حتى أنت يا مولانا

عرض المادة
حتى أنت يا مولانا
377 زائر
10-01-2017

عندما تكتشف الصحافة خللاً ما في أجهزة الدولة، أو تضع يدها على بؤرة فساد، عندما تقوم بهذا الواجب وتنشره بالمستندات الدامغة، يجن جنون المؤسسة التي انكشف غطاؤها، ويهيج مسؤولوها و"يولولون" كما تفعل النساء عند موت عزيز، ليس غيرة على انتهاك الحق العام ، بل غضباً على انتهاك نظام حماية الفساد بواسطة أيدٍ آثمة سرّبت الوثائق والمستندات للصحف.. للأسف حدث ذلك في كثير من المؤسسات التي اقتحمنا عش "دبابيرها" ووضعنا أيدينا على تلال من الوثائق، وما كنا نريد إلا الإصلاح دعماً للخط العام المُعلن يومذاك لمحاربة الفساد، فهل كنا سذجاً؟!..

المهم، كُنا بعد كل نشر مسنود بالوثائق والمستندات نرى ألسنة الغضب تمتد إلى موظفين غلبانين وتوجَّه إليهم تهم تسريب المستندات لنا، وتشكَّل لجان للتحقيق ومنهم من أودع الحبس لانتزاع اعتراف منه، ومنهم من أوقف راتبه.

يعني باختصار في كثير من تلك المؤسسات التي خضنا معها معارك الفساد، كانوا يتجاهلون السؤال الأساسي: من سرق، وتجاوز وانتهك؟ ويركزون على السؤال: من الذي سرّب المستندات للصحيفة؟... في تلك المؤسسات كانوا يمارسون الإرهاب على الموظفين، تهديداً بالفصل والسجن فتتحول القضية الأساسية من "سرقة" إلى "تسريب"، وتصبح الجريمة الخطيرة التي تستوجب الردع والمحاسبة والحبس هي "تسريب" دليل السرقة عوضاً عن "السرقة". وأما الصحيفة التي نشرت فلابد أنها تحمل أجندة تستهدف تفتيت "عرى الدين" و"حماة بيضته"، وتسعى إلى الفتنة والإثارة والبلبلة...

هذه حصيلة تجربة قاسية عايشتها شخصياً وما كنتُ سأنكأ جراحها لولا أن تصريحات للبروفيسور محمد عثمان صالح رئيس هيئة علماء السودان قد أيقظتها بعد سبات ، فوجدت في حديثه نفس الفهم ونفس التبرير، ونفس الهجوم على الصحافة بدلاً من مؤازرتها وهي تكشف أوجه الخلل..

في ظني أن الخلل الأكبر ليس زراعة التبغ وتعاطيه، ولكن الأكبر منه "التدليس" والخداع باسم المرجعيات والدين، خاصة عندما نسمعهم يقولون إن حزبنا جاء لنشر الفضيلة وصياغة الإنسان، ونرى أجهزته تطارد الفتيات غير المحتشمات بالجلد ونحوه، وفي نفس الوقت يمول نشاطاته بـ"التمباك والسجاير" كنت أتمنى أن لو انتقد مولانا هذا "التدليس" بدلاً من انتقاد الصحافة لكونها نقلت خبر تبرع تجار التمباك للمؤتمر الوطني الذي لا يزال يرتدي قفطان رجل الدين.. مولانا بعد ما أفتى بحرمة "التبغ"، لم يقف عند ذلك، لكنه استنكر نشر مثل هذه الأخبار، كأنما الصحف اختلقت هذا الأمر، انظروا إلى تبريره: (إن هذه النفرة تهدف للتبرعات لدعم المؤتمرات القاعدية واحتوت على مواد عينية عديدة غير التمباك ولكن وسائل الإعلام اختارت هذه العينة إمعاناً في الإثارة وإحداث البلبلة..!!) .. يعني حتى مولانا بدلاً من التركيز على "الكفر" واستهجانه والهجوم عليه ركز على "ناقله"، فحمل عليه، واتهمه بالسعي للفتنة، وخلق البلبلة ... غايتو يا مولانا عاد الله يسامحك... اللهم هذا قسمي فيما أملك..

نبضة أخيرة:

ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
9 + 5 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
الشهيد ودالسيد حامد - أحمد يوسف التاي
معهم حق - أحمد يوسف التاي
التطبيع مع الإسهالات - أحمد يوسف التاي
اخفاقات الخدمة المدنية - أحمد يوسف التاي
طه "التانيين" 3/3 - أحمد يوسف التاي