اللواء (م) إبراهيم نايل إيدام يُقلِّب أوراق العمر عبر الصيحة: "1ــ3"

عرض المادة
اللواء (م) إبراهيم نايل إيدام يُقلِّب أوراق العمر عبر الصيحة: "1ــ3"
تاريخ الخبر 19-06-2017 | عدد الزوار 910

صُدفة قادتني من تلودي لاكمال مشوار تعليمي بالدويم

والدي كان شرطياً في السجون.. وتجوَّلت معه كثيراً في كردفان

مدير المدرسة بالديوم قال لي: "بعد تنتهي الإجازة تجي تقعد معانا في البيت"

كنت أُشارك ضمن أربعة من منتخبات المدرسة الرياضية

الخرطوم: صديق رمضان

تتملَّك السودانيين على اختلاف مشاربهم، قناعة راسخة، بأن حياة صانعي الأحداث في السودان، لم تجد حظها من التدوين كما يجب. ويتلبَّسهم يقين عميق بأن أكثرية المرتبطين بالعمل العام، أهملوا التدوين لحياتهم الخاصة، وأنهم لم يدوِّنوا شهادتهم عن الأحداث المهمة في حياتهم.. وفي تاريخ السودان. لذا ظلَّت بعض الأسرار حبيسة الصدور. في هذه السلسلة من التداعيات، نحاول أن نسلِّط الضوء على جزءٍ من الجوانب الخفيَّة في حياة بعض الذين ارتبطوا لدى الذاكرة الجمعية للشعب السوداني بالاشراقات.. وربما الاخفاقات. ونسعى من خلال ذلك لتتبع سيرة من أسهموا ــ سلباً أو إيجاباً ــ في حركة المجتمع والسياسة. وبالطبع نهدف لتقليب أوراق حياتهم المرتبطة بالجانب العام، دون أن نتطفَّل على خصوصياتهم، حال لم تكن ذات علاقة مباشرة بالشأن العام. دافعنا في كل ذلك أن نعيد كتابة الأحداث والتاريخ. بعد أن تكشَّفت الكثير من الحقائق المهمة، حول كثير من الوقائع التي أثَّرت في المشهد السياسي السوداني. وفي الحلقة الأولى هذه نُبحر مع عضو قيادة مجلس ثورة الانقاذ اللواء "إبراهيم نايل إيدام".

مدينة الرمال والرجال

قبل استعراض جزء من مشواري في الحياة؛ دعوني قراء "الصيحة" الكرام والأفاضل، أشيد بنهج هذه الصحيفة العملاقة، وسعيها الجاد في توثيق تاريخ رموز وقادة البلاد. وهذا الضرب من العمل الصُحفي نبدو في أمس الحاجة إليه، لتثبيت الكثير من الحقائق التاريخية، وتعريف الأجيال الناشئة بما قدمه الكثيرون لهذا الوطن ــ الذي نفخر ونعتز بالانتماء اليه ــ أما سيرة حياتي؛ فهي قد بدأت في شهر يجمع ما بين حرارة الصيف الغائظ تارة، وتساقط الأمطار الخفيفة تارة أخرى. ففي الخامس والعشرين من شهر مايو من العام 1942م أبصرت عيناي الحياة. وأطلقت صرختي الأولى بمدينة تلقَّب بـ"عروس الرمال"، وهي تستحق الكثير من الألقاب فهي مدينة "الرمال والرجال". وشهد "حي السجَّانة" ــ والذي كان يقع غرب "استاد الأبيض" ــ مولدي. حيث كان يعمل والدي "نايل ايدام كدمور" بشرطة السجون. والكل يعرف أن جذوري تعود إلى "جبال النوبة" ــ والتي لها في القلب مكانة ومعزة خاصة ــ بولاية "جنوب كردفان". وقرية "كندية" هي التي خرج من صلبها "أجدادي، ووالدي، وأهلي". إذاً؛ فقد زواجت بين نقاء وجمال الرمال وهيبة وشموخ الجبال، وهذا مدعاة للفخر بكل تأكيد. طفولتي لم تختلف كثيراً عن أترابي، فقد كنَّا أبناء "عساكر"، نتجوَّل.. ونجوب معهم أرجاء البلاد.. نرتشف من كل إقليم رحيقاً، ونستنشق في كل مدينة عبيراً، لتنمو بداخلنا روح القومية. أينما ذهبنا مع الوالد.. كنَّا نجد ذات التفاصيل السودانية. نلهو.. ونلعب ببراءة ممزوجة باطمئنان ورعاية من كل الذين يكبرونا في السن. وقبل دخولي المدرسة.. كنت أعشق كرة القدم.. ويعجبني منظر والدي وهو في كامل أناقته بالزي العسكري المميز لرجال قوات السجون.

