الأدلة النقلية والعقلية على بطلان التعديلات الدستورية (2ــ 3)

عرض المادة
الأدلة النقلية والعقلية على بطلان التعديلات الدستورية (2ــ 3)
7535 زائر
05-03-2017

أتناول في هذه الحلقة المادة المقترحة عن الحريات الدينية والتي جاء نصها على هذا النحو:

1/ القصة والحكاية: قانون فرانك وولف في الحريات الدينية:

الرئيس الأمريكي باراك أوباما قبل مغادرته البيت الأبيض وقع على قانون فرانك وولف عضو الكونغرس الأمريكي السابق عن ولاية فرجينيا هذا القانون ينص على إجبار الدول على الاعتراف بحرية الأفراد الدينية وحقهم في اتخاذ أي دين أو الإلحاد هذا القانون رغم أنه يريد رفع الإكراه كما يزعم عن الأفراد إلا أن نصه يتحدث عن (إجبار الدول) على العمل بهذا القانون، وهذا في حد ذاته إكراه للدول على أمر قد تكون لا تؤمن به.

ويمضي القانون في خطله يطلب من الحكومة الأمريكية إعداد قوائم سنوية عن الدول والجماعات والأفراد الذين ينتهكون هذا القانون الذي لم يكتفِ بتوجيه الدول بل دعا إلى تصنيف الجهات الفاعلة غير الحكومية التي تنتهك الحريات الدينية على أنها كيانات تثير قلقاً خاصاً.

ضرورة إصدار قائمة بأسماء السجناء الدينيين من أنحاء العالم وجعلها متاحة للجميع.

إصدار قائمة بأسماء الأفراد المصنفين على أنهم منتهكون شديدون للحرية الدينية والخاضعون للعقوبات.

2/ الإنقاذ والتدحرج نحو الهاوية:

لقد وضعت الإنقاذ دستوراً عام 1998 وعام 2005 وهي بصدد وضع دستور الآن وكل هذه الدساتير تناولت قضية الحرية الدينية، لكن هنالك اختلاف كبير في الصياغة، وتعالوا نجري مقارنة بين تلك الدساتير والنص المقترح الآن في التعديلات الدستورية نص المادة في دستور 2005

المادة (38)

(لكل إنسان الحق في حرية العقيدة الدينية والعبادة، وله الحق في إعلان دينه أو عقيدته أو التعبير عنهما عن طريق العبادة والتعليم والممارسة أو أداء الشعائر أو الاحتفالات، وذلك وفقاً لما يتطلبه القانون والنظام العام، ولا يكره أحد على اعتناق دين لا يؤمن به أو ممارسة طقوس أو شعائر لا يقبل بها طواعية).

وهنا نجد تقييد حرية العقيدة بما يتطلبه القانون والنظام العام، لذلك لم يكن هذا النص يستدعي إلغاء مادة الردة من القانون الجنائي، بل مضت المادة (39) عن حرية التعبير لتقول:

(لكل مواطن حق لا يقيد في التعبير وتلقي ونشر المعلومات والمطبوعات والوصول إلى الصحافة دون مساس بالنظام والسلامة والأخلاق العامة، وذلك وفقاً لما يحدده القانون). فهي تقيد الحرية في التعبير بما لا يمس النظام والسلامة والأخلاق العامة وهي قيود محكمة لفتح الباب على مصراعيه.

المادة في دستور 1998:

المادة 4 (الحاكمية في الدولة لله خالق البشر، والسيادة فيها لشعب السودان المستخلَف، يمارسها عبادة لله وحملاً للأمانة وعمارة للوطن وبسطاً للعدل والحرية والشورى، وينظمها الدستور والقانون). وهذه كانت النسخة الذهبية للإنقاذ وهي تتحدث عن الحاكمية لله وأن الدولة كلها في نسق توحيدي لعبادة الله.

المادة 18: التديُّن
(يستصحب العاملون في الدولة والحياة العامة تسخيرها لعبادة الله، يلازم المسلمون فيها الكتاب والسنة، ويحفظ الجميع نيات التدين، ويراعون تلك الروح في الخطط والقوانين والسياسات والأعمال الرسمية وذلك في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لدفع الحياة العامة نحو أهدافها ولضبطها)، وهذه المادة من دستور 1998 تجعل العاملين في الدولة مقيدين في ما يسنونه من قوانين ويصدرونه من قرارات بالكتاب والسنة هكذا في وضوح لا لبس فيه.

المادة 24: حرية العقيدة والعبادة:
(لكل إنسان الحق في حرية الوجدان والعقيدة الدينية، وله حق إظهار دينه أو معتقده ونشره عن طريق التعبد أو التعليم أو الممارسة، أو أداء الشعائر أو الطقوس، ولا يُكره أحد على عقيدة لا يؤمن بها أو شعائر أو عبادات لا يرضاها طوعاً، وذلك دون إضرار بحرية الاختيار للدين أو إيذاء لمشاعر الآخرين أو النظام العام، وذلك كما يفصله القانون بالعدل والاستقامة توجّهاً نحو رضوان الله في الدار الآخرة). وهذا هو النص المتعلّق بالحرية الدينية في دستور 1998 يقيد ذلك بعدم إيذاء المشاعر والحفاظ على النظام العام والعدل والاستقامة لنيل رضوان الله في الدار الاخرة .

