الأدلة النقلية والعقلية على بطلان التعديلات الدستورية (9ــ 10)

عرض المادة
الأدلة النقلية والعقلية على بطلان التعديلات الدستورية (9ــ 10)
7615 زائر
20-04-2017

الحرية الدينية وشبهة الاستدلال بقوله تعالى: (لا إكراه في الدين) 4

بعد استعراض أقوال المفسرين في قوله تعالى (لا إكراه في الدين)، خلصنا إلى أن الراجح في تفسير الآية أنها مخصوصة وليست على عمومها، فخرج من هذا العموم المشركون فلم يجعل الله لهم جزية كأهل الكتاب والمرتدون فجعل عقوبتهم القتل وهذا المعنى يتبين لكل باحث متجرد إذا جمع النصوص في المسألة وتفقه في دلالات العموم والخصوص والإطلاق والتقييد والإجمال والتبيين، وقد ذكرت في الحلقة الثامنة الوجه الثامن والتاسع في الرد على شبهة الاستدلال بقوله تعالى (لا إكراه في الدين) على الحرية المطلقة، وقد بينت أن هذا الاستدلال خاطئ من عدة أوجه وهذا الوجه :

الوجه العاشر: من أعظم صفات هذه الأمة الخاتمة وإمارات خيريتها أنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فالأمر بالمعروف غير الدعوة إلى المعرفة والنهي عن المنكر غير الدعوة إلى ترك المنكر، فالأمر والنهي فيهما قدر من الإلزام والحمل على الطاعة تأمل هذه الآيات الكريمات

1/(كُنْتُمْ خَيْرَ اُمَّةٍ اُخْرِجَتْ لِلْنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرَهُمُ الْفَاسِقُونَ) (آل عمران/110)، فهذه الأمة عماد خيريتها أنها تأمر (تأمر بالمعروف)، فالأمر بالمعروف فيه قدر من الإلزام والحمل وهو وظيفة هذه الأمة وأنها تنهى (تنهى عن المنكر)، والنهي عن المنكر فيه قدر من الإلزام والحمل وقد جعل الله للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر على العاصي سلطاناً يخوله بأمره ونهيه وإن اضطر لاستخدام اليد في ذلك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم. فما قول دعاة الحرية المطلقة في هذا الحديث الذي بالكاد يصل درجة التواتر من الشهرة والانتشار بين المسلمين، وقد رواه البخاري: الجمعة (956)، ومسلم: الإيمان (49) والترمذي: الفتن (2172)، والنسائي: الإيمان وشرائعه (5009)، وأبو داود: الصلاة (1140) وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (1275)، وأحمد (3/54).

فهل يعتبر الحديث دعوة للإكراه أم هو دعوة للنجاة؟! النجاة التي يستفيد منها العصاة والمجتمع كله على حد سواء، إن المنظومة المعرفية الإسلامية تنشئ فهماً مختلفاً عن سلوك الإنسان وتوازن بين المسؤولية الفردية والجماعية عنه، فهي لا تنظر إليه من زاوية المسؤولية الفردية فقط، وإنما تجعل للمجتمع مسؤولية تجاه سلوك الأفراد تتطلب تدخلهم لتحقيق السعادة للجميع، تأمل ما رواه البخاري في صحيحه عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً).

القارئ الكريم تدبر قوله عليه الصلاة والسلام، (فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا)، فلا بد من الأخذ على أيدي المجرمين والطغاة والأخذ على الأيدي تعني المنع بالقوة الملجئة لترك المنكر وفعل المعروف بل في نصوص أخرى، يأتي التصريح بوجوب الإجبار على ترك الظلم والنهي عنه، عن ابن مسعود رَضِيِ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ: (إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق اللَّه ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده. فلما فعلوا ذلك ضرب اللَّه قلوب بعضهم ببعض) ثم قال: { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } إلى قوله {فاسقون} (المائدة 78، 79، 80، 81) ثم قال: (كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربن اللَّه بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم) رواه أبو داود والترمذي وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. هذا لفظ أبي داود، فتأمل قوله عليه الصلاة والسلام (ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً) فهذا أمر بالإجبار وتوجيه إلى الإلزام ودعوة لحمل المجرمين على الاستقامة ومثل هذا الحديث وتلك الآية نظائرهما من القرآن الكريم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذه الشعيرة العظيمة التي هي أمارة خيرية هذه الأمة دليل على بطلان دعاوى من استدل بقوله تعالى (لا إكراه في الدي ) على منع حمل الناس على الاستقامة على الحق . ويحسن بي في ختام هذه الحلقة التذكير ببعض الأدلة على هذه الشعيرة العظيمة (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ) (آل عمران/114) وقال عز وجل ( وَلْتَكُن مِنكُمْ اُمَّـةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران/104) وقال تعالى (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِاَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِـلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْءانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّآئِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (التوبة/111-112 وقال ربنا المتعال (الَّذِينَ إِن مَكَّنَّاهُمْ فِي الاَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وءَاتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الاُمُور) الحج/41 وقد جعل ذلك صفة المؤمنين المنافية لصفة المنافقين فقال الله تعالى (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَولِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ اُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة/71 .

ونواصل

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 1 = أدخل الكود
جديد المواد