الأدلة النقلية والعقلية على بطلان التعديلات الدستورية (4ــ 6)

عرض المادة
الأدلة النقلية والعقلية على بطلان التعديلات الدستورية (4ــ 6)
7708 زائر
12-03-2017

تناولت في الحلقة الثالثة ازدواجية المعايير في الغرب وضربت أمثلة على مطاردة قضائه لحرية الرأي والفكر فهو يعاقب كاتباً بالسجن لمجرد تبنيه رأياً يقول بعدم وقوع محرقة لليهود، ودولة مجلس حقوق الانسان تحظر المآذن وفرنسا الحرية والإخاء والمساواة تحظر الحجاب إلى غير ذلك من التناقضات .

في هذه الحلقة والتي تليها أتناول موضوع الحرية من وجهة نظر تأصيلية وأناقش بعض الآيات التي يستدل بها بعض الدعاة المحدثين الذين يعيدون إنتاج مفهوم الحرية في سياقه الليبرالي لكن على وجهه نقاب يغطي قبحه ويغبش خطله وضلاله .

مفهوم الحرية في لغة العرب:

جاء في لسان العرب[4/181 مادة حر] (أن كلمة الحر من كل شيء هي أعتقه وأحسنه وأصوبه)، فالحرية تعني الصواب والحسن لا الضلال والقبح والجواد الحر هو الجواد الأصيل السريع الفخيم، ولذلك يمضي تعريف الحرية في اللغة العربية ليقول (والشيء الحر هو كل شيء فاخر، وفي الأفعال هو الفعل الحسن والأحرار من الناس أخيارهم وأفاضلهم) . والأحرار من الناس هم الأفاضل والأشراف فالحرية في لغة العرب ارتبطت بالنخوة والشهامة وعظيم الاستقامة وجاء في تعريف الحرية أيضاً (الحُرِّيَة: الخلُوص من الشَّوائب أَو الرقّ أَو اللُّؤْم) بينما الحرية التي يروج لها بنو علمان هي دفاع عن كل لؤم وفتح باب لكل رذيلة وشرعنة لكل إلحاد لكنها في لغة العرب تعني (الخلوص من الشوائب أو الرق أو اللؤم ).

ويمضي لسان العرب في التعريف بالحرية (الحريّة لغةً: هي المصدر من حرّ، وهو نقيض العبد، والجمع منه حرائر، أمّا الحرّ من الناس: فهو أفضلهم وأخيرهم، والحرّ عند العرب: هو أشرفهم) وقصة العربية مع كلمة حر وحرية وما لحق بها من تحريف أيدلوجي كقصتها مع كلمة (مثقف) فكلمة مثقف في لغة العرب تعني المهذب والمستقيم والراشد والحكيم بينما الناس يعرفون للثقافة وجهاً واحداً يتجلى في ما يمارسه السر قدور في أغاني وأغاني، فالثقافة إذا ذكرت هي الفن والغناء والطرب وهو ضرب من أضرب الثقافة ومنه الحسن والسيئ .

فالحرية عند العرب ليست مدخلاً للتصرف الطائش ولا السلوك المشين بل من كان سفيهاً لا يدير ماله الذي هو خاصة نفسه يتم الحجر عليه لئلاً يضيع ماله في ما لا طائل من ورائه!

في ظل الهزيمة النفسية والجري وراء تقليد المنتصر والخروج من أزمة حاكمية الحضارة الغربية وفهمها الليبرالي لموضوع الحرية مضى بعض الدعاة في انتزاع آيات من القرآن من سياقها القراني النصوصي نفسه ومن سياقها المعرفي الكلي ليجيروا بها مفاهيم الحرية المعاصرة متناسين آيات أخرى توجه المسلم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتجعل له ذلك باليد فإن عجز فاللسان فإن عجز فالقلب وحتى الذين قصروا التغيير باليد على السلطان فقط لم يبعدوا النجعة في مفهوم الحرية القرآني لأنه أعطوا السلطان أيضاً حق تغيير المنكر بالقوة وسلطة القانون والجبر سواء كان الفرد مؤمناً بهذا القانون أم غير مؤمن!!، فكثيرون لا يؤمنون بشرعية دفعهم لمائة جنيه لأنهم يظللون سياراتهم وكثيرون لا يؤمنون بدفع ضريبة سنوية عوائد على مبانيهم لكن السلطة في الخرطوم ولندن وواشنطن تفعل ذلك جبراً وتسوقك إلى المحكمة إن رفضت الالتزام وهي لا تسمع لك، وإن كنت تمتلك من المسوغات المعرفية والقيمية والقانونية والأخلاقية والمادية والإنسانية والاجتماعية التي تثبت بها عدم (إيمانك) بشرعية هذا القانون فهو سيمضي عليك حتى تستطيع عبر العمل السياسي والثقافي والإعلامي صناعة رأي عام مناهض للقانون ثم تنجح عبر الآلية المنصوص عليها في الدستور في تغيير القانون وإلغائه فالقانون وهو سلطة (الجبر والإكراه) لا يراعي في تطبيقه موقف المتهم منه إيماناً وتصديقاً أو إنكاراً وتكذيباً فهل يمكن أن ننص في الدستور على أنه (لا يكره أحداً على الالتزام بقانون لا يؤمن به)، تحت دعوى لا إكراه في الدين ذلك لأن القانون دين بنص القرآن الكريم فهو القائل عن يوسف عليه السلام (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) أي في قانون وتشريعات الملك فبموجبها لم يكن يوسف عليه السلام ليأخذ أخاه ولذلك كان تدبير الله عز وجل له أن يطالب إخوته بالتحاكم معهم إلى قانون يعقوب الذي هو دين يعقوب القاضي بأن يصبح السارق رقيقاً عند المسروق منه حتى يتمكن من أخذ أخيه بنيامين فالقانون دين بحسب القرآن الكريم والليبراليون الملتحون منهم والحليقون يريدون إعمال مبدأ لا إكراه في الدين ونحن نلزمهم أن يقولوا لا إكراه على (قانون لا يؤمن به الإنسان) فإن أجازوا الإكراه على القانون وقالوا بقولنا أن القانون لا يتوقف تطبيقه على قناعة وإيمان المتهم بصوابه وإنما الناس كلهم في أمور كثيرة لا تتعلق بالأحوال الشخصية يحكمهم قانون واحد وإن كانوا من مناهضيه فقد تناقضوا في مقالتهم ونقضوا أصلهم، فالذين يهرفون ببعض آي القرآن ويقومون بتعميمها يصدرون عن خطأين الأول خطأ بالآيات نفسها والسياق القرآني الذي وردت فيه وأهم من ذلك كله السياق المعرفي الكلي للقرآن وتكييفه لموضوع الحرية ومفهومها والخطأ الثاني عدم طرد قاعدتهم في دعوى رفع الإكراه عن ما هو دين وعدم استصحابهم أن مفهوم الدين أوسع من مفهوم العقيدة والفكر.

في الحلقة القادمة أناقش الاستدلال بقوله تعالى (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا) الكهف 29 وقوله تعالى (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) البقرة (256)

ونواصل

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 1 = أدخل الكود
جديد المواد