هل يخطئ الأنبياء؟ 1-2

عرض المادة
هل يخطئ الأنبياء؟ 1-2
8100 زائر
05-02-2017

أثارت تصريحات الإمام الصادق المهدي عن وقوع الخطأ في تجربة الأنبياء في الحكم ردود فعل واسعة، والمسألة في حقيقتها مسألة بحث شرعي، هل هذا الكلام صحيح شرعاً أم لا؟ فهو غير قابل للمزايدة السياسية والتجييش العاطفي والمواقف الحزبية. هل تحدث القرآن عن أخطاء للأنبياء وقام بتصويبها؟، هل عاتب القرآن نبينا محمداً عليه الصلاة والسلام على بعض أفعاله وأمره بتصحيحها؟، هذا ما سأناقشه في هذه المقالة في عدة محاور :

1/ المحور الأول: الفرق بين مقام الربوبية ومقام النبوة، إن من تحرير الإسلام للإنسان أن الله تعالى جعله عبداً له وحده عز وجل، فالأنبياء ليس لهم من صفة الربوبية شيء فلا ينفعون ولا يضرون ولا يحيون ولا يميتون ولا يرزقون ولا يمنعون الرزق عن أحد ولا يحللون ولا يحرمون من عند أنفسهم بل تبليغاً عن الله عز وجل، وقد كتب الله عز وجل صاحب الكمال المطلق النقص على سائر خلقه، وصاحب القدرة المطلقة العجز على سائر خلقه، وصاحب العلم المطلق الجهل على سائر خلقه، وصاحب الحق المطلق الخطأ على سائر خلقه، وصاحب القوة المطلقة الضعف على سائر خلقه، وصاحب الحياة المطلقة الموت على سائر خلقه.

فلا بد من تفريق بين مقام الربوبية ومقام النبوة، وفي هذا تحرير لعقل الإنسان أن يعبد إنساناً مثله ولو كان نبياً مرسلاً أو ولياً صالحاً، فإن الله عز وجل جعل الدين منه خالصاً وله خالصاً وفيه خالصاً فلا يؤخذ إلا منه، ولا يصرف إلا له، ولا يوالي إلا فيه، والله تبارك وتعالى وهو يراجع أنبياءه في بعض ما فعلوه ويوثق لنا ذلك في القرآن يعطينا درساً قيمياً عظيماً وهو أنه لا يوجد كبير على المراجعة ولا يوجد لأحد دون الله تعالى موقف أو كلام له صفة القدسية الذاتية، وإنما الجميع يستمد صوابه وقوة موقفه وسلامة منهجه وصحة كلامه من الله تعالى الحق المطلق الذي يهدي ولا يهدى وبكلامه يحصل الهدى للأنبياء وأتباعهم .

2/ المحور الثاني: عصمة الأنبياء بين الغلاة والجفاة

لقد كان المنهج عند الصحابة واضحاً رجالهم ونسائهم وهم يفرقون بين الرأي والوحي، فهذا الحباب بن المنذر في غزوة بدر يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد أنزلهم منزلاً: (هل هو منزل أنزلكه الله أم هو الرأي والمكيدة)، فلما أخبره أنه الرأي والمكيدة طرح رأياً مخالفاً كان أصوب، وقد أقره عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذه بريرة عتيقة عائشة رضي الله عنها وقد كلمها رسول الله لتقبل الرجوع إلى زوجها بعد أن طلقها فقالت (يا رسول الله أمر أم شفاعة؟) فلما أخبرها أنها شفاعة لا أمر قالت: والله لا أرجع. فقد كان الصحابة يفرقون بين الرأي والوحي والناس في عصمة الأنبياء بين غلاة جعلوا الرأي وحياً وجفاة جعلوا الوحي رأياً، فمن الغلاة من قام بتأويل جميع النصوص المخبرة بوقوع الخطأ من الأنبياء تارة بالقول إنها ليست ذنوباً وإنما كانت فعلاً لخلاف الأولى، وتارة بالزعم أن تسميتها ذنوباً تسمية مجازية لأنهم زعموا أن هفوات الصالحين تعتبر سيئات، فهذا ضرب من التأويل البعيد الذي لا يصلح لدفع النصوص الكثيرة في هذا الباب فهذا مسلك الغلاة أم مسلك الجفاة فهم أولئك الذين يتعاملون مع الرسول عليه الصلاة والسلام مثل تعاملهم مع أي قائد سياسي فيزعمون وجوب عرض أقواله وأفعاله على القرآن ثم يمسكون بقلم التصحيح ليقولوا هذا التصرف صحيح وهذا خطأ حتى جعلوا ذلك مدخلاً لهدم السنة وإنكار حجيتها ولهؤلاء أقول:

