الحرب على القطاع الخاص (2-2)

عرض المادة
الحرب على القطاع الخاص (2-2)
772 زائر
09-01-2017

كنت قد تناولت شيئاً من الحمم البركانية التي صبها الأمين العام للغرف الصناعية عباس علي السيد على الحكومة التي قال إنها رغم حديثها المتكرر عن توجهها نحو خصخصة الشركات الحكومية فإنها تفعل عكس ذلك تماماً إذ تزيد من تغولها على القطاع الخاص حامية وداعمة شركاتها ومضيقة الخناق على قطاع يشهد له العالم أجمع أنه ما من اقتصاد قوي يمكن أن ينشأ ولا نهضة حقيقية يمكن أن تتحقق إلا على كتفه.

لكي نبسط الصورة دعونا نعقد مقارنة عجلى بين كوريا الشمالية التي يقوم اقتصادها بالكامل على القطاع العام والتي يكاد شعبها - جراء ذلك - يموت جوعاً وبؤساً وقهراً وبين كوريا الجنوبية التي أصبحت من حيث قوة الاقتصاد القائم بكلياته على القطاع الخاص دولة عظمى ويكفي أن نشير إلى أن رأس مال أي من شركات كوريا الجنوبية الكبرى مثل هايونداي وسامسونق أكبر من كل اقتصاد كوريا الشمالية وتلك حقيقة لا مراء فيها ولا جدال ، اهتدى إليها العالم أجمع حتى شيوعيه الذي هجر هرطقات ماركس حين أسقطت روسيا الحديثة الاتحاد السوفيتي ونظامه المتخلف وتحولت الصين إلى اقتصاد السوق القائم على مرجعيات القطاع الخاص وذلك هو ذات ما عبر عنه رئيس لجنة الشؤون الاقتصادية في البرلمان بروف أحمد مجذوب حين شن هجومه الكاسح على تغول القطاع العام على القطاع الخاص وقال (إن الحكومة لم تخلق للزراعة ولا للتجارة ولا الصناعة إنما يقتصر دورها على تقديم الخدمات العامة).

إذا كنت قد قلت في مقالي السابق إن قضية تغول الحكومة وتضييقها على القطاع الخاص يعتبر أساس أزمتنا السياسية والاقتصادية فإنني لم أتجن على الحكومة ولكي أوضح فأنّي أقول إن الشركات الحكومية باتت تمثل مراكز قوى كبرى تؤثر على القرار السياسي والاقتصادي ومن المسلمات التي لا تحتاج إلى جدال أن مراكز القوى والمصالح المرتبطة بالشركات الحكومية لن تألوا جهداً في الحفاظ على مكتسباتها حتى ولو بخرق الدستور والقانون، ولعل تجربتي في قطاع الاتصالات تقف شاهداً شامخاً على صحة ما أقول فقد شاهدت بعيني رأسي كيف كان الوزراء - والله العظيم - يجتمعون وينفضون لكي يحموا الشركة الحكومية الوحيدة من إعمال مبادئ العدالة المطلقة التي كانت الهيئة القومية للاتصالات - الجهاز التنظيمي- تسعى إلى إعمالها على الجميع ولا أشك لحظة بل لا أحتاج إلى إثبات أن ذلك التدخل السافر لمصلحة أحد مراكز القوى وقتها وجه ضربة قاصمة لذلك القطاع الحيوي لا يزال يعاني من أخطائها الكارثية.

لذلك فإن أكبر معوق يحول دون إنفاذ مخرجات الحوار وبالتالي الانتقال إلى مربع جديد في مسيرتنا الوطنية هو المصالح المعوقة بل والرافضة للتغيير وتقف مراكز القوى والدولة العميقة على رأس تلك المعوقات التي تسعى بكل ما أوتيت من وسائل ومبررات وحيل للحد من التغيير الذي تخشى من أن يحمل معه كتلاً بل جبالاً من ملفات المراجعة الصارمة المصحوبة بسخائم الثأر والمرارة الناشئة عن مظالم ربما تكون قد ارتكبت خلال تلك السنوات المتطاولة وذلك ما يلقي بالعبء الأكبر على السيد رئيس الجمهورية بشجاعته المعلومة وجرأته المعهودة سيما وأنه من ابتدر حوار التغيير وأنه هو ، ولا أحد غيره ، يقوى على تفكيك هذه المتاريس العظمى والمصالح الكبرى التي ظلت تتزايد وتتمدد على مدى أكثر من ربع قرن من الزمان.

ذلك ما ينبغي أن يجعلنا أكثر صبراً على هذا البلاء العظيم الذي يواجه الرئيس المطلوب منه المضي قدماً في إنفاذ مخرجات الحوار مع تفكيك مراكز القوى الصادة له عن الانطلاق وإطلاق سراح القطاع الخاص الذي ظل سجين إمبراطورية مراكز القوى والشركات الحكومية.

أقولها بملء فيّ إننا لا نبرر تلك الأخطاء الكارثية التي سمحت بنشوء وتمدد تلك الإمبراطوريات الحكومية على حساب القطاع الخاص بل على حساب الوطن العزيز الذي تأثرت مسيرته كثيراً جراء تمدد الشركات الحكومية والحزبية بكل ما صاحبها من ممارسات غير رشيدة بسبب عدم خضوعها لمعايير ونظم الانضباط والرقابة الإدارية والمراجعة والمحاسبة التي تطبق بصرامة على الأعمال التجارية وشركات القطاع الخاص في شتى أرجاء العالم.

بالرغم من ذلك فإن كل ما ينشأ عن التغيير المنشود سواء في تفكيك مراكز القوى أو إنفاذ مخرجات الحوار الوطني من مراجعات وفرقعات تصرخ وتولول بها المعارضة المتطرفة مهما كشفت من تجاوزات يعتبر ضئيلاً جداً إذا قورن بحجم ورصيد الإنجاز الذي سيصب في مصلحة الرئيس شخصياً سيما وأن أكبر خصوم الإنقاذ - وأقصد به الإمام الصادق المهدي وليس الرويبضة عرمان وأشباهه من قوى اليسار - يدعو إلى مشروع جنوب أفريقيا الذي انتهى إلى مصالحة وتعاف وتراض سيكون معلماً بارزاً وأنموذجاً يحتذى في مسيرة البشرية جمعاء.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 7 = أدخل الكود