حاولوا جرَّه للحالة السودانية.. انهيار دول العرب الحديثة.. هكذا تحدَّث (المفكِّر) التجاني عبد القادر

عرض المادة
حاولوا جرَّه للحالة السودانية.. انهيار دول العرب الحديثة.. هكذا تحدَّث (المفكِّر) التجاني عبد القادر
تاريخ الخبر 07-09-2017 | عدد الزوار 3258

الخرطوم: نجاة إدريس

أثارت محاضرة "انهيار الدولة الحديثة في البلاد العربية.. نظرة مقاربة"؛ والتي قدمها بروفيسور التجاني عبدالقادر بكلية الآداب بجامعة الخرطوم ظهر أمس (الثلاثاء)، العديد من التساؤلات التي طرحها الحضور على مقدِّم المحاضرة، محاولين اسقاط حيثيات المحاور على الواقع الذي تعاني منه الدول العربية على وجه العموم والسودان على وجه الخصوص.

الدول الحديثة

وأشار بروفيسور التجاني عبد القادر إلى أن الدول الحديثة تكوَّنت بعد سقوط الخلافة العثمانية ــ طوعاً أو كرهاً ــ بعد أن لحق هذه البلاد الاستعمار الأوروبي. مضيفاً أن مفهوم حداثتها يكمُن في كونها حديثة في هيكلها ونظمها الإدارية. ثم استمرت هذه الدول بعد تحررها من نير الاستعمار لمدة ثلاثة عقود، قبل أن يصيبها الانهيار، وتقتلع شوكتها الثورات، أو الانقلابات.

أسباب السقوط

وعزا عبد القادر أسباب هذا الانهيار للدول الحديثة ــ في البلاد العربية ــ للاستبداد والترف، والذي يؤدي بالتالى إلى هرم الدولة وزوالها ــ بحسب النموذج الذي تعرَّض له العالم العربي ابن خلدون ــ ويرتكز ابن خلدون في نظريته هذه على أن نموذج الدولة هذه يرتكز على مفهوم العصبية، والذي بموجبه يحصل الحاكم على الملك والسلطة. مضيفاً أن العصبية هذه تضمحل في الجيل الثالث، حيث ينفرد الحاكم بالملك، ويبدأ البحث عن عصبيات جديدة، يمكن تسميتها بـ"الصنائع"، والتي غالباً ما يشتري ولاءها بالمال. مضيفاً أن الحاكم عندما تتدهور عجلة الإنتاج في بلاده، يضطر لفرض الضرائب والمُكوس على رعيته، مما يضطر الأخيرة لوقف عجلة الإنتاج والاتجاه للمدن. وأضاف عبدالقادر أن الحاكم بلجوئه الاستبدادي لفرض الضرائب ليدفعها لصنائعه يكون قد كسر عصبته الأولى، ولم يشتر ودَّ صنائعه.

دول عجوزة

وبحسب نظرية ــ ابن خلدون ــ يرى بروفيسور التجاني عبدالقادر أن النظرية لا تبحث طريقاً للإصلاح، بحكم أن الدول التي تعاني ــ مما شرحته النظرية ــ من شيخوخة في (عضم) الدولة. وبالتالى اعتبر الناقدين للنظرية بأنها أكثر تشاؤمية، ولكن عبد القادر أقرَّ بفاعلية النظرية في تحديد العناصر الفاعلة في الجسم السياسي، مع معرفة الصراعات المحتملة بين النخب. مضيفاً أن النموذج الخلدوني قاصر على الاحاطة بأشياء حدثت للدول الحديثة بعد أن خرجت من الاستعمار.

هشاشة النظم

وعرض المناقش نموذجاً ثانياً لـ"ألبرت أوهانيو" ــ اللبناني الأصل والبريطاني الجنسية ــ وقد لوحظ أن هذا النموذج يتحدث عن هشاشة النظم في الدول العربية، عازياً الهشاشة هذه للتماسك الكبير في المجموعة الحاكمة، وقدرة ــ هذه المجموعة على أن تجد لها فكرة آيديولوجية تحكم بها، إضافة لربط المجموعة الحاكمة لمصالحها بمصالح الدولة. مضيفاً أن قوة الدولة تكمن في عصبيتها التي تُكوَّن عن طريق الحزب، أو قد تُكوَّن عن طريق تاريخ نضالي. مضيفاً أن مثال لهذه المنظومات "حزب البعث" في العراق وسوريا. مؤكداً أن الحزب قد يكون فيه ارتباط آيديولوجي وعشائري وأسري. مؤكداً أن عوامل القوة في هذا النموذج قد تتحول لعوامل ضعف لأن الاستيلاء على السلطة يكون غير مأمون العواقب. مضيفاً أن الانقسامات الهيكلية بالدولة تؤدى للتنازع مما يجعل حل المشكلات بيد رئيس الوحدة، ومنه إلى الحاكم مباشرة دون اعتبار للدستور.

