"الوطني" والإقرار بالفشل..!

عرض المادة
"الوطني" والإقرار بالفشل..!
165 زائر
04-06-2017

لا يملك المرء سوى أن يحار وتتملكه الدهشة حينما يسمع رجلاً مثل مسؤول القطاع الاقتصادي في المؤتمر الوطني الدكتور حسن أحمد طه، وهو يعترف علناً بأن السياسات الاقتصادية الخاطئة التي انتهجها حزبه أرهقت المواطنين وأفرزت جراحات غائرة في جسد الاقتصاد..! ولا يملك المرء سوى أن يتعجب من القول الذي جرى على لسان طه، ذلك أن مثل هذا الحديث ينبغي أن يكون متبوعاً بحملة إقالات أو استقالات، فليس من المنطق أن يخرج المسؤول الاقتصادي الأول في الحزب الحاكم ليعترف بأنهم أوردوا البلاد والعباد موارد الفقر والهلاك، ثم يمضي دون أن يحدثنا عن محاسبة المتورطين في ذلك، ودون أن يشير إلى أن صُنّاع القرار الاقتصادي قدموا استقالاتهم، تكفيراً لما اقترفوه من جرائر في حق هذا الشعب المسكين..!

صحيح أن الاعتراف في حد ذاته محمدة، لكن المنطق يحتِّم أن تكون هناك تبعات لذلك الإقرار النادر، خاصة أن الغرض من تلك السياسات الاقتصادية القاسية التي نفذتها الحكومة لم يتحقق، بل ترتب عليها نتائج وتضاعيف كارثية. وعليه من باب أولى أن تتم محاسبة الذين اجترحوا تلك السيئات والنقائص، والذين عكفوا على تنفيذها، بدلا من الإقرار بخطل تلك القرارات فقط، خاصة أن الحكومة كانت تصر إصراراً عجيباً وغريباً على المضي في تلك السياسات، على الرغم من الفواتير الباهظة التي انبنت عليها، مثل مقتل أكثر من (86) من خيرة شباب السودان في المظاهرات التي خرجت في سبتمبر 2013م ضد قرار الحكومة بزيادة أسعار المحروقات.

المثير للأسى، أن الحكومة لم تتعظ من فشل تجربة زيادة الأسعار في ذلك العام، ولم تتعلم الدرس من الدماء التي أريقت في رابعة النهار حينها، بل مضت سادرة في غيها، وقامت بتجريب ذات السياسة الكارثية مرة أخرى، وذلك عندما رفعت يدها كلياً عن دعم استيراد الدواء، الأمر الذي ترتب عليه تحرير العلاج، بمثلما تم تحرير الوقود والمحروقات، وتبعاً لذلك شهدت أسعار الدواء قفزة جنونية، بات معها من العسير على الفقراء الحصول على العلاج والدواء المطلوب، إلا من خلال الاستعانة بآخرين..!

وطبعاً كلكم تعلمون أن هذه الحزمة من السياسات كان لها تأثير مضاعف على المواطنين، خاصة أن الزيادة لم تكن قاصرة على أسعار الدواء فقط، وإنما شملت سلعاً ضرورية وأساسية كثيرة، مما أدخل ميزانية الأسر إلى غرفة الإنعاش كلياً. ولعل ذلك ما حفّز قطاعات واسعة من السودانيين لمناهضة تلك القرارات الحكومية، من خلال تجريب وسيلة أخرى أقل كلفة من وسيلة التظاهر التي أدت إلى مقتل العشرات من قبل، فكان أن تم تنفيذ العصيان المدني، الذي جعل الحكومة تتراجع نوعا ما، وتعيد النظر في بعض القرارات ولا سيما المتعلقة بأسعار الدواء.

والآن يأتي أرفع مسؤول اقتصادي في حزب المؤتمر الوطني، الدكتور حسن أحمد طه، ليعترف بخطأ تلك السياسات، ويجزم بأنها أرهقت المواطنين..! وعليه لا نملك سوى أن نلفت عناية طه إلى أنه ليس من خيار أمامهم سوى الاعتذار للشعب عن تلك السياسات طالما أنها مرهقة وقاسية، أو تنفيذ موجة محاسبة عاتية، أو أقلّه محاسبة ذاتية يستقيل عبرها المسؤولون من تلك السياسات الاقتصادية، أو أن يتم التراجع عن تلك القرارات كلياً، خاصة أن البدائل والمقترحات المطروحة لتلافي الآثار الكارثية التي ترتبت عليها، لم تكن فعالة ولم تحقق الحل التعويضي المأمول.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 7 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
من الذي تغيَّر؟ ..! - يوسف الجلال
سياسات متخبِّطة...! - يوسف الجلال
سياسات متخبِّطة...! - يوسف الجلال