أزمة الخليج ..من المستفيد؟

عرض المادة
أزمة الخليج ..من المستفيد؟
7520 زائر
15-06-2017

إن من ما فجع به المسلمون في رمضان هذه الأزمة التي ضربت الخليج حصاراً لقطر وانشقاقاً في التحالف العربي الذي وقف صامدًا في مواجهة التهديد الصفوي القادم من الجنوب. ولقد كانت السعودية وقطر لاعبين رئيسيين واستراتيجيين في هذا التحالف، وكان يمكن توسيعه ليكون نموذجاً لجميع الدول السنية لمواجهة الاستهداف الرافضي الصفوي الفارسي وفي استعراضي لهذه الأزمة وتحليلي لها أود تسجيل بعض النقاط :

محطتان في تاريخنا الحديث لا يمكن تجاوزهما لقراءة المشهد السياسي الدولي وإيجاد منهجية تحليلية للأحداث

المحطة الأولى : 11 سبتمبر 2001 والتي انطلقت بعدها حملة شعواء على الإسلام تحت دعوى محاربة الإرهاب الذي تمت نمذجته في القاعدة فكراً وعمليات باعتبارها حركة جهادية أممية لا تعترف بالحدود السياسية للدول وتتخذ من التنكيل بأمريكا طريقاً إلى تحرير القدس ، لقد اتخذت الحرب ضد القاعدة بالإضافة إلى الإجراءات الأمنية مسلكاً فكرياً يدعو إلى ما أسموه الإسلام المدني الديمقراطي ويعمل على الترويج له وإدماجه في المنظومة الدولية وقد استعانت مؤسسة راند الأمريكية الموكول لها هذه المهمة بدعاة وعلماء ومؤسسات دعوية وحركات إسلامية تتبنى ما يعرف بالإسلام الوسطي .

المحطة الثانية : ثورات الربيع العربي وما تمخض عنها من إسقاط لأنظمة تليدة في المنطقة وبروز تيار الإسلام الوسطي قائداً لهذه الثورات ومستثمراً لها في الوصول إلى السلطة والإنخراط في الدولة الوطنية، بينما كانت تعده أمريكا حليفاً غير معلن لمواجهة الإسلام العنيف. كانت تعده الأنظمة الحليفة لأمريكا عدواً لها باعتباره مهدداً لسلطتها عبر نمذجة ثورات الربيع العربي وانتشار ظاهرتها لتضرب عروشا وممالك وحكومات. هذا الخوف من تمدد الإسلام السياسي الوسطي جعل تلك الممالك والحكومات تعمد إلى رميه بالإرهاب وحظر نشاطه وإن كان نشاطه سلميا وأدواته في التغيير ديمقراطية !!

هاتان المحطتان انتهت بالإسلام الجهادي والإسلام الوسطي معا في قفص الإرهاب تصنيفاً وتضييقاً واعتقالاً وتجفيفاً لموارد التمويل وشيطنة في الإعلام ليصبح عند القارئ للمشهد لا فرق بين البغدادي الذي سلك مسلك صناديق الذخيرة و محمد مرسي الذي سلك مسلك صناديق الانتخابات ولا فرق بين الملا عمر الذي حطم صنم بوذا و القرضاوي الذي أنكر عليه ذلك وإني إذ أذكر بهاتين المحطتين أود التأكيد على الآتي :

ما تمر به الأمة الآن من محن وابتلاءات لم تكن هي الأولى في تاريخها، فقد سقطت من قبل بغداد على يد التتار واحتل الصليبيون القدس 90 عاماً .

إن انتكاسات الأمة العسكرية والسياسية السابقة لم تصحبها انتكاسات فكرية على نحو شرعنة الاحتلال ورمي المجاهدين بالإرهاب، بل ظل علماء الأمة وفقهاؤها يدونون في كتبهم وفتاواهم ويرددون في منابرهم الدعوة إلى الثورة على الطغاة وتحرير البلاد من الاحتلال حتى أخرجت جيل سيف الدين قطز وجيل صلاح الدين الأيوبي .

إن التعاون العسكري والأمني في مكافحة الإرهاب بما في ذلك قاعدتا العديد والسيلية لم يشفع لقطر في نفي تهمة الإرهاب عنها بل لم تتدخل مؤسسة راند في فرعها القطري ومكتبها بالدوحة لتصدر شهادة براءة لقطر، هذا المشهد يؤكد أن أمريكا لا تريد إلا مطابقة تامة كاملة في العقيدة السياسية والمواقف والخطاب !!