تقلُّبات وتنقُّلات

أما مسيرتي التعليمية؛ فقد بدأت بالروضة، أو التعليم قبل المدرسي.. بـ"مدرسة مكي" بـ"الأبيض". وكان ذلك في العام 1948م. ثم ذات المدرسة في المرحلة الأولية. وفي خضم اقبالي على التعليم.. وعشقي الخرافي للذهاب يومياً إلى المدرسة مع أترابي. شاءات الأقدار أن تتوقف مسيرتي التعليمية بـ"الأبيض"، بعد أن تم نقل الوالد إلى "سودري". وبالتأكيد كان لزاماً علينا أن نرافقه، والتحقت بالمدرسة الأولية بـ"سودري" في العام 1949م، ودرست فيها عاميْن. ومجدداً كان علينا حمل عصا الترحال إلى مدينة أخرى، بعد أن تم نقل والدي إلى "الأيض".. وهذه المرة التحقت بمدرسة "القُبَّة الأولية"، وكان ذلك في العام 1952م. وكنت وقتها في الصف الثالث. وفي العام 1953م جلست للامتحان بمعهد التربية بالدلنج. ولكن لم يحالفني الحظ. فالتحقت بمدرسة "وليم نسيم" في ذات العام. وبعد عام تم تغيير اسمها إلى "مدارس النهضة"، بعد وصول البعثة المصرية. وبعد فراغي من العام الدراسي.. كان عليَّ أن أتوجَّه نحو مدينة "تلودي" للحاق بالوالد، الذي تم نقله إليها. وفي هذه المدينة الجميلة حالت ظروف الخريف بيني واكمال مسيرتي التعليمية. وفي العام 1955م جلسنا للامتحان.. ونحن مجموعة كبيرة.. وذلك للالتحاق بمصلحة الزراعة بـ"تلودي"، التي كانت تضم المحلج. وكنت أول المجموعة.. فتم تعييني مسؤولاً عن الجنينة، وحظيرة الأبقار. وتسلَّمت العمل في تلك السِن الباكرة من الاخ "عبدالرحيم عليان". ولكن لم أستمر كثيراً في العمل، لأن نفسي كانت توَّاقة للعلم.

صدفة خير من ألف ميعاد

في العام 1956م؛ حضر إلى "تلودي" الأستاذ الفقيد "علي جلدقون".. لقضاء إجازته السنوية بمسقط رأسه "تلودي". وحينما علم برغبتي الأكيدة والكبيرة في مواصلة مشواري التعليمي، عرض على والدي أن يصطحبني معه إلى مدينة "الدويم" التي كان يعمل فيها معلماً بمدارس "بخت الرضا". فوافق والدي، بعد أن استشعر حبِّي وتعلقي بالتعليم. وكنت وقتها في الرابعة عشر من عمري. وكان مدير مدرسة أولية تسمَّى "الألفية". وبرفقته توجَّهت نحو "الدويم". وكانت السعادة تغمر جوانحي، وأكاد أطير من الفرح.. بل تمنيت يومها أن تطوي بنا العربة الطريق، حتى تطأ قدماي مدينة العلم التي كنَّا نسمع بها كثيراً.. وهي "الدويم". بعد وصولي لم أجد صعوبة في الاندماج والتأقلم مع المجتمع الذي كان بسيطاً ومضيافاً. وتمَّ الحاقي بالفصل الرابع "ج".. ووقتها كانت "3" أشهر فقط تفصلنا عن الامتحانات.. ورغم توقف مسيرتي عن التعليم لفترة من الزمن، لكن لم أدع المخاوف تجتاحني أو تتتسلل إلى دواخلي.. فقد كنت أثق في الله.. لأنني هاجرت من أجل العلم. إضافة لاصراري ورغبتي الكبيرة في النجاح.. وبحمد الله لازمني التوفيق الرباني، وكنت ثالث ثلاثة نجحوا من الفصل في الامتحانات النهائية، وكان معي "حسن عبدالحفيظ السنجك" و"عثمان سليمان". وكان ترتيبي رقم 41 في الأوائل على مستوى "بحر أبيض".

