هل يخطئ الأنبياء ؟ 2ـ2

عرض المادة
هل يخطئ الأنبياء ؟ 2ـ2
7292 زائر
09-02-2017

تناولت في الحلقة الأولى ثلاثة محاور تتعلق بمناقشة قضية عصمة الأنبياء عن الخطأ الذي حرك البحث حولها تصريحات الإمام الصادق المهدي عن ورود الخطأ في تجربة الأنبياء في الحكم فأقول مواصلاً للمحاور التي أرغب في طرحها :

4/ مذهب أهل الإنصاف في مسألة عصمة الأنبياء:

سأذكر في هذا المحور بعضاً من أقوال العلماء في هذه المسألة:

1/ يقول الإمام ابن بطال: (وقال أهل السنة: جائز وقوع الصغائر من الأنبياء، واحتجوا بقوله تعالى مخاطبًا لرسوله: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ الفتح : 2 فأضاف إليه الذنب .... وفي كتاب الله تعالى من ذكر خطايا الأنبياء ما لا خفاء به ) شرح ابن بطال لصحيح البخاري 10/439 – 440 .
2/ قال القاضي عياض المالكي المذهب (وَأَمَّا الصَّغَائِر فَجَوَّزَهَا جَمَاعَة مِن السَّلَف وَغَيْرِهِم عَلَى الْأَنْبِيَاء وَهُو مَذْهب أبي جَعْفَر الطَّبَرِيّ وَغَيْرُه مِن الْفُقَهَاء وَ الْمُحَدّثِين وَالْمُتَكَلّمِين) الشفا بتعريف حقوق المصطفى 2/144 .

4/ وقال الامام النووي ) : واختلفوا في وقوع غيرها من الصغائر منهم فذهب معظم الفقهاء والمحدثين والمتكلمين من السلف والخلف إلى جواز وقوعها منهم ) شرح صحيح مسلم للنووي 3 / 54 .

5/ الإمام ابن تيمية : وإلى المتعجلين الذين يكفرون من يقول بوقوع الخطأ من الأنبياء بل والخطيئة من المنسبين إلى السلفية فدونكم هذه الفتوى من شيخ الاسلام ابن تيمية إمام السلفية وهو يسأل هل يكفر من يقول بمقالتنا هذه فماذا قال ( سئل رجل قال إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من الكبائر دون الصغائر فكفره رجل بهذه فهل قائل ذلك مخطئ أو مصيب؟ وهل قال أحد منهم بعصمة الأنبياء مطلقا؟ وما الصواب في ذلك ؟؟!

فأجاب: (الحمد لله رب العالمين، ليس هو كافراً باتفاق أهل الدين، ولا هذا من مسائل السب المتنازع في استتابة قائله بلا نزاع، كما صرح بذلك القاضي عياض وأمثاله - مع مبالغتهم في القول بالعصمة وفي عقوبة الساب - ومع هذا فهم متفقون على أن القول بمثل ذلك ليس هو من مسائل السب والعقوبة، فضلاً أن يكون قائل ذلك كافراً أو فاسقاً. فإن القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر: هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام!! كما ذكر أبو الحسن الآمدي: أن هذا قول أكثر الأشعرية، وهو أيضاً قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل هو لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول ولم ينقل عنهم ما يوافق القول الآخر وإنما نقل ذلك القول في العصر المتقدم: عن الرافضة ثم عن بعض المعتزلة، ثم وافقهم عليه طائفة من المتأخرين؛ وعامة ما ينقل عن جمهور العلماء: أنهم غير معصومين عن الإقرار على الصغائر ولا يقَرون عليها ولا يقولون إنها لا تقع بحال) مجموع الفتاوى لابن تيمية 25 /105- 106 فهذا شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول إن قائل هذه المقالة ليس كافراً بل يذهب أبعد من ذلك فيقول إن قوله هو الصواب الذي عليه معظم أهل الاسلام بل يمضي ليقول لم يرد عن سلف الأمة الطاهر مقالة غير هذه !! ويذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رمي المؤولين للنصوص المخبرة بوقوع المعصية من الأنبياء بالتحريف والبدعة قال شيخ الإسلام - رحمه الله (طوائف من أهل البدع والكلام، والشيعة وكثير من المعتزلة، وبعض الأشعرية ، وغيرهم ممن يوجب عصمة الأنبياء من الصغائر، وهؤلاء فروا من شيء ووقعوا فيما هو أعظم منه ، في تحريف كلام الله عن مواضعه ؛ وأما السلف قاطبة من القرون الثلاثة الذين هم خير قرون الأمة ؛ وأهل الحديث والتفسير ؛ وأهل كتب قصص الأنبياء والمبتدأ وجمهور الفقهاء والصوفية ؛ وكثير من أهل الكلام كجمهور الأشعرية وغيرهم وعموم المؤمنين : فعلى ما دل عليه الكتاب والسنة ، مثل قوله تعالى: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ وقوله: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ بعد أن قال لهما: ﴿ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين﴾ وقوله تعالى: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم﴾ مع أنه عوقب بإخراجه من الجنة ؛وهذه نصوص لا تردّ إلا بنوع من تحريف الكلام عن مواضعه..) "مجموع الفتاوى" (20/88-89) .

