الخطاب الإسلامي المعاصر بين الثنائيات والتقابلات (2)

عرض المادة
الخطاب الإسلامي المعاصر بين الثنائيات والتقابلات (2)
329 زائر
16-06-2017

نورد اليوم بقية حديث دكتور عصام البشير عن الخطاب الإسلامي المعاصر بين الثنائيات والتقابلات.

4 .. خطاب النخبة والجمهور

تأمل قول الله تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّن لهم" (سورة إبراهيم، الآية: 4) يدل بوضوح على أهمية تخيّر "اللسان" المناسب لكل قوم ولكل خطاب. فليس ما يصلح تعليماً وتربية لـ"أمة الإجابة" صالحاً بالضرورة داعياً وهادياً لـ"أمة الدعوة" وكذلك.. ما يصلح مثاقفة وتأملاً لـ"النخبة" من أهل الفكر والرأي والسلطة بصالح بالضرورة خطاباً عاماً للجمهور.

ولا يعني هذا إحداث نوع من الفصام بين "النخبة" و"الجمهور".. فدين الله تعالى واحد ، بيد أن لكل منه نصيباً مقدوراً من الفهم والوعي والتمثُّل. وفي المأثور عن الإمام علي – رضي الله عنه: "حدِّثوا الناس بما يعرفون.. أتريدون أن يكذّب الله ورسوله؟!" ومثله ما روي عن ابن مسعود.. رضي الله عنه – بسند صحيح: "ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة!".

5. مضمون الخطاب:

5/ 1. الظاهر والباطن: خطاب التزكية

إن الترقي في مدارج العبودية يستلزم مراعاة التلازم بين الظاهر والباطن وتكاملهما.. بإقامة الشعائر والمناسك الظاهرة، ومراقبة الخواطر والمشاعر الباطنة.. وهذا ما يجعل المسلم سائراً إلى ربه سيراً صحيحاً موافقاً للمطلوب منه: ظاهراً وباطناً، بحيث يتوازن كمال الهيئات الظاهرة مع جمال الكيفيات الباطنة، بمراعاة تامة لفقهي الظاهر والباطن وأعمال القلوب والجوارح.. تزكية وإحساناً.

والأمر في هذا هو كما يقول الإمام المربي ابن عطاء الله السكندري: "الأعمال صور قائمة، وأرواحها: وجود سر الإخلاص (وما إليه من معان وأخلاق رفيعة) فيها!". وهذا من مكارم الأخلاق العالية التي لم يبعث النبي الأكرم – صلى الله عليه وسلم – إلا ليتممها (كما روى البخاري في "الأدب المفرد" وأحمد وغيرهما بأسانيد صحيحة).

ويتصل بهذا.. ضرورة أن يعمل الخطاب الإسلامي المعاصر على إزالة حال الفصام النكد الذي لازم أقواماً من أهل الرقائق غير المتحققين بالاقتداء بالهدي

المشروع، وأقواماً ممن قصروا الاتباع على الهدي الظاهر الخالي من التزكية للروح والجوهر.

5/2. التنزيل والتأويل: خطاب الدين.. وخطاب التدين

أدى الخلل في إنزال الدين (المطلق الإلهي/ المثالي/ الكلي) على واقع الناس المعيش (النسبي/ الواقعي/ الجزئي) إلى طرفي نقيض: من خفتت في نفوسهم دواعي الدين، وكاد حضوره يتلاشى في حياتهم اليومية، ومن ازداد استمساكهم بأحكامه الظاهرة من غير منهج متزن.

وإذ يقع الاتفاق على أن "الدين" محفوظ بكفالة الله تعالى ("إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" صورة الحجر، الآية 9)؛ يبقى الأمر في الكيفية التي تكون بها إثارة النزوع إلى "التدين" وتفجير ينابيعه في النفس البشرية، ومن ثم.. تقويم السلوك الفردي والاجتماعي بنهج الدين القويم.

من هنا تأتي أهمية التفات الخطاب الإسلامي إلى "فقه التدين" (منهج تنزيل الدين في واقع الحياة اليومية. يسميه الشاطبي" "الاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط") بموازاة الاهتمام بـ(فقه الدين) (منهج فهم النصوص الدينية واستنباط الأحكام الشرعية منها: علمي الفقه والأصول)، وذلك دفعاً للعبث في التعامل مع الأحكام الشرعية بالتهاون بها.. من جهة، أو بتنزيلها على غير محالها.. من جهة أخرى. وبمثل هذا التوازن في النظر والعمل يتعافى المسلم من علل "التدين المغشوش" (كما كان يسميه الشيخ محمد الغزالي رحمه الله) التي لحقت بالأمم السابقة: تفريطاً وإفراطاً، وكساً وشططاً، إسرافاً وتقتيراً.

5/3. تراث السلف ومعارف الخلف: خطاب الأصل والعصر

ضرورة احترام تراث الأمة بوصفه انجازاً بشرياً حاول فيه أسلافنا تقديم أفضل ما عرفوه ورأوه نافعاً للفرد والأمة في زمانهم، والتعامل معه دون تقديس ولا تبخيس، ودون الاستنامة إليه أو القطيعة معه. بل.. بالنظر الفاحص، والتأمل الواعي، والقراءة الناقدة.. تقديراً للجهود المبذولة فيه، وتسديداً لخطئها، وإكمالاً لنقصها، ولنبني عليها من ثم – بما يناسب تغيُّر الزمان والأحوال – ثقافة معاصرة تحقق مقاصد الشرع، وترعى مصالح الخلق.

ويقتضي هذا التوسط بين الجموع على الموروث وإيجاب التقليد وغلق باب الاجتهاد – نظريا أو عملياً -، وبين جحود الموروث والخروج عن المذاهب جملة وفتح مصاريع باب الاجتهاد لكل من هب ودرج!.

بل (وبناءً على ما سبق في "المنهجية: المنهج.. والمذهب").. احترام المذاهب المتبعة والمدارس العلمية المخدومة دون إغلاق باب الانتقاد الجاد والتجديد الواجب، وإيجاب الاجتهاد على أهله وإيقاعه في محله وتنظيم ما يتعلق بالمصالح والمقاصد الكبرى في هيئات وهياكل منتظمة، ولجم العوام عن التصدر في أمور الأمة العامة، أو الخوض في المسائل الكلامية الفلسفية الدقيقة التي لا تصلح لهم ولا يصلحون لها. وقديماً ألف أبو حامد الغزالي رسالة سماها "إلجام العوام عن علم الكلام"!.

والارتباط بالأصل يقتضي الالتزام بالوحي الإلهي مصدراً معرفياً حاكماً، واتباع الشرع الحنيف فيما أمر ونهى، وتحقيق مراد الله تعالى في الظواهر والبواطن (كل ذلك عبر منهج علمي موثق استغرق تأصيله وضبطه أعمار وجهود علماء أثبات مخلصين على مر القرون).

والاتصال بالعصر يقتضي كذلك: استحصال روح العصر، وتحصيل أسباب الرقي المادي والتقدم الحضاري، والضرب بسهامنا في بناء الإنسانية بكل ما يمكننا.. وهو كثير!.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 1 = أدخل الكود