الأدلة النقلية والعقلية على بطلان التعديلات الدستورية (6__8)

عرض المادة
الأدلة النقلية والعقلية على بطلان التعديلات الدستورية (6__8)
7278 زائر
19-03-2017

الحرية الدينية وشبهة الاستدلال بقوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)

أتناول في هذه الحلقة الأخيرة شبهة الاستدلال بقوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). البقرة (256) فهي من أكثر الاستدلالات انتشاراً لدعاة الحرية الدينية بمفهومها الليبرالي الذي يسقط حد الردة ويجعل للإنسان إختيار أي دين كان ولو كان من اختلاقه كما هو نص المادة المقترحة في التعديلات الدستورية وسأناقش الاستدلال بهذه الآية من عشرة محاور باختصار شديد وأجعل التوسع في المسألة في مكان آخر:

1/ ما معنى الدين في هذه الآية إن كان مناه الاعتقاد فالآية تقرير لواقع وليست تأسياسا لحكم شرعي ذلك لأن الاكراه على العقائد أصلا ممتنع ولا يمكن وقوه فالنفي في قوله تعالى (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) نفي للوقوع وليس نهياً عن الإيقاع لأن الوقوع أصلاً مستحيل ذلك لأن العقائد مكانها القلوب والقلوب لا يستطيع أحد أن يكره أحداً على شيء يؤمن به في قلبه فلا يمكنني أن أقول اعتقد من قلبك أن الملائكة حق وإلا قتلتك فهذا لا يمكن وقوعه وإنما الإكراه يكون على الاأقوال والأفعال ولا يكون على العقائد فبهذا المعنى إذا كان الدين هنا بمعنى العقيدة فلا جديد أنشأته الآية بل قررت حقيقة واقعية وهي أن الإكراه على العقيدة ممتنع.

2/ أما إذا كان الدين بمعنى الأفعال والأخلاق وليس العقائد فالاكراه فيها واقع بل وواجب قال تعالى: (الزانية وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ). فالعفة من الدين لكنها عمل لا عقيدة والقرآن هنا يأمرنا بالإجبار عليها بل ويسميها ديناً وينهانا عن التساهل في أمر الإكراه عليها فيقول: (وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ). فأين دعاة الليبرالية الملتحية أليست العفة من الدين فلماذا يأمر الله بالإكراه عليها وقد ظللتم تهرفون بهذا الاستدلال الخاطئ وزعمتم أنه لا إكراه في الدين بإطلاق وهذا نص محم في القرآن الكريم يأمرنا بتعذيب الزناة ويدعونا لشهود عذابهم وينهانا عن أي دعاوي إنسانية للتعاطف معهم.

3/ الأنظمة والقوانين التي تضعها الحكومات تسمى ديناً فمن معاني الدين في القرآن الدين بمعنى القانون فقوانين التجارة والتعليم والزراعة والمرور والعقوبات والحدود والأحزاب السياسية والعمل الإعلامي هي دين، تأمل قوله تعالى في سورة يوسف (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ). أي ما كان ليوسف عليه السلام أن يأخذ أخاه بنيامين بموجب قوانين الملك المتعلقة بالسرقة وعقوباتها ولذلك أرشده الله عز وجل أن يسأل إخوته ما هي عقوبة السارق في دينهم فقالوا إن يكون رقيقاً عند المسروق منه فأخذ بذلك يوسف أخاه وإذا صح أن القرآن سمى القانون ديناً فهل يصح أيها الليبراليون الملتحون أن نص في الدستور على هذه المادة (لا يكره أحد على قانون (دين) لا يؤمن به) فمن منا يؤمن بأن يدفع غرامة مائة جنيه على تظليل سيارته ومن منا يؤمن بأن يدفع غرامة 30 جنيهاً على مخالفة مرورية ومن أصبح العقارات يؤمن بأن يدفع عوائد سنوية على عقاراته هل يمكن جعل القانون لا إكراه فيه والقانون (دين) فإذا قالوا يجوز الإكراه على القانون وإن لم تكن تؤمن به قلنا إذن فقد جوزتم أن يكون الإكراه على الدين لأن القانون بنص القرآن يسمى ديناً!!.

4/ الفرق بين الدين والدينونة هنالك فرق بين الدين بمعنى الاعتقاد والتصديق فلا يستطيع أحد أن يُكره أحداً على أن يصدق بقلبه أمراً لا يقتنع به وإن أمرنا الله بالإكراه على التصديق فقد أمرنا بشئ لا نطيقه وخارج حدود إمكانيات البشر لكن هنالك الدين بمعنى الدينونة والخضوع للنظام العام وللمنظومة الأخلاقية العامة التي يتبنَّاها مجتمع من المجتمعات ويعمل على الحفاظ عليها حفاظا على وجوده وشخصيته الثقافية فالدين بمعنى الدينونة والخضوع للنظام الأخلاقي العام هذا أمر لا يشترط له رضا ولا تصديق ولا قناعة بل المجتمع بقوته الديمغرافية والثقافية وحضوره القيمي المركزي هو يجعل الهوامش تخضع خضوع دينونة له لا خضوع تدين وهكذا أصلا تقوم المجتمعات والدول فالدول لا تقوم إلا على مركز حضاري قيمي فالتدين لا إكراه فيه ولا يمكن أن يكون لأن التدين ينطوي على النية والإخلاص والصدق وهذه أمور لا يطالها الإنسان علماً بها ولا فرضاً لها ولذلك النص الدستوري في الإسلام الذي يحدد واجب الفرد والمواطن تجاه الدولة كان واضحاً ومحكماً وعميقاً ودقيقاً يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (على المرء (المواطن) السمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر). انتبه إلى قوله (المكره) فلو كانت الدول تقوم على أن يتمسك كل واحد بما يريده وفق مشيئته وهواه وإرادته الحرة- كما يسمونها- لما قامت أسرة واحدة آمنة ومستقرة دعك من قيام مجتمع واحد أو دولة واحدة وهذا المعنى المراد من إيضاحه أن مفهوم الجبر والإكراه صفة ملازمة لنشأة الدول وقيام المجتمعات فقط الخلاف بين هذه الدول والمجتمعات ليس في اقرار مبدأ الإكراه من نفيه وإنما في بيان حدوده وموقعه وهنا يختلف التحديد بحسب الثقافة والقيم التي تتبناها هذه الدولة أو تلك فالإكراه جائز شرعاً وعقلاً وقانوناً على الدينونة وممتنع أصلاً على التدين.

5/ الدين الإسلامي في دعوته للإيمان وإرشاده إلى الفضيلة يقيم هذا الخطاب على قاعدة الترغيب والترهيب: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ). 90 سورة الأنبياء. وهذا الترهيب غير منحصر بذكر وعيد الآخرة فقط وإنما بالتهديد والوعيد بايقاعه في الدنيا وقد مضت سنة الأولين على هذا النحو فمن لم يؤمن به جاءته الصيحة أو تم إغراقه أو جاءه العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم والقرآن وهو يذكرنا بهذا المعنى هو كلام اللطيف الخبير بالإنسان الذي يعرف كيف يتم تهذيبه وكيف تنتظم استقامته قال الله تعالى: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ). والقرآن وهو يذكرنا بهذه المواقف والآيات يخبرنا بالحكمة من ذلك فيقول ربنا تعالى: (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا). وهذا الأسلوب من القرآن هل يمكن أن تسميه الليبرالية الملتحية إرهاباً فكرياً؟!

ونواصل

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 7 = أدخل الكود
جديد المواد