هذا الدرس القطري وردود الفعل العنيفة والإجراءات الخانقة التي اتخذتها مجموعة سامب (سعودية امارات مصر بحرين) ضد قطر تبقى درساَ عظيماً وعبرة وعظة للمنتظرين في الخرطوم لرفع العقوبات الأمريكية عنهم ليدخلوا سنة أولى تحالف علني ورسمي مع أمريكا ماذا جنت الدوحة من التحالف وقد بلغت به ما فوق الجامعة ؟!

إنني أدعو الذين شاركوا في قمة الرياض إلى إعادة النظر في تعريف الإرهاب الذي تبنته القمة إذ طرحت قمة الرياض مفهوماً جديداً للإرهاب ، فالإرهاب والتطرف الذي يسعون لمحاربته وتجفيف منابع تمويله هو (الدعوة للتغيير انطلاقاً من مرجعية إسلامية) فكل الحركات والدعاة والرموز الفكرية التي تدعو إلى التغيير على أساس إسلامي فهي إرهابية متجاوزين بذلك التعريف السابق الذي كان يحصره في العمل المادي العنيف .

إن عقيدة محاربة الإرهاب تحولت من تحقيق الأمن للشعوب بمنع حدوث الأعمال التفجيرية إلى تحقيق أمن الأنظمة واستقرارها بتجريم الدعوات الإصلاحية ورميها بالإرهاب وإن سلكت مسلكا ديمقراطياً مدنياً ، وبهذا الفهم يمكن القول إن الإرهاب ما بعد قمة الرياض هو وصف لكل معارض .

إن قائمة سامب للشخصيات والمنظمات الإرهابية ضمت شخصيات وحركات لم يتجاوز عملها الميداني الاغاثة للمنكوبين وبعضهم له أحزاب سياسية معترف بها في بلده ويمارس نشاطه السياسي بطريقة رسمية ، هذه المعايير الجديدة والأدوات المستحدثة للتصنيف تكشف عن دخولنا مرحلة جديدة من الحرب على الإرهاب بعد انجاز مرحلة شيطنة القاعدة وداعش إلى مرحلة شيطنة الإسلام الوسطي حليف الأمس .

إن ما اتهمت به قطر ينبغي أن يكون مصدر فخر لها، إذ قطر المناصرة لحماس وحق الشعب الفلسطيني في الحرية والمساندة للربيع العربي وحق الأمة في الكرامة ونيل حقوقها السياسية، اكتسبت به احترام شعوب المنطقة والموضوعيين في العالم . وبالمثل فعلت المملكة العربية السعودية وهي تنصر الشعب اليمني وتغيث أهله وتفقد أبناءها وهي تسعى لتخليصه من الحوثيين .

هذه الحيثيات تستوجب الدعوة إلى الآتي :

العمل الحثيث والجاد والمخلص لإصلاح ذات البين للحفاظ على بيت خليجي مؤتلف لمواجهة الأطماع الفارسية والتمدد الرافضي في المنطقة .

إطلاق هذه الرموز العلمية والدعوية هيئة عالمية تتبنى خطاباً ممانعاً في حده الأدنى يدعو لتحرير مصطلح الإرهاب وضبطه حتى لا تستغله الأنظمة في مواجهة خصومها السياسيين .

المواصلة في دعم ثورة الأمة المباركة في مصر والشام واليمن وليبيا لتحقيق تطلعات شعوب تلك البلدان في الحرية والعيش في ظل نظام يعبر عن هويتهم ويصون عقيدتهم ويحفظ كرامتهم .

إطلاق هيئة حقوقية سياسية دولية تدعو لاحترام خيارات الشعوب وخصوصيتها الثقافية وحق الحركات الإسلامية في المشاركة في الحياة السياسية بعيداً عن الشيطنة والتشويه تضم الهيئة شخصيات غربية موضوعية .

إطلاق محور للممانعة في حدها الأدنى يضم ( الرياض _إسطنبول _الدوحة _الخرطوم ) يدعم حق الأمة في أرض فلسطين ويساند ثورات الشعوب للانعتاق من عقابيل الحكومات الوظيفية والدولة العميقة ويؤسس لبديل حضاري ناهض اقتصادياً وفاعل سياسياً و متعايش مع الغرب الموضوعي على قاعدة المصالح بعيداً عن هيمنة حاكمية الغرب وفرضه للقيم الغربية .

إن ما طرحته هنا هو الخطاب الواقعي في حده الأدنى ودونه الدفع بالمنطقة إلى حالة من الفوضى والإستنزاف الذي ربما بسقط عروشاً ويذهب بخرائط دول ليكون الجميع خاسراً والمستفيد الوحيد هو التخالف الصهيوصليبي الرأسمالي المتوحش .

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 4 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد