المعهد العلمي الثانوي والأوسط ومدرسة البحر الأحمر الثانوية العريقة، حيث قالوا إن والي البحر الأحمر محمد طاهر إيلا أصدر قراراً (هو أو من والاه وتوالى معه) قراراً بتجفيف هذا الصرح التاريخي والأثر العظيم في مدينة بورتسودان. سخرت قائلاً: (إيلا ما جفف مسجد مسعود محمد المحسن الكبير الذي كان مكملاً لمعهدنا العلمي في بورتسودان؟) قالوا لي إن إيلا جفف من قبل المدرسة الشرقية في بورتسودان. قلت لهم: (ما جفف كمان الحديقة ومنزل المستشفى؟).
المشكلة أن الولاة هذه الأيام (طالعين في الكفر) ولا تخلو ولاية من مشاكل والٍ. وأحياناً يقفز إلى ذهني والينا المتعافي سواء الذي تعافى في القضارف وجاءنا متعافياً، وطلع مثل الشجرة من العجين بريئاً من قصة: كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن (موظفي مكتبه). فبعضهم قدم استقالته أوأقيل آخرهم أحمد عباس في سنار، وللأسف أستاذنا الزبير بشير طه في الجزيرة الذي عرفناه معلماً في مدرسة البحر الأحمر أو المعهد العلمي عام 1969م في بورتسودان، حيث (جاءت المناسبة).. كل الولاة يلجأون إلى بيع قطع استثمارية لتوفير موارد مالية لأشياء أخرى، حيث ازدهرت السياحة في البحر الأحمر، حتى أن الولاية أصبح الناس ينسجون حولها قصصًا أنها أصبحت مثل المدن السياحية الكبرى في العالم.. وما أدراك ما ذاك وما يحمل (طرش البحر). وفي كل الأحوال فإن ذهنية السياحة تنقصها عقلانية الآثار التي يزورها السياح.
المعهد العلمي الثانوي والأوسط في بورتسودان واحد من أهم معالم المدينة التي بناها المحسن السوداني الكبير مسعود محمد رحمه لله، هو والمسجد المجاور في قلب سوق بورتسودان الكبير. كان من أبرز المعلمين فيه على عهدنا (وزير الثقافة) عبد الباسط عبد الماجد، وتخرج فيه عددٌ ضخم من قيادات القوات المسلحة والشرطة، منهم الهادي عبد لله وصلاح كرار والفريق حسن عثمان والفريق محمد جعفر عنان، وعشرات اللواءات في الجيش والشرطة، وأنا (العريف كديت) تلميذ آمر الفوج الصول عباس محمد بابكر والصول عوض لله عباس رحمة لله.
يا محمد طاهر إيلا ارجع عن قرارك وإلا فستتنادى جيوش من الأفذاذ الخريجين لا قِبل لك بهم، ونحشرهم ضحى عند (البرازيلية) الكبرى، حيث معامل الكيمياء والأحياء وملاعب السلا، وفي مقدمتهم بروفسيرات أولاد القراي في حي الشاطئ، وأولاد شيخ إدريس في طردونا. ونستعين بمن لعبوا الكورة والدافوري في ميدان البحر الأحمر في الخور اللواء جمارك صلاح الشيخ واللواء عبد العظيم عكود. ونبعث بسيرة شيخ الطيب في الأميرية وطمبل أبو سعاد والدومة من الجمارك والخواض العقاد ومولانا محمد إبراهيم محمد وشيخنا سيد عمر من الموانئ. ورتل أوله في ترانزيت وآخره في سلالاب وديم النور، وأطرافه تمتد إلى ترب هدل والبر الشرقي وحتى حي المطار، مروراً بديم سواكن وديم جابر والسواقي وحي البوسطة، وحتى مسجد الراحل المقيم كرم لله خلف لله في ديم كوريا، لنستقر ضيوفاً على الفريق أول صلاح قوش في حي حواء الدنقلاوية.
إن كنت إيلا بقرارك تجفيف البحر الأحمر المعهد العلمي جئتنا مشمراً فسنأتيك أحياء ومن الأجداث سراعاً على ضامر من كل فج عميق.
مدرسة البحر الأحمر المعهد العلمي أخيراً درس فيها شيخنا محمد طاهر الأزهري الذي كنا نمر عليه في مكتبته في الطريق إلى مطعم طمبل، ونسأله مسألة في اللغة أو الدين. وهو يقرأ في صومعة العلم مكتبته والتي لا يبيع فيها كتباً وإنما يهدي فيها علماً مجاناً، فقد أحاطت به المتاجر. قد لا تكون عندك من ذكريات ذلك الزمان شيئاً، إلا أننا نسألك يا إيلا ألا تستبدل الذي هو أسفل وأدنى بالذي هو أعلى وأقيم. نحيلك أخيراً إلى أستاذنا محجوب مصطفى أو د. حسن عكود في إجزخانة التاكا.
يا إيلا توقف عن تجفيف البحر الأحمر والمعهد العلمي.. إنك تجفف إحدى أهرامات بورتسودان. وعلى وزن مقاطع عادل إمام في شاهد ما شافش حاجة: أنت قد جئت تأخذ (العدة) ولكن أنت ليس لديك (تلفون) في الأساس.. ما أجمل الأماكن التي يمكن أن تجففها وما أقيمها في بورتسودان!!. كنا ننتظر أن تكمل جميلك الذي صنعته في المدينة، وجميل النائب الأول علي عثمان الذي فتح لك خزائن صندوق الولايات، ودعمك مادياً ومعنوياً، وذهب لعله يأتينا بنار رآها جذوة تضيء لك الطريق، حتى ترى سبلاً أخرى للموارد غير تجفيف المدارس والمستشفيات والحدائق، فهذا أمرٌ قد فعلوه في العاصمة ونتمنى ألا يصيب ثغرنا.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 9 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
الصم البكم.. والأرشيف! - محمد احمد كرار