سوء طالع

ولكن لسوء حظي؛ أن الذين يتم قبولهم بـ"مدرسة النيل الأبيض الإبتدائية" ــ والتي كانت بها داخلية ــ "40" طالباً فقط. وتم توزيعي في مدرسة "مبروكة". وكانت الخيارات الأخرى المطروحة أمامي "مدني الصناعية" أو "الدويم الريفية" ــ والتي لم تكن بها داخلية ــ حيث كنت؛ وحسب ظروفي وغربتي أتمنى أن أقطن بالداخلية. تقاذفتني الأفكار.. وغشيتني الحيرة.. ولكن كان لرجل نبيل، وشهم، وكريم، كلمة ازالت عني الحزن. وهو المربي الجليل المرحوم "عبدالرحمن السيد علي" مدير المدرسة الأولوية، والذي قال لي بكلمات ــ كلما أتذكرها حتى اليوم، تتسلَّل الدموع من عينيَّ.. تأثراً واعجاباً به "عليه واسع الرحمة والمغفرة" ــ فقد قال لي بروح أبوية: بعد تنتهي الإجازة تجي تقعد معانا في البيت. وبالفعل؛ كانت أسرة الأستاذ "عبدالرحمن" الصغيرة والكبيرة، بمثابة أهلي منذ ذلك الوقت.. وحتى يومنا هذا. فالعلاقة تحوَّلت لرباط مقدس من الاخاء.. والصداقة.. والاحترام.. وتواصلي مع هذه الأسرة مستمر في الأفراح والأتراح.

فترة خصبة

فترتي بـ"مدرسة الديوم الريفية"، والتي امتدت لـ"4" أعوام دراسية.. أعتبرها من أخصب فترات عمري، لأنني اكتسبت فيها الكثير من أهل الدويم.. وزملائي التلاميذ.. وأساتذتي.. والمدرسة التي كانت تتبع لمعهد بخت الرضا كانت مثالاً للانضباط والتميز. وقد عاصرت "4" من عمداء معهد بخت الرضا.. وهم اساتذة اجلاء.. الفقداء الدكتور "عثمان محجوب"، و"أحمد الطيب" وكان رجلاً علَّامة، ومسرحياً قديراً، وفي عهده تم الاحتفال بالعيد الفضي لمعهد بخت الرضا. وشاركنا في الاحتفالات مع الزملاء بمدارس "مبروكة" و"النيل الابيض" بفقرة الجمباز، الذي كان يشرف عليه الأستاذ "حسين كمال"، وكان معه "عبدالرحيم"، و"الجمل"، و"فزع"، و"أحمد عبدالله". وكان الرئيس الفريق "إبراهيم عبود" ضيف الشرف بصحبة وزير المعارف اللواء "محمد طلعت فريد". ومكث وفدهم "3" أيام.. وشرفوا كل المناشط وفقرات الاحتفال. وماتزال تفاصيل ذلك الحدث محفورة في أذهاننا حتى الآن.. ولا يمكن أن تسقط من الذاكرة.. لأنها كانت حافلة بكل ماهو جميل ورائع من ابداعات الطلاب.. وأساتذتنا الأجلاء.