3/ المحور الثالث: مهلاً يا دعاة الضلالة لا تفرحوا بهذه المقالة:

إني من أشد الناس قولاً بحجية السنة ووجوب اتباعها، ولي في هذا الباب مناظرات وكتابات وخطب منها سلسلة (حجية السنة والرد على شبهات المنكرين) 11 خطبة جمعة موجودة على اليوتيوب، ناقشت فيها الشبهات العشر التي يثيرها منكرو السنة ومنها قولهم إن القرآن عاتب الرسول عليه الصلاة والسلام في عدة مواضع وصوَّبه فإن كان كلامه حجة وسنته شرعاً لنا فلماذا عاتبه القرآن، ومع قولي بأن الأنبياء قد يقعون في الخطأ وإقراري بأن القرآن قد ذكر لهم ذنوباً لا أخطاء فحسب، إلا أنني أقول إن الله عز وجل الذي جعل النبي محمداً عليه الصلاة والسلام لنا قدوة وأمرنا باتباعه وطاعته والأخذ منه وعدم مشاقاته والاحتكام إليه ورد النزاع إلى كتاب الله وسنة رسوله في ما يزيد عن 300 آية حتى تعدّدت أساليب القرآن الكريم في بيان حجية سنة النبي عليه الصلاة والسلام فبلغت 23 أسلوباً مختلفاً في تقرير حجية السنة، فلما كان ذلك كذلك، فإن الله تعالى الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنا قدوة لا يقره على خطأ، فإن صدر منه خطأ صوَّبه، وبعد التصويب نعلم أن الله لم يرتضِ لنا ديناً هذا الفعل الذي صوب فيه نبيه، فالعصمة في حقيقتها عصمة عن الإقرار على الخطأ، وليست عصمة عن عدم الوقوع فيه، وهذا التصويب من الله عز وجل من مقتضيات جعل النبي عليه الصلاة والسلام لنا قدوة بهذا المعنى فكل عمل وقول لم ينزل نص من القرآن في تصويب النبي فيه فقد ارتضاه الله عز وجل لنا ديناً، فمهلاً يا دعاة الضلالة من المنكرين لحجية السنة لا تفرحوا بمقالتنا إن الأنبياء قد يخطئون لأن هذه المقالة بهذا القيد المبني على إسناد التصويب للقرآن فقط، وقد انقطع الوحي واكتمل الدين وتمت الشريعة فليس لأحد أن يمسك بالقلم الأحمر ليصوب هذا الفعل من النبي أو ذاك بدعوى عرضه على القرآن .

4/ المحور الرابع: الآيات المخبرة بوقوع الخطأ منه غير قابلة للتأويل

الآيات المخبرة بوقوع الخطأ منه غير قابلة للتأويل المتعسف الذي هو أقرب إلى التحريف كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد جاء عن آدم عليه الصلاة والسلام (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) طه: 116-121،وقد جاء عن نوح عليه الصلاة والسلام ( قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) هود: ،46 فاستغفر ربّه من ذنبه وتاب وأناب (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ) هود: 47. والآية صريحة في كون ما وقع منه كان ذنباً يحتاج إلى مغفرة" وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي"... وجاء عن موسى عليه الصلاة والسلام (قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) " القصص: 15-16 "، فقد اعترف موسى بظلمه لنفسه، وطلب من الله أن يغفر له، وأخبر الله بأنه غفر له. وجاء عن داود عليه الصلاة والسلام (فَاسْتَغْفَرَ رَبّهُ وَخَرّ رَاكِعاً وَأَنَابَ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ) ص: 24-25.

وجاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام (يَا أَيُّهَا النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) التحريم: ،1 وقبل الرسول صلى الله عليه وآله سلم من أسرى بدر الفدية فأنزل الله تعالى (لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) الأنفال: 68 في ما ذكرته كفاية لمن عقل .

5/ المحور الخامس :الخطأ مع الرجوع عنه ليس منقصة

وقد قال بعض السلف: (كان داود عليه السلام بعد التوبة خيراً منه قبل الخطيئة) وقال آخر: (لو لم تكن التوبة أحبّ الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه)، وقد ثبت في الصحاح (أن الله أشد فرحاً بتوبة عبده من رجل أضلته ناقته بأرض فلاة، وعليها طعامه وشرابه، فنام نومة فقام فوجد راحلته فوق رأسه فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) .
وفي القرآن العظيم (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) البقرة: 222 وقال تعالى مبيناً مثوبة التائبين ( إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) الفرقان: 70.

ونواصل يوم الخميس بإذن الله تعالى

هدف قابل للتحقيق

أمة واحدة رآية واحدة

Dr.algozoli26@gmail.com

   طباعة 
1 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 6 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد