الصيحة" تفتح ملف دور الإيواء والمسنين بالخرطوم (5)

عرض المادة
الصيحة" تفتح ملف دور الإيواء والمسنين بالخرطوم (5)
تاريخ الخبر 06-10-2017 | عدد الزوار 250

مركز جابر الإدريسي.. واحة مخضرّة في جفاف التشرّد

جبريل: الحرية الموجودة في الشارع لا تتوفر في المنازل

قاي يعود متشرداً بأمر من والده بعد تأهيله

صدام: أريد أن أصبح شيخاً وحالياً أصلي بالناس

مدير المركز: البرامج التأهيلية إعادة متشردين إلى أحضان أسرهم

الخرطوم: مياه النيل مبارك

جبريل في الثانية والثلاثين من عمره، شاءت الأقدار أن يتحول إلى متشرد يهيم على وجهه طوال ساعات اليوم غير مهتم بتقلبات الطقس ما بين حرارة صيف قائظة وزمهرير شتاء يتسلل إلى عظامه الواهنة، يبحث في مكبات النفايات عن ما يسد به رمقه غير عابئ بالمخاطر الصحية التي تتربص به، وهو يتناول طعاماً بحسابات اختصاصي التغذية غير صالح، رغم أن الشاب المتشرد جبريل ضاق ذرعاً بحياة التشرد إلا أنه لم يجد بديلاً لها رغم أنه كان مقاولاً صاحب دخل جيد، وفي ذات الوقت أب له أطفال، ولأن لكل بداية نهاية ألقت عليه الشرطة القبض متشردًا وتم ترحيله إلى حيدر الإدريسي لتأهيل الشباب المتشردين الذين زرنا مركزهم بجبل أولياء واقتربنا من واقعهم .

تغيير نحو الأفضل

يحكي جبريل قصته، مشيراً إلى أنه وبعد إدخاله الدار هرب منها ثلاث مرات بعد أن اختار حياة الشارع والتشرد التي يري أن فيها حسب اعتقاده حرية حركة لا تتوفر له في الدار، ويضيف: بعد أن تم إلقاء القبض علي في المرة الأخيرة تفتقت عبقرية من يديرون هذا المكان عن فكرة اعتبرها جيدة قضت بأن يتم إلحاقي بالعمل في المطبخ لإعداد الطعام للشباب وذلك تقديراً لظروفي بحكم أنني متزوج وحتى لا أعود مجدداً متشرداً، وبالفعل ومنذ تسعة أشهر أعمل في المطبخ ولم أفكر مطلقًا في الهروب رغم إمكاني الذهاب كل خميس إلى أسرتي، ولكن أعود الى الدار في الموعد المحدد دون إبطاء أو تفكير في العودة إلى الشارع والسبب في ذلك يعود الى أن تشردي سببه عدم وجود من يهتم بمشاكلنا وضيق فرص العمل، واليوم قد حصلت على ماكنت أفتقده لذا سوف أظل في الدار إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولاً.

تأهيل ثم تشرد

أما الجنوب سوداني الشاب قاي الذي لم ير دولته من قبل فقد نشأ وترعرع في الخرطوم، ويشير إلى أنه عاش حياة التشرد الجزئي منذ سنوات طويلة، ولكن بعد أن قضى فترة ثلاث سنوات بمركز طيبة لتأهيل الأطفال المشردين فقد اكتسب من خلال دراسته في معهد تأهيل القدرات خبرة جيدة في عمل الميكانيكا وبعد تخرجه تم منحه شنطة بها كل المعدات التي تعينه على عمله إلا أنه وبعد عودته الى المنزل اخذها منه والده، فأغضبه هذا الأمر فخرج من المنزل والتحق بالعمل في عربات النفايات، وكان يقضي ليله بعيداً عن أسرته فتم إلقاء القبض عليه في أحد الأيام وترحيله إلى مركز الإدريسي حيث يتواجد فيه حالياً متمنياً أن تتاح له فرصة العمل في مجال الميكانيكا.

