الدولار.. وقرار ترمب..!

عرض المادة
الدولار.. وقرار ترمب..!
7324 زائر
28-09-2017

الاحتفائية التي قابل بها الكثيرون هبوط أسعار النقد الأجنبي في السوق الموازي، عقب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بإلغاء حظر دخول السودانيين إلى أمريكا، تكشف عن أزمة كبيرة يعيشها هذا الوطن. فليس من المنطق أن نصفّق كلنا ــ أو أكثريتنا ــ لمجرد أن سعر الدولار تراجع لــ(20) جنيهاً، بعدما كان في حدود الـ(23) جنيهاً..!

نعم؛ ليس من المنطق أن نفعل ذلك، لجهة أن التراجع ليس كبيراً. كما أنه ناتج عن أسباب عرضية، وليست أصيلة. فهل تراجعت أحلامنا إلى هذا الحد المتواضع..؟!

بالطبع؛ ليس من حقي أن أصادر فرحة الناس، لكنني لست مثلهم، لا أطرب لغواشٍ ليست أصيلة تطرأ على حركة النقد الأجنبي، فتجعل الدولار يتخلَّى عن بعض عناده، دون أن يتنازل عن كبريائه. ولكل هذا لا أتحمَّس لمثل هذه المتغيرات العابرة، أو لمثل هذا الجزر الذي سيعقبه مدٌ عاتٍ، وإنما أصفِّق للتراجع البائن والملحوظ، والقائم على أُسس اقتصادية راكزة، وعلى سياسات عملية، تضع الملح على الجرح. وليست على عمليات تخدير آنية، تجعل الوجع "يِتَاور" الجنيه السوداني بعد زوال "البنج" الموضعي..!

ومع ذلك كله أقول؛ إن من حق الذين فرحوا لتراجع الدولار أن يطربوا، ومن حقهم أن يصفِّقوا. لكننا نريد لهم أن تنشرح صدورهم بأكثر مما يحدث حالياً. فإذا وضعت الحكومة على عاتقها مهمة إعادة التوازن للجنيه السوداني، وإذا شرعت في ذلك فعلياً من خلال خطة محكمة القسمات، واضحة المعالم، لا تحابي فيها زيداً، ولا تختصم فيها عمراً، فإننا سوف نضمن لها أن تعيد إلى الجنيه بعض ألقه المفقود..! وحينها سيفرح الناس بانبساطة وانشراح أكبر بكثير مما يحدث حالياً..!

وظني أن أمراً كهذا ليس عسيراً، لكنه في حاجة لجراحة عميقة، تصل إلى جوهر الأزمة، وتستأصل العِلَّة من جذورها، بحيث تضع حداً لتراجع العملة الوطنية مقابل النقد الأجنبي. وهي مهمة لا تتطلب سوى عقل حكومي عليم بالأزمة، ويد تنفيذية غير هيَّابة تدخل إلى عش الدبابير، ممن دان لهم أمر التحكم في حركة صعود وهبوط النقد الأجنبي. ولا تكتفي بضخِّ النقد في المصارف من حين لآخر، دون وضع سياسات حاذقة وصارمة لضمان الحصول على النتائج المرجوة..!

ولكن قبل ذلك؛ يجب إغلاق حنفيات الحكومة التي تسيل منها مياه الدولار في غير وجهتها الصحيحة. وبالطبع لا بد أن تغشى طائلة تلك الحملة نثريات المسؤولين المخصصة لسفرهم الخارجي، لتُبقي على ربعها فقط. وأن تقوم بزجر أية وزارة أو جهة حكومية تقوم بشراء النقد الأجنبي من السوق الموازي لتوفير حاجياتها من الخارج. وأيضاً على الحملة أن تطال بعض النافذين ممن يعتبرون ركائز أساسية في سوق المضاربة وتجارة العملة. وحينها سيتراجع الدولار إلى الحدود الطبيعية، أو حتى إلى الحدود التي كان عليها قبل انقلاب الانقاذ، والتي كان يسخر منها العميد صلاح الدين كرار. وإذا هبط الدولار إلى تلك الحدود، فإن ذلك يعني أنه تراجع ألف مرة، وهو في ظني ــ وبالطبع في اعتقادكم أيضاً ــ سبب كافٍ يبعث على الاحتفاء والنشوة.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 6 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
من الذي تغيَّر؟ ..! - يوسف الجلال
سياسات متخبِّطة...! - يوسف الجلال
سياسات متخبِّطة...! - يوسف الجلال
سياسات متخبِّطة...! - يوسف الجلال