تحول

وأضاف بروفيسور التجاني أن هذا الأمر يؤدي لتكريس السلطات في يد الحاكم، وبالتالي (فرعنته). مؤكداً أن هذا الأمر قد يحيل النظام الثوري إلى نظام دكتاتوري، أو قد يحوِّل الفكرة الآيديولوجية إلى شعارات فضفاضة، كما حدث في فكرة القومية العربية، والتي تحولت إلى شعارات فقط. وذات الأمر شهدته الحركات الشيوعية والإسلامية. مضيفاً أن الأخيرة بقيت شعارات مشروعها الحضاري كشعارات فقط. مضيفاً أن هناك دول حاكمة تستطيع ــ من خلال هيمنتها ــ أن تسترضي طبقات المجتمع لتصنع طبقة حليفة تكون من الحزب الحاكم أو الفئة المحظوظة. ولكن النظام لا يثق في هذه الفئة أيضاً، مما يجعله يضيِّق الدائرة عليها أكثر.

ثورات

وكشف بروفيسور التجاني عن النموذج الثالث لهنتنجتون ــ صاحب كتاب صدام الحضارات ــ والذي لاحظ أن الدول الحديثة صارت تحكم بطريقة مباشرة، مما أدى لأن تفقد القبيلة مكانتها السابقة. مضيفاً أن هذا الأمر أدى لحدوث فجوة ما بين التنمية الاقتصادية والسياسية. مضيفاً أنه حتى إذا حافظت هذه الدول على التنمية الاقتصادية، فإن هذا لا يضمن بقاءها على سُدة الحكم. مذكراً بانهيار لأنظمة حكمت في ظل استقرار اقتصادي، مثل نموذجي الامبراطور هيلاسلاسي في أثيوبيا، والشاه في إيران. ومن خرجوا من عباءة الأمبراطور في أثيوبيا كانوا هم المنقلبين عليه. وكذلك شاه إيران الذي توسَّع في التعليم، ورغم هذا خرجوا عليه ــ وبحسب نظرية هنتنجتون ــ فإن الثورات لا تقع في المجتمعات الحديثة، ولا في المجتمعات المغلقة، بل تحدث في المجتمعات الانتقالية.

أسباب عديدة

وعرض بروفيسور التجاني النموذج الرابع للباحثة سيدا اتشوشن، والتي عزت سقوط الدول لحدوث فجوة بين الدول والمجتمع. مضيفة أن الفجوات قد تحدث، ولكن قد لا ينتج عنها ثورات. مضيفة أن الثورات لا تحدث دائماً لوجود طليعة حزبية، أو بسبب تغيير في أدوات الانتاج، نتيجة لتغير في الطبقات المجتمعية ــ كما يقول الماركسيون ــ مضيفاً أن الباحثة عزت حدوث الثورات لثلاثة أسباب، وهي طبيعة النظام نفسه، إضافة لطبيعة ارتباط النظام بالنظام الرأسمالي العالمي، إضافة للقوة المعارضة لهذا النظام، ومدى قوتها أو ضعفها. مضيفاً أن أبرز الصفات التي تراها الباحثة تهدد الدول بالسقوط أن يكون النظام منغلقاً وغير قابل للانفتاح. أو أن يكون نظام تسلطياً ــ وغير قابل للاستيعاب والإصلاح. وكذلك أن يكون به قهر سياسي، أو إداري، أو عسكري. مضيفاً أن هذه الأسباب مجتمعة ترشحه للسقوط بامتياز، لأنه لا يمكن إصلاحه من الداخل. كما أن النظام لا يستطيع أن ينفتح على الآخرين، وبالتالى يعتمد على تسلطه وقهره لشعبه.

ارتباط

ونظرا لنظرية الباحثة سيدا فإن معظم هذه الأنظمة تسعى للارتباط بالرأسمالية العالمية، حتى تستطيع أن تنخرط في التحديث الاقتصادي لدولتها، أو لتزيد خبرتها. ولكن بالمقابل فإن الرأسمالية العالمية قد تتخلى عن هذه الأنظمة، كما حدث في تونس ومصر وليبيا، مما يدعو للتشكيك في الرأسمالية العالمية، ولكن العنصر الخارجي هذا له تأثير كبير على مسار الدولة النامية. مشيراً إلى الليبرالية الكلاسيكية بالمقارنة مع المرحلة الحالية من الليبرالية الحديثة. مؤكداً أن النظام الرأسمالي العالمي يقوم على الليبرالية الحديثة، والتي تظهر في تجربة شيلي والرئيس الماركسي الذي أسقطته المخابرات الأمريكية. مضيفاً أن الرأسمالية الغريية دعمت الرئيس اللاحق باعتباره يمثل الليبرالية الحديثة، معتبرة تجربته نموذجاً للتجربة الناجحة التي يجب أن تمرر للعالم.

استداراك

وصاحب المحاضرة تساؤلات واستدراكات حول النماذج الأربعة التي طرحها المحاضر. فيما أضاف المحاضر أن رأيه يقارب رأي النموذج الأول لابن خلدون، والذي يرى أن الأنظمة الهرمة يصعب اصلاحها، وبالتالى لا يجدي معها إلا اقتلاعها من جذورها.

1 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
9 + 7 = أدخل الكود