ملامح رياضية

ومن ذكرياتي أيضاً؛ أنه في المدرسة الأولوية ببخت الرضا ــ كان عدد طلابها ألفاً ــ قد ظهرت ملامح شخصيتي الرياضية في عدد من المناشط، وبالتأكيد على رأسها كرة القدم. ويعود الفضل في تميزي في الرياضة لعدد من الأساتذة الأجلاء، ومنهم "محمد نور"، وحالياً استقر به المقام بمدينة "كسلا". وعبر (الصيحة) أبعث له بعاطر التحايا والتمنيات بموفور الصحة والعافية. وكذلك الأستاذ "محمد إبراهيم حِمْبَّرا"، ويقطن حالياً "مدينة الأبيض"، وكان من أفذاذ لاعبي كرة القدم في تلك الفترة، وكان يلعب بفريق "الأشبال الدويم"، بجانب أساتذتنا و"دالريس"، و"كريشنجة"، و"حسان"، و"نارو"، و"الفكي"، و"عبدالكريم". وكان أستاذنا "محجوب البدوي" يطل علينا بالزي الرياض الأبيض، والحزاء المميز. وكان من المميزين في مناشط الكرة الطائرة والسلة والجمباز. وفي عهده نال فريق كرة الطائرة المركز الأول على مدارس المعهد الأربع، التي هزمناها جميعاً.

تميز وجدارة

وكنت أيضاً من لاعبي في فريق الكرة الطائرة. أما فريق كرة السلة فقد كان يتكوَّن من أفذاذ وموهبين، وعلى رأسهم النائب السابق "عبدالمحمود حاج صالح"، و"عوض قسم الله"، و"إدريس"، و"فاروق أبوزيد"، و"عوض حسان"، و"عوض طه"، وكان الناظر الأستاذ الجليل "علي السيد". وكان يزهو ويفتخر بهذا الفريق، ويتندر على المدارس الأخرى، وهو والد الدكتور "الفاضل" صاحب صيدلية الفارابي. وأذكر أن فريق الجمباز كان من ضمنه البروفيسور الحالي "أحمد الصافي"، والذي كان ينتظره الجميع ليشاهدوا أداءه وابداعاته، وكان يحوز على الاعجاب دائماً. وفي "مدرسة الدويم الريفية" لم نكن نتلقى التعليم الأكاديمي وحسب، بل نؤدي أعمالاً ومناشط أخرى لاكتساب مهارات حياتية وحرف. ومنها زراعة القطن، والخُضَر. وقد أحرزت الدرجة القصوى في "لقيط القطن"، وإلى أن تم ترك زراعة القطن لم يستطيع طالب تحطيم هذا اللقب. وقد تفاجأت حينما زرت الدويم في العام 1991م، وكنت عضو مجلس قيادة الثورة بأن المدرسة تحتفظ بقائمة تحوي كل تفاصيل تاريخها، ووجدت اسمي مدوناً بوصفي قد حققت رقماً قياسياً في حصاد القطن.

أيام لا تُنْسى

أعتقد أن نجاح "مدرسة الدويم الريفية الوسطى" ــ في ذلك الوقت ــ يعود إلى تبعيتها لـ"معهد بخت الرضا"، وكل المدارس المعهدية معروفة بالتميز واكتمال البيئة المدرسية. وهنا أشير إلى أنني ــ وطوال سنين دراستي في هذه المدرسة ــ كنت أحرز المركز الأول في الفصل، باستثناء مرة واحدة، أحرزت المركز الرابع. وبعد سنين حاشدة وحافلة انتهت مسيرتي في المرحلة الوسطى. وقد حققت نجاحاً باهراً نقلني إلى المرحلة الثانوية. وهنا أشير إلى أن رغبتي ــ ومنذ أن كنت في العام الأول بالمدرسة الوسطى بالدويم ــ أن أحقق مجموعاً عالياً يمكنني من الالتحاق بـ"مدرسة خور طقَّت" والتي كانت مهوى الافئدة والقلوب لسيرتها العطرة.

1 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
3 + 1 = أدخل الكود