الخطاب الإسلامي المعاصر ..بين الثنائيات والتقابلات (1)

عرض المادة
الخطاب الإسلامي المعاصر ..بين الثنائيات والتقابلات (1)
652 زائر
09-06-2017

نورد اليوم حديث د. عصام البشير حول الخطاب الإسلامي المعاصر بين الثنائيات والتقابلات ويقول - حفظه الله- ما يلي :

مصادر المعرفة: يتجسدان في الوحي والكون.

ونقول استطرادا إن الخطاب الإسلامي المعاصر يتأسس على مصادر المعرفة الشرعية والطبيعية : بين كتاب الله المسطور (القرآن المجيد) وبين كتاب الله المنظور (الكون وما فيه)، الذي هو – في الخلاصة النهائية – جمعٌ بين علوم الشريعة التي بها يستقيم الدين، وبين علوم الحياة التي تستقيم بها الدنيا.. ولابد من إقامة كليهما، لأنهما من مشكاة واحدة، وقد أُمرنا بأن نقيم الوزن بالقسط وألا نخسر الميزان!

وبهذا الجمع المتوازن يكون تحقيق القراءتين اللتين أمر الله – عز وجل – بهما نبيه – صلوات الله عليه – أول ما أمر: "اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم" (سورة العلق: الآيات (1-5).

المنهجية: المنهج.. والمذهب

منهجية الخطاب الإسلامي المعاصر نابعةٌ عن "منهج" الإسلام في أصوله التي قررها سلفنا الصالح، لا أن تكون دائرة مع "مذهب" من المذاهب (مع أهمية "المذهب" في إطار الدراسة الأكاديمية المتخصصة، التي تكون مدخلاً إلى التقويم والاختيار والاجتهاد).والالتزام بمنهج سلف الأمة، أهل القرون الفاضلة المشهود لها بالخير والإيمان، يكون في كلياته ومنطلقاته ومرجعياته في النظر، والاستدلال وتحقيق المناط (دون جزئياته وفرعياته).. مع ضرورة إدراك أنه ميدان فسيح، تنوعت فيه المدارس، وتعددت فيه المذاهب، حيث وسع: رخص ابن عباس، وعزائم ابن عمر، وأثرية ابن حنبل، واجتهاد أبي حنيفة، وظاهرية ابن حزم، ومقاصدية الشاطبي، ورقائق الجنيد، ومنطقية الغزالي، وموسوعية ابن تيمية.

ومن الخطأ المنهجي أن ينحسر مدلول الانتماء إلى هذا الكسب المعرفي الزاخر المتراحب إلى أن يكون مذهبية ضيقة عنوانها اختيارات فقهية وفكرية لبعض الإعلام في الأعصر المختلفة، دون رعاية لشمول المنهج، أو إدراك للسياقات الظرفية التي اقتضتها، والتي هي – من جهة أخرى تمثل لوناً من الاجتهاد البشري الذي يرد عليه ما يرد على سائر المنجزات البشرية من عوارض الخطأ والتقصير.. مع ما فيه من جوانب الإجادة والتوفيق..

وتلمذة المنهج هذه تؤكد ، من بعد ، ضرورة ألا يتأخر جيل عن أن يقدم كسبه وإبداعه وخبرته الخاصة؛ ليضيف إلى جهد من سبقه، مستفيداً من الخبرة المتراكمة، مجدداً في الطرائق والوسائل، مقتحماً – بجراءة وثقة ووعي – قضايا عصره ونوازله.

مستويات الخطاب: أمة الدعوة.. وأمة الإجابة

أُرسل النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى الثقلين جميعاً حتى قيام الساعة، فكل المكلفين من لدن بعثته الشريفة وحتى آخر مكلف تقوم عليه الساعة هم من "أمة الدعوة" باعتبار توجه خطاب الإسلام اليهم، أما "أمة الإجابة" فهم من استجاب للدعوة المحمدية وأسلم وجهه لله تعالى.

ولكل من هؤلاء وأولئك أرسل النبي الخاتم رحمة: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (سورة الأنبياء، الآية 107).

وينبغي أيضاً أن يكون لكل مستوى ومضمون يخصه في الخطاب الاسلامي.. أما "أمة الدعوة" فيتأسس الخطاب الموجه إليها على هدي عدد من المبادئ ونشير إلى بعضها.. منها:

3/1. الاعتراف بأن الاختلاف بين بني البشر في الدين واقع بمشيئة الله تعالى، فقد منح الله البشر حرية الاختيار في الاعتقاد بين الإيمان والكفر.

3/2. وحدة الأصل الإنساني والكرامة الآدمية: انطلاقاً من قوله سبحانه وتعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم" (سورة الحجرات، الآية 13)، وقوله: "ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات" (سورة الإسراء، ا لآية 70).

3/3. التعارف: لقوله سبحانه وتعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم" (سورة الحجرات، الآية 13) وكما ورد في الحديث: "وأشهد أن العباد – كلهم – إخوة" (رواه أبو داود). فالتعارف أساس دعا إليه القرآن، وضرورة أملتها ظروف المشاركة في الدار أو الوطن بالتعبير العصري، وإعمال لروح الأخوة الإنسانية بدلاً من إهمالها. ومن ثمرات التعارف التي دلت عليها الآية الكريمة، حصول المعرفة وتبادل التجارب وكذلك بذل المعروف .

3/ 4 التعايش: إذ أن حياة المتشاركين لا تقوم بغير تعايش سمح: بيعاً وشراء.. قضاء واقتضاء.. ظعناً وإقامة. وتاريخ المسلمين حافل بصور التعامل الراقي مع غير المسلمين. وقد حدد الله سبحانه وتعالى أساس هذا التعايش بقوله: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين" (سورة الممتحنة، الآية 8).

3/5 التعاون: كثير من القضايا العامة تشكل قاسماً مشتركاً بين المسلمين وغيرهم، ويمكن التعاون فيها، كما أن الأخطار التي تتهددهم معاً ليست قليلة، ويمكن أن تشكل هذه القواسم المشتركة منطلقاً للتعايش والتعاون..

وأما "أمة الإجابة" فيتلخص ما يجب أن ينصرف إليه الخطاب الإسلامي المعاصر بخصوصها في كلمة: "المصالحة"!

المصالحة بين العاملين في الحقل الإسلامي، ولاة وقياماً بالفرائض والشرائع، يقول الحق عز وجلّ: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم" (التوبة، الآية: 71).

المصالحة بين جماعات العمل الإسلامي والتيارات الوطنية والقومية، تعاوناً على البر والتقوى، وتناهياً عن الإثم والعدوان، يقول الله تبارك وتعالى: "وتعاونوا على البر والتقى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب" (سورة المائدة، الآية: 2).

المصالحة بين المؤسسات الرسمية والشعبية.

المصالحة بين الشعوب والأنظمة.

ولنا، بإذن الله تعالى، إلى هذه "المصالحات" الواجبة عودٌ عند حديثنا عن "آفاق الخطاب الإسلامي المعاصر".

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 6 = أدخل الكود