ضحايا الحرب والظروف الاقتصادية الأطفال.. حينما يدخل الصغار حلبة المسؤولية

عرض المادة
ضحايا الحرب والظروف الاقتصادية الأطفال.. حينما يدخل الصغار حلبة المسؤولية
تاريخ الخبر 08-08-2017 | عدد الزوار 89

الطيب: خلافات والديَّ المتواصلة أجبرتني على العمل

محمد التوم: الرسوم حالت دون استمراري في الدراسة

خبيرة: الحالة الاقتصادية استدعت أن يعمل كل أفراد المنزل

الرعاية الاجتماعية: الدولة عملت بشتى السبل للحد من هذه الظاهرة

الخرطوم: أبوبكر عيسى أبو طاقية

بشارع النيل وعلى شريط طولي يمتد من المتحف القومي وحتى أسفل كوبري توتي، يتجول الصغير "حسون" ذهابًا وإياباً حاملاً ما تيسر من أغراض تتنوع ما بين الحلوى والمناديل الورقية، حسون الذي لم يتجاوز ربيعه الثاني عشر يقول إن أسرته ترسله بهذه الأغراض لتوزيعها على مرتادي تلك الأماكن عسى أن يعود إليهم نهاية اليوم بما تيسر من رزق، ورغم صغر سنه إلا أنك تستشعر فيه روح المسؤولية وكأني به يردد رائعة عقد الجلاد: "كان عمري 12 سنة.. شايل التقيلة مبكرة، لميت شتات بعض الحروف.. وقرايتي تبدو مكسرة".

الرسوم تقذف به بعيداً

محمد التوم الدومة طفل يعمل في مهنة مسح الأحذية "الورنيش" يتخذ من جامعة الخرطوم مقراً لعمله يبلغ من العمر 12 عاماً تحدث للصيحة حديث من يبلغ الستين عاماً، حيث ابتدر حديثه بأغنية مصطفى سيد أحمد "عم عبد الرحيم" معبراً عن ضيق الحال وما آلت إليه حالهم كأطفال حيث قال إنه كان يدرس بإحدى مدارس الحاج يوسف ودرس حتى الصف الخامس، ولكن الرسوم الدراسية حالت دون مواصلته الدراسة، وقد أعرب عن استيائه من هذه الحال بحيث أنه سيعمل جاهداً للعودة للدراسة ومساعدة والدته التي تعمل "ست شاي" بسوق الوحدة، وبشأن والده فقد قال إنه توفي قبل ثلاث سنوات، وهذا السبب الأساسي لخروجه من الدراسة وامتهان الورنيش كمهنة تعود عليه بالعائد الذي يساعده هو ووالدته في دفع إيجار المنزل وتربية إخوته الأصغر منه سناً، وقال إن سبب العمل هو ضيق الحال ليس إلا.

مشكلة أسرية

الطيب رضوان ميكانيكي سيارات لم يتجاوز عمره الرابعة عشرة قال إن سبب اضطراره للعمل هي الخلافات المتواصلة بين الوالدين مع بعضهما بحيث إن هذا الخلاف ألقى بظلاله على الأبناء ما شكل عائقاً في التوجه السليم تجاه المساق الأكاديمي واتخاذ المساق الفني كوسيلة كسب سريعة وتعلم صنعة تمكنه من الاعتماد على نفسه وكسب الزمن ومساعدة إخوته في المستقبل لتجاوز مصاعب الحياة خاصة وأنه شعر أن سبب خلافات والديه كلها هو المال، وبشأن ماذا كان يحلم أن يكون عبر وبكل سرعة أنه تمنى أن يكون "كابتن طيران" وأردف قوله "ولكن الله غالب".

حلم الهجرة

الرضي الخير"سن الفار"، وجدناه محبوباً لدى كل السواقين والكماسرة بموقف كوبر يمرح هنا وهناك وأول ما بدأ به حديثه هو سؤاله "ياخ بتخارجوني من البلد دي ولا لا؟" وقال إن عمله ما هو إلا بحثاً عن المادة الكافية للتمكن من مغادرة البلاد نحو أوربا التي يحلم بها منذ صباه إلى أن يكبر مع العلم أنه يبلغ الثالث عشرة، وقد بين أنه ليس من أولئك الذين يهوون الدراسة وقد خرج منها بملء إرادته وأن والدته ووالده لم يقصرا معه، ولكن رغبته حالت دون مواصلة الدراسة وفضل العمل خاصة وأنه شاهد والده منذ الصغر وهو يقود "الحافلة" فتعلق بالعمل كمتحصل في مركبة عامة "كمساري" معه أو مع غيره لتحقيق أمنية السفر التي ظل يحلم بها دوماً.

نتيجة الحرب

ليس كل قصص وحالات العمالة تلقى هوى عند الصبية، فالأقدار وضغط المعيشة والحياة لا مفر من مواجهتها مما يجعلهم مرغمين على العمل، وهي حالة تنطبق على زكريا يونس البالغ من العمر أحد عشر عاماً الذي يعمل بكفتريا بالسوق العربي، زكريا يعبر عن مدى حزنه لحاله خاصة وهو لم يكن له يد فيها إذ أن كل ما حدث له جراء حرب أهله بدارفور والتي شهد فيها بعينه مأساة تمثلت في وفاة والديه واثنين من إخوته، أما هو فقد نفد بجلده مع أخته وخاله متجهين صوب الخرطوم، وفي المدينة التي لا ترحم ظروف أحد كان لابد له من العمل حتى يتمكن من مسادعتهما على توفير المسكن والمأكل.

وعبر زكريا عن مدى اشتياقه لوالدته ومدينته وكل أصدقائه، وبشأن التعليم عبر عن يأسه من هذا الطريق الذي يعتبره طويلاً ولا يرغب فيه خاصة وأن نتائجه غير مثمرة، واستشهد على ذلك بطلاب الجامعات المختلفة الذين يعملون معه في نفس الكافتريا.

غلاء التعليم

الزين الطيب أحد صبيان السمكرجية في المنطقة الصناعية أمدرمان عبر عن استغرابه من تكلفة التعليم خاصة في الخرطوم حيث أنه وفد من عطبرة ليتعلم ولكن نسبة للغلاء الذي واجهه عند التقديم بإحدى المدارس الثانوية كي يحرز نسبة تمكنه من دخول الجامعات السودانية الكبرى، لذلك كان لابد له من العمل وتجميد السنة ليوفر المال الكافي خاصة وأن الأسرة ميسورة الحال ففضل العمل لفترة زمنية معينة تكفي لتغطية جميع مستلزماته الدراسية بما فيها الرسوم المفروضة، وطالب الدولة بضرورة خفض الرسوم الدراسية سواء بالعاصمة أو الولايات.

نتاج البيئة

ثمة من هو مقدر له العمل في بيئة محددة تيسرت له أسبابها، بحكم الظروف، وهي حالة عبد العزيز حقين "كرنقو" قال إنه ولد في المنطقة الصناعية وترعرع فيها إلى أن وصل لعمره الحالي وهو أربعة عشر عاماً ولا يعرف غيرها مكاناً أجمل خاصة وأنه عمل منذ أن كان عمره ست سنوات مع والدته في بيع الطعام ووالده ميكانيكي سيارات، بعد أن أصبح عمره سبع سنوات أخذه للعمل معه ولكن كل هذا نتيحة لرغبته هو وليس بفرض من أبويه وعن التعليم عبر عن عدم ارتياحه للفكرة تماماً وأنه لا يود إلا أن يكون كوالده خاصة ومهنة والده أصبحت تدر عليهم بالمال الوفير خاصة وهو يشهد بأم عينه العديد من الحالات من الخريجين الذين يحملون من الشهادات ما لا يستهان به، ومع ذلك يعملون معه في نفس المكان بحثاً عن المال، لذلك قرر العمل ومعرفة القراءة والكتابة فقط من أجل العلم بالشيء.