أما التعديل المقترح الآن فهو تدحرُج نحو هوّة العلمانية السحيقة إذ خلا من كل قيد وهذا نصه (لكل إنسان الحرية في اختيار رؤى يتخذها عقيدة دينية أو رؤية مذهبية وله أن يمارس أيما شعائر دينية أو احتفالات تذكر بها ويتخذ مواقع لعبادته، ولا يكره أحد على دين عيني أو مذهب معين ولا يحظر عليه الحوار والجدال فيما هو حق حسب إيمانه ورأيه)، فإلى أين تتدحرج كرة الإنقاذ وإلى أين تسوق البلاد.

ولعظم التشوّه في باب الحرية والهزيمة النفسية التي غشيت قلوب بعض الإسلاميين سأناقش هذه المسألة من عدة محاور:

أولاً: مفهوم الحرية:

جاء في لسان العرب[4/181 مادة حر] أن كلمة الحر من كل شيء هي أعتقه وأحسنه وأصوبه والشيء الحر هو كل شيء فاخر، وفي الأفعال هو الفعل الحسن والأحرار من الناس أخيارهم وأفاضلهم.

الحُرِّيَة: الخلُوص من الشَّوائب أَو الرقّ أَو اللُّؤْم

الحريّة لغةً: هي المصدر من حرّ، وهو نقيض العبد، والجمع منه حرائر، أمّا الحرّ من الناس: فهو أفضلهم وأخيرهم، والحرّ عند العرب: هو أشرفهم،
2/ نقد فلاسفة الغرب لمفهوم الحرية المراد تسويقه وفرضه:

1/ الحرية عند الفيلسوف الفرنسي جون جاك روسو نظرية العقد الاجتماعي (تنازل الشخص عن جزء من حريته من أجل العيش في أمان داخل المجتمع)، فلا بد للحرية من قيد يتطلب تنازل الفرد عن بعض حريته للحفاظ على ما يسميه روسو بالعقد الاجتماعي .

2/ الفيلسوف البريطاني توماس هوبز يقول إن البشرية مرت بثلاث مراحل: حالة الهمجية، حالة المجتمع، حالة الدولة، "لكل فرد خارج المجتمع الحق في كل شيء، إلى الحد الذي لا ينتفع فيه بأي شيء، ولا يملك أي شيء، ولكن في الدولة، يتمتّع كل فرد بحقه الخاص بسلام". فهو يقول إن الضمان لحياة آمنة واستقرار وسلام اجتماعي تنازل الفرد لصالح الدولة، فالحرية ليست مطلقة عند هوبز بل بما يحفظ الأمن والسلم للمجتمع، وبما لا يستفز المشاعر ويهدد السلام العام ويخرق النظام العام.

3/ الحرية عند الفيلسوف الهولندي باروك سبينوزا: "... لنلحظ أن الناس يعيشون في شقاء عظيم إذا هم لم يتعاونوا، إذا هم ظلوا عبيداً لضرورة الحياة ولم يعملوا على تنمية عقولهم… ومن ثم يظهر لنا بوضوح تام أنه لكي يعيش الناس في أمان، وعلى أفضل نحو ممكن، كان لزاماً عليهم أن يسعوا إلى التوحد في نظام واحد (الدولة)، وكان من نتيجة ذلك أن الحق الذي كان لدى كل منهم على الأشياء جميعاً، بحكم الطبيعة، أصبح ينتمي إلى الجماعة ولم تعد تتحكم فيه قوته أو شهوته، بل قوة الجميع وإرادتهم". فالشقاء عند اسبينوزا سببه اعتداد الإنسان بحريته الفردية واشتطاطه في اتباع شهواته وهواه وأنه لو ترك هكذا لوقع البلاء العظيم والشقاء المستحكم فهؤلاء هم فلاسفة الغرب وكبار منظريه.

3/ لا توجد حريات مطلقة في الاعتقاد بموجب القانون الدولي :

ثم إن الحرية الدينية في المواثيق الدولية نفسها لها قيود وضوابط فتأمل :
في المادة (18) فقرة (3) من الميثاق الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية الذي اعتمد عام 1966م ما نصه: (لا يمكن لحرية إظهار الدين أو القناعات أن تكون مقيدة إلا بالقيود التي يضعها القانون، والتي هي ضرورية لحماية الأمن والنظام والصحة العامة أو لحماية الأخلاق والحريات والحقوق الأساسية للآخرين). راجع كتاب مدخل تاريخي لدراسة حقوق الإنسان: 258-259 فالحرية الدينية بموجب الوثيقة الدولية للحرية الدينية مقيدة بالأمن والنظام وحماية الأخلاق.

وجاء نحو ذلك في الفقرة (2) من المادة (9) من المعاهدة الأوربية لحقوق الإنسان المصدر السابق: 118 أما في الميثاق الأفريقي فهي مقيدة بالمحافظة على النظام العام. راجع الحماية الدولية لحقوق الإنسان نصوص ووثائق: ص 170.

ونواصل

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 7 = أدخل الكود
جديد المواد