6/ الإمام الذهبي : فالمفهوم الصحيح للعصمة عند القائلين بها من الفقهاء هي العصمة من الإقرار على الخطأ لا العصمة من وقوع الخطأ وقد بين هذه المسألة الإمام الذهبي فقال : ( وَقد يَقع مِنْهُم الذَّنب وَلَا يقرونَ عَلَيْهِ وَلَا يقرونَ على خطأ وَلَا فسق أصلا فهم منزهون عَن كل مَا يقْدَح فِي نبوتهم وَعَامة الْجُمْهُور الَّذين يجوزون عَلَيْهِم الصَّغَائِر يَقُولُونَ إِنَّهُم معصومون من الْإِقْرَار عَلَيْهَا) المنتقى من منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال ص 50.

7/ وقد مضى على هذا المتأخرون من بيوتات علمية يقول الشيخ مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر: (إنّ الوحي لا يلازم الأنبياء في كلّ عمل يصدر عنهم، وفي كلِّ قول يبدر منهم، فهم عرضة للخطأ، يمتازون عن سائر البشر بأنّ الله لا يقرّهم على الخطأ بعد صدوره، ويعاتبهم عليه أحياناً).

8/ والمرجعية العلمية للسلفية المتمثلة في هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية أيضا تقول بهذا فقد جاء في فتاوى اللجنة الدائمة (الأنبياء والرسل قد يخطئون، ولكن الله تعالى لا يقرهم على خطئهم، بـل يبين لهم خطأهـم؛ رحمـة بـهم وبأممهم، ويعفو عن زلتهم، ويقبل توبتهم؛ فضلاً منه ورحمة، والله غفور رحيم) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ج3/264

خلاصة القول هل يخطئ الأنبياء :

1/ نعم يخطئ الأنبياء وتقع منهم الذنوب والخطايا وبهذا جاء القرآن الكريم وفي السنة النبوية في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يدعو بهذا الدعاء ، (اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي، اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدي ) فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول (كل ذلك عندي ) والذين يزعمون محبته وتعظيمه يكذبونه يقولون ليس عندك ويتأولون هذا النص تأويلا أقرب إلى التحريف !!.

2/ مرد التصويب والتخطئة للأنبياء لله عز وجل فقط، فهو لا يقرهم على خطأ إذ جعلهم للناس قدوة فلا يجوز تصويبهم وتخطئتهم من قبل البشر فكل عمل لهم أو قول لم ينزل فيه نص بالتصويب فقد رضيه الله لنا ديناً .

3/ القول بوقوع الخطأ منه ليس قادحاً في حجية سنتهم إذ قيدنا ذلك بعدم الإقرار عليه وورود النص في التخطئة لتعلم وإلا فهي صواب مرضي عند الله عز وجل .

4/ القول بوقوع الخطأ والذنب منهم هو المذهب المرتضى والقول المعتمد عند فقهاء المسلمين وسلف الأمة الطاهرين وأهل السنة منهم على وجه الخصوص لم يخالف في ذلك إلا غلاة الرافضة والخوارج والمعتزلة .

هدف قابل للتحقيق

أمة واحدة رآية واحدة

   طباعة 
2 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 3 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
جديد المواد