حب العمل

سراج جبريل أحد أهم عمال مصنع ثلج بالمنطقة الصناعية بحيث إنه توكل إليه مهام جسام تتنافى مع عمره حيث يبلغ من العمر خمسة عشر عاماً وهذه المهام التي يقوم بها حيث إنه يعتبر مشرفاً على العديد من العمال الأجانب مسؤولاً عن كل احتياجاتهم، وكذلك على إنتاجيتهم وعلى انضباطهم وعن سبب عمله في المصنع قال إنه يعمل لأنه أولاً يحب التحرك وعدم الجلوس في مكان واحد منذ نعومة أظافره، وعندما كبر وجد ضالته في العمل علاوة على حاجته الماسة لمال نسبة لضيق الحال وحاجة الأسرة نفسها للمال لتلبية الحاجات اليومية.

وفي شأن العمل في المصنع قال إنه قدم الى المصنع منذ سن السابعة وعمل به كصبي "مراسلة" وتعلم كيفية العمل وبلغ من العمر ما وصل اليه آخذاً من الخبرة ما أخذ، وفي رده على تساؤلنا بشأن دراسته، قال إنه توقف عنها في "سنة سادسة"، ولم يواصل فيها نسبة لنفس الإشكاليات التي يعاني منها الكثيرون ألا وهي المال والمشاكل الأسرية.

جانب نفسي

الدكتورة مهيرة النور المتخصصة في الطب النفسي، عددت الأسباب التي تؤدي إلى عمل الأطفال في مجتمعنا، وقد بينت أن أهم هذه الأسباب هي الحالة الاقتصادية للبلاد التي استدعت أن يعمل كل أفراد المنزل لكي يسدوا الحاجات اليومية فالأب مثلاً يخرج من الصباح ولا يعود إلا آخر الليل، فلا يمكن أن يمارس مهامه تجاه أبنائه وهو غير موجود فيحدث الفراغ ويتناقص الاهتمام بالأطفال والأم لوحدها لا تقدر على التربية، هذا إذا لم تكن تعمل هي نفسها.

وأوضحت أيضاً أن من الأسباب غلاء التعليم الذي أصبح تجارة أكثر من أن يكون ضرورة من ضروريات الحياة إذ أن الأسر تعاني اقتصادياً كما ذكرت فأصبح تعليم جميع الأبناء شبه مستحيل في ظل أسر أغلبها محدودة الدخل، وقد أعربت أنها أيضاً تلوم الدولة على اهتمامها الضعيف بأهم شريحة في البلاد ألا وهم الأطفال.

لكن من أهم الأسباب التي تجعل من الطفل عاملاً هي الحالة النفسية للطفل، بحيث أنه يشعر بأنه حمل زائد على الأسرة التي تعوله فعندما تعجز عن توفير احتياجاته لابد له وهو يشهد هذا العجز يعمل عقله بصورة تفوق عمره، وينتج عن ذلك قناعة كاملة للمشاركة في الحلول.

دور الدولة

الرعاية الاجتماعية بدورها أدلت بدلوها في الموضوع متمثلة في مسؤول الرعاية الاجتماعية بمحلية بحري لؤي المنا الذي أعرب عن مدى حزنه لحال الأطفال اليوم، وقد بين أن الدولة عملت بشتى السبل للحد من هذه الظاهرة ولازالت تعمل على ذلك، وقد تم إنشاء العديد من المدارس الحكومية للحد من تفشي ظاهرة غلاء التعليم. وقال إن الشريحة الأهم هي شريحة الأطفال ولابد من الاهتمام بها بشدة، لذلك تم الاعتناء بالتخصصين الأكاديمي والفني بحيث أنه لابد من العمل مع ميول كل الأطفال وتسهيل الأمور للأسر بحيث تحل هذه الحالات بصورة تامة، وأكد أن الهدف الأساسي لأنظمة الرعاية الاجتماعية هي الحد من الظواهر والعمل على رعاية جميع مكوناته وأهمها الأطفال، وأهم مهام الرعاية المجتمعية هو بحث السبل اللازمة لكي تخرج مجتمعاً سليماً.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 5 = أدخل الكود