الأدلة النقلية والعقلية على بطلان التعديلات الدستورية (5-6)

عرض المادة
الأدلة النقلية والعقلية على بطلان التعديلات الدستورية (5-6)
7399 زائر
16-03-2017

لقد جعل دعاة الحرية بمفهومها الليبرالي قوله تعالى (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا) الكهف 29 منطلقاً للتأصيل ومعتمداً في التلبيس والتضليل ومع قليل قليل فقط من التدبر نجد أن الآية لا علاقة لها بما ذهبوا إليه وهي حجة عليهم في ما أرادوا تثبيته، فالحرية في مفهومها الليبرالي معتمدهم في رفع المؤاخذة، فالإنسان حر في ما يفعل يعني أنه غير مؤاخذ قانوناً ويجب أن لا يتم إرهابه إرهاباً جسدياً مادياً أو إرهاباً فكرياً يجبرهم على تبني ما لا يؤمنون به ويلتزمون بما لا يقرون بصحته، والآية بل والقرآن كله والمنهج الإسلامي كله وهو يدعو إلى الخير ويأمر بالفضيلة وينهى عن الانحراف يسلك مسلك الترغيب والترهيب والترهيب هو الاسم الشرعي لاسم الدلع الليبرالي (الإرهاب الفكري)، فالله عز وجل يذكر ما حدث للأمم السابقة من العقوبات المهلكة، ويذكر ما وقع للأمم السابقة من الهلاك البين والعذاب الأليم بغرض تخويفنا الذي هو على حسب اسم الدلع الليبرالي يسمى إرهاباً فكرياً هل تجدون أوضح من القرآن وهو يقول (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) سبحان الله إلا (تخويفاً) وزجراً وترهيباً للعصاة والطغاة فلم تكن الحرية في الإسلام منطلقاً لرفع المؤاخذة بل لترتيب المسؤولية وهي عندئذٍ وبهذا الفهم حجة على دعاة الليبرالية الملتحين، وليس حجة لهم، ويقول ربنا عز وجل وهو يدعو للاعتبار بمن اتبع هواه (ومشى على كيفه) وأطلق العنان لنفسه (استمتع بحريته) يذكرنا القرآن بعظيم (مؤاخذته لهم) وشديد (عقابه عليهم) فيقول الله عز وجل (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )، فالله عز وجل يقول (فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ)، هذا تخيير لكن الليبرالية الملتحية التي تستدل بهذه الآية تجهل أن التخيير في القرآن له عدة أساليب أذكر منها سبعة فقط لتوضيح المعنى وبيان المراد .

التخيير وأنواعه:

1/ التخيير على سبيل الصبر والثبات (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (72) فاقض في دلالته اللغوية فعل أمر والأمر إنما يكون لمندوب إليه مطلوب فعله ممدوح إتيانه، لكن المؤمنين من السحرة يجعلون للطاغوت فرعوناً فعل ما شاء فلا يعنيهم كثيراً ما يحكم به لكن الذي يعنيهم أنهم ثابتون على دين الله تعالى، فالتخيير هنا على سبيل بيان الجلَد والصبر .

2/ التخيير على سبيل الجواز (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، والتخيير هنا على سبيل الجواز لأي صورة من هذه الصور، فيمكن لصاحب اليمين الغموس أن يطعم عشرة مساكين أو يكسوهم أو يحرر رقبة، هذه الثلاثة على حد سواء فإن لم يجد صام ثلاثة أيام .

3/ التخيير على سبيل التبكيت (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)، القارئ الكريم بنسبة كم في المائة يمكن أن يكون محمد عليه الصلاة والسلام على ضلال مبين، وتكون قريش على حق في عبادتها الأوثان وشركها بالله النسبة صفر، لكنه التخيير على سبيل التبكيت وتفويض الأمر لله عز وجل ولم يكن لوجود الاحتمال والمساواة بين الطرفين .

4/ التخيير على سبيل الترجي (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فالذي يرجوه عيسى عليه السلام من ربه هو أن يغفر لبني إسرائيل، لكنه في أدب وبأسلوب لطيف يسأله ذلك مع تفويض الأمرين له .

5/ التخيير على سبيل محبة الصورتين (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا (110 ، فدعوة الله باسمه الرحمن أو اسمه الله عز وجل كل ذلك مستحب مقبول عن الله تعالى، فالتخيير بين فضيلتين ومستحبين لإزالة الإشكال الذي كانت تثيره قريش وهي تقول لا نعرف الرحمن .

6/ التخيير على سبيل التسفيه (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ۚ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) فالله عز وجل يبين في هذا التخيير غناه عن الجهلة المعاندين وهو يقول لهم إن علماءكم وأحباركم أسلموا فماذا يعني لو كفرتم أنتم ومن هو خير منكم من أهل ديانتكم دخل في دين محمد عليه الصلاة والسلام.

7/ التخيير على سبيل التهديد (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا) الكهف 26، وهنا يأتي الترهيب أو اسم الدلع الليبرالي (الإرهاب الفكري)، فمع قول ربنا عز وجل لهم إن شئتم آمنوا وإن شئتم اكفروا يقول لهم لكن إن كفرتم (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا) فهل بعد هذا التهديد من تهديد، وهل بعد هذا الوعيد من وعيد، ومثله أن تقول لابنك ذاكر أو لا تذاكر لكن إن لم تذاكر فسأجلدك، وكأن تقول لزوجتك اخرجي أو اجلسي لكن إن خرجتِ فإنت طالق.

وقال الإمام البغويّ ـ رحمه الله ـ: " هذا على طريق التهديد والوعيد كقوله: "اعملوا ما شئتم"[فصلت-40] " (معالم التنزيل: 5/167).

وقال الماورديّ ـ رحمه الله ـ: " هذا وإن كان خارجاً مخرج التخيير؛ فهو على وجه التهديد والوعيد " (النكت والعيون: 3/303).

وقال الشنقيطيّ ـ رحمه الله: ظاهر هذه الآية الكريمة بحسب الوضع اللغوي ـ التخيير بين الكفر والإيمان ـ ولكن المراد من الآية الكريمة ليس هو التخيير، وإنما المراد بها التهديد والتخويف. والتهديد بمثل هذه الصيغة التي ظاهرها التخيير أسلوب من أساليب اللغة العربية. والدليل من القرآن العظيم على أنّ المراد في الآية التهديد والتخويف ـ أنه أتبع ذلك بقوله: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً)، وهذا أصرح دليل على أنّ المراد التهديد والتخويف. إذ لو كان التخيير على بابه لمّا توعّد فاعل أحد الطرفين المخيّر بينهما بهذا العذاب الأليم. وهذا واضح كما ترى ". (أضواء البيان: 3/266).

وقال السعدي ـ رحمه الله: " وليس في قوله: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) الإذن في كلا الأمرين، وإنما ذلك تهديد ووعيد لمن اختار الكفر بعد البيان التامّ، كما ليس فيها ترك قتال الكافرين" (تيسير الكريم الرحمن: ص475).

أناقش في الحلقة القادمة الاستدلال بقوله تعالى (لا إكراه في الدين).

ونواصل

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 8 = أدخل الكود
جديد المواد