مطالبة بالختان

جنوب سوداني آخر بالدار يدعى سبت حاضر البديهة وطريف التعليقات بعد أن عرف بهويتي الصحفية طالبني بأن أناشد عبر الصيحة إدارة مركز الإدريسي والوزارة بأن يعملوا على ختانه، مشيراً الى أنه في الثالث والعشرين من عمره ومعه عدد من زملائه بالمركز رغم وصولهم سن الشباب إلا أنه لم يتم ختانهم حتى الآن، وينتقل في الحديث مشيرًا الى أنه ظل موجوداً في مركز الإدريسي منذ تسعة أشهر، وأنه يشعر بسعادة كبيرة بتركه حياة التشرد التي أجبرته عليها الظروف، وأضاف: أعمل أيضاً في المطبخ، وقد أصبحت طباخًا ماهرًا أجيد صناعة كل الوجبات الشعبية السودانية شمالاً وجنوباً. وأضاف "ممكن يا أستاذة أعمل ليك ملاح تأكلي أصابعك وراهو "، لافتاً الى أن والده بدولة جنوب السودان وأن والدته وأسرته بالخرطوم، وأنه كان يعمل بعربة خردة وتم إلقاء القبض عليه من قبل الشرطة وإحضاره إلى المركز، مبيناً عن استمراره في توفير "مصاريف" لأسرته من خلال السماح له أيضاً أحياناً بالعمل خارج المركز الذي يقول إنه يخرج عنه ويعود ولا يفكر في الهرب، وقال ضاحكاً "بقت عندي خبرة كويسة في الطبخ ولو لقيتي لي مرا كويسه بريحها في الأكل"، متمنيا اًن يتزوج رغم أنه أكد أنه لاعب كرة ماهر، يجيد كل وظائف خط الدفاع، ويتمنى أيضاً أن يلعب لأحد أندية الممتاز.

ظروف اقتصادية

بدأ الشاب خميس عبد الله نور الدين المنحدرة أصوله من ولاية جنوب كردفان حديثه، مشيراً إلى أن الظروف الاقتصادية هي السبب الذي جاء به إلى دار المتشردين، موضحاً أنه متزوج وأب لطفلتين وأسرته موجودة في سوق ليبيا، وقال إنه رغم وجوده بالمركز، ولكن ظل يعمل في عدد من المهن من أجل توفير الأموال التي تعينه على توفير ما تحتاج إليه أسرته، مبيناً أنه يتمنى أن يعيش حياة مستقرة .

حافظ للقرآن وشيخ ومتشرد

قصة الشاب صدام تبدو غريبة بعض الشيء، تعود جذوره إلى مدينة كادوقلي بجنوب كردفان، يقول إن والده توفي قبل سنوات لتشهد حياته اضطراباً أفضى به ليكون متشرداً، والغريب في قصته إنه يرفع نداء الصلاة في مسجد المركز، ويتقدم الصفوف ليصلي بزملائه، ولديه صوت بشهادتهم جميل في قراءة القرآن، يتمنى صدام أن يصبح شيخاً، ويقول إنه حفظ القرآن منذ سن صغيرة، ولكن الظروف هي التي جاءت به إلى المركز، حيث كان يعمل في جمع وتجارة الخردة، وقال إنه حضر إلى الدار قبل شهر وسبق أن هرب منها، ويلفت إلى أنه يخطط للسفر إلى نيالا للاستقرار فيها.

الحنين والوفاء

الجميل في أمر مركز المشردين أن كل شاب يقضي فيه فترة من الزمن، ثم يخرج بعد تأهيله يسوقه الحنين إليه فيسجل زيارات للموجودين فيه، حيث يحرص خريجو المركز على إحضار هدايا معهم أبرزها الملابس والفواكه، ولا يكتفون بذلك بل يعملون على تشجيع من هم بالمركز بضرورة الاستفادة القصوى من البرامج التي تعمل على تأهيلهم حتى يخرجوا منعه أفراداً صالحين.

حلة شاقة

عندما بلغ الإرهاق مداه، وأنا أتجول بحثاً عن مركز حيدر الإدريسي فكرت في صرف النظر عن زيارته ولكن مجدداً تماسكت رغم التعب الذي سيطر عليّ ،ومجدداً سألت عدداً من المواطنين عن موقعه، تأتي الإجابة بأن الكل يعقد حاجب الدهشة لعدم معرفتهم، بل بعضهم أكد المركز يتبع للاحتياطي المركزي رغم أنهم لم يروه، ونفوا ـن يكون وليس داراً لايواء المشردين، كدت أن أعدل عن فكرة الذهاب إلى ذلك المركز، وفي تقاطع شارع الاحتياطى المركزي استقللت عربة أمجاد وسألت سائقها عن مركز الإدريسي، فأشار إلى وجود مركز لتدريب قوات الدفاع الشعبي فتوجه ناحيته إلا أن معالم الطريق الموحشة والخالية من أي مظاهر للحياة جعلته يتراجع بيد أن سائق عربة أخرى، وبعد أن أوقفناه أخبرنا بموقع مركز حيدر الإدريسي فتنفسنا الصعداء ويممنا صوبه مباشرة، ولم يكن بعيدًا عن المكان الذي توقفنا فيه.

مركز متخصص

يقع مركز حيدر الإدريسي للرعاية الاجتماعية إلى الشرق من مركز تدريب قوات الاحتياطي المركزي بمحلية جبل أولياء، ويعتبر المركز الوحيد داخل العاصمة لإيواء المشردين للمشردين فوق سن الثامنة عشرة عاماً، وقد تم إنشاؤه في العام 2011 ويتبع لوزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم، يسع لـ 300 متشرد، ويعتبر المقر الحالي مؤقتاً حيث تعتزم الجهات الحكومية نقله إلى سوبا عقب الفراغ من تشييد المركز الجديد.

حياة مختلفة

وصلنا المركز الذي بدا غريباً لعدم وجود حركة أمامه فطرقنا الباب الضخم ليأتي شاب يرتدي نظارة سوداء فأخبرته بمهمتي الصحفية، فرحب بي وطالبني بالدخول إلى المبنى، فسمح لي بالدخول فوقعت عيناي على المبنى من الداخل الذي هو أقرب إلى المدرسة في مبانيه ومرافقه مع وجود فناء كبير يفتقر إلى اللمسات الجميلة التي تكسو أرضه سندساً أخضر، ولكن لاحظت أن أعين من كانوا بالمركز تلاحقني أينما ذهبت، فقال رجل الأمن الذي كان يرافقني إن الفتيات والنساء يحضرن إلى المركز بحثاً عن مفقودين.

حتى أتعرف أكثر على هذه الدار جلست إلى مديرها اختصاصي علم النفس الدكتور عوض الحاج الذي أشار إلى أن المركز يضم شباباً فوق الثامنة عشرة، ويلفت إلى أنه مخصص لتأهيل الأطفال المشدرين الذين كشف عن أنه يتم إحضارهم من مركز الرشاد لتصنيف الفئات العمرية، مبيناً المركز يوفر الكثير من الخدمات الصحية والنفسية والغذائية والتربوية للمتشردين، إضافة إلى الإيواء حيث يعمل على تأهيلهم ليصبحوا أفراداً صالحين يفيدون المجتمع وأنفسهم.

تأهيل وتطوير

ومضى مدير المركز في حديثه، مشيرًا إلى أن العدد الموجود في المركز يبلغ 96 شاباً معظمهم من لاجئي دولة الجنوب، وقال إن علاج الإدمان من الخدمات التي يقدمها لهم المركز، وإن الوحدة الصحية الموجودة في المركز تتولى علاجهم من الإدمان ومختلف الأمراض وإن عدد المشردين الذين يتم إحضارهم إلى المركز شهرياً يتجاوز الأربعين شاباً، وقال: بعد التصنيف نكتشف أن البعض تم القبض عليهم عن طريق الخطأ، وأنهم ليسوا مشردين، فيتم إخلاء سبيلهم، أما الذين يستقرون في الدار فبخلاف العمل النفسي والصحي والتربوي يخضعون أيضاً لدورات تدريبية لتعلّم الكثير من المهن، موضحاً أن معظمهم قادمون من مناطق الحروب والنزوح، مؤكداً امتلاك معظمهم مواهب كبيرة في الفن وكرة القدم والرسم وتلاوة القرآن، واعترف بوجود المركز في منطقة خلوية حال دون معرفة الناس له، وقال إن الباحثين يحرصون على التواصل مع أسرهم تنفيذاً لبرنامج لم الشمل، وقال إن أبرز المشاكل التي تواجههم أن معظم المتشردين لا يمتلكون أوراقاً ثبوتية.

فرص عمل

ويلفت إلى أنهم بخلاف الخدمات التي يقدمونها لهؤلاء الشباب ظلوا يحرصون على توفير مصادر دخل ثابتة لهم من خلال إلحاقهم بالعمل في هيئة نظافة الخرطوم، ورغم أن هذا العمل وفر للكثير منهم دخولاً جيدة إلا أن التجربة شابتها عقبات وأفرزت إشكاليات تمثلت في عودة بعضهم إلى تعاطي الخمور والسلسيون وحضورهم إلى الدار وهم شبه فاقدي الوعي، وقال إن إحدى الشركات قدمت عرضاً للمركز بأن تستعين بعمالة من الشباب المتشردين نظير أجر مجزٍ، وطالبتهم إدارة المركز بتوقيع عقد يحفظ حقوق الذين سيعملون معها، وقال إن البعض يخرج من المعسكر بدعوى زيارة أهله إلا أنه لا يعود مجدداً، فيما يحرص آخرون على الالتزام بقوانين الدار ويعودون إليها بعد إداء عملهم أو زيارة أهلهم، وذلك لأن المركز جيد من كل النواحي ويحفظه بعيداً عن الممارسات السالبة، ويلفت إلى أن الكثير من الشباب المتشردين وبعد تأهيلهم عادوا إلى أهلهم، وقال إن الوزارة تولي المركز اهتماما كبيراً وتحرص على أن يعود هؤلاء الشباب أكثر تأهيلاً ليساهموا في الإنتاج وينفعوا أسرهم، مشيرًا إلى أن افتتاح المدينة الاجتماعية سيسهم في توفير مقر تتوافر فيه كل وسائل الراحة والتأهيل للمتشردين، مطالباً الدولة والمجتمع العمل من أجل إنهاء مشاكل التشرد وأن يعمل الإعلام على عكس قضاياهم حتى لا يشعروا بأنهم منبوذون من المجتمع.

أفراد صالحون

لا يوجد إنسان خرج إلى الوجود وهو يحمل بذرة الشر في دواخله، وحتى الخروج عن جادة الطريق ومبارحة حضن الأسرة تكون له دوافعه التي تتوزع ما بين العام والخاص، والشباب الذين جلست إليهم في الدار يحتاجون إلى فرصة أخرى فجميعهم يريدون أن يكونوا أرقاما مؤثرة وأصحاب مجهود في الحياة، وإذا كان مركز الإدريسي يؤدي دوره جيداً في تأهيلهم وإعادة صياغتهم، فإن جهات كثيرة مطالبة بأن توفر لهم فرص عمل مستقرة بعد خروجهم من الدار أفراداً صالحين حتى لا يعودوا إليها مجدداً.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
9 + 5 = أدخل الكود