الحكومة الفضلى (1)

عرض المادة
الحكومة الفضلى (1)
تاريخ الخبر 06-01-2017 | عدد الزوار 212

المعنى المراد من مفردة الحكومة أوسع من مجلس الوزراء وهو يشمل الإطار التنفيذي للحكم ما يعني رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء والخدمة العامة بجناحيها المدني والعسكري

لن ينصلح حال آلة الحكم ما لم تخضع باستمرار للصيانة المستمرة من الأعطال المتكررة وأن تخضع أحياناً لـ(تعمير كامل)

شأن الناس مع حكوماتهم شأن المثل العامي (لا بريدك لا بحمل بلاك)، فالحكومات جميعاً عبء على شعوبها ولكنه عبء تقبل الشعوب به لأن غياب الحكومة أمر يعُسر على الشعوب احتماله

أي حكومة من الحكومات تطمع أن تنال تمام الرضا أو أن تحظى بكثير الرضا مع طول البقاء فإنها لا تعدو تحدث نفسها حديث الأماني الكذاب

هذا حديث مستعاد يعيده تجدد الحديث على ذات الشاكلة كلما قيل إن حكومة تنفض وحكومة جديدة يجري تشكيلها. بيد أن الحديث يأتي هذه المرة في أعقاب الحوار الوطني وإكمال إجازة التعديلات التي تنشىء وضعاً جديداً للنظام الرئاسي الجمهوري باستحداث رئاسة للوزراء بحكم الدستور، لا يرأسها رئيس الجمهورية إلا على وجه الاستثناء. كما أن الحكومة الجديدة حكومة للوفاق لا يشكلها أو يهيمن عليها حزب واحد (ولو كان الحائز على الأغلبية) ويدور حديث الساعة عن الحكومة الجديدة ولا جديد فيما يقال، فالمعارضة كما اعتادت تقول إنها ولدت ستولد ميتة (وما الذي يزعج المعارضة من الأموات) وآخرون يقولون ربما تتكرر الوجوه ولا جديد، وأناس يتحدثون عن حكومة رشيقة يشيرون إلى اختصار عدد الوزراء وكأن هذا هو ما يرهق الموازنة العامة، ولكنه حال الناس قلما يوفقون لترتيب الأمور حسب الأمر المهم والأقل أهمية والأولى فالأولى. وأما موضع تركيز هذه المقالات فليست الوجوه ولا توسيع المشاركة أو تضييقها وإنما مناسبة الأطر والعلاقات التنظيمية. وتناسب المكلفين بالمهام مع ما يُكلفون به ومعايير التكليف من كفاية وجدارة. وبقدر ما تكتسب الحكومة من نقاط باعتبار هذه المقاييس تقترب من مقام الحكومة الفضلى التي يرمقها الجميع بمزيد من الإعزاز والتقدير.

الحكومة ما هي؟

تعودت الأذهان الناعسة على تقبّل المصطلحات والمفردات دون فحص دقيق وذلكم حالٌ يشبه حال قصير النظر ضعيف الباصرة، والذي تتداخل المشاهد أمام عينيه. فكذلكم تتداخل المعاني في فهمه وإدراكه، يجيء هذا القول مقدمة لتصحيح المعنى المراد في هذا المقام من مفردة الحكومة. فمرادنا أوسع من مجلس الوزراء وهو يشمل الإطار التنفيذي للحكم ما يعني رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء والخدمة العامة بجناحيها المدني والعسكري. وإذا زعم محسوب على الموالاة أن كل شيء "تمام" وأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان علمت كافة الناس أنه يقول ما لا يقصد أو لا يقصد ما يقول. ولو زعم محسوب على المعارضة المناجزة المناوئة أن الحكومة على شفا جرف هار، ونظامها منهار، علم الناس أنه لا يصف ما يتملى بل يصف ما يتمنى. وبين الراضي والساخط موضع للناقد. والنقد لا يعني بالضرورة الذم والتبخيس . كما لا يعني المدح والتقريظ، وإنما هو مثل تمييز الأحسن والحسن أو الذي ليس له إلى الحسن سبيل. ولكي نصف الحكومة الفضلى يجدر بنا أن نعرّفها أولاً . أما الحكومة فهي فعولة من الحكم، أي أنها اسم مفعول للفعل حكم. وهو من الأفعال الشريفة لأن أرومته في الكلام شريفة. فمفردة حكم وأحكم وحكّم أصولها في الإحكام الذي هو وضع الشيء موضعه . ومن الحكمة التي هي كذلك. ولذلك فكأن من اختار هذا المصطلح يريد أن يقول إن الحكومة مفعول للإحكام أو الحكمة . وكان الأولى أن تكون اسم فاعل وليس اسـم مفعول، ولكن المفردة شأن كثير من المفردات المعربة حديثاً تفتقر إلى فصاحة العرب الأقحاح، وأكثر من الحكومة مناسبة مفردة المحكمة (مفعلة) التي هي اسم أداة. فالمحكمة وسيلة لإعطاء كل ذي حق حقه ورد الأمور إلى نصابها. والمفردة الإنجليزية للحكومة أكثر فصاحة لأنها تعني وسيلة الحكم. والمعنى المراد من الحكومة الهيئة التي تتسم بالحكمة والتي تسوس الأمور وتدير الشؤون على الوجه الأفضل. وهي تتكون من فرعين فرع متخصص بالسياسة وفرع متخصص بالإدارة.

فالفرع المتخصص بالسياسة هو مجلس الوزراء سواء كان في حكومة برلمانية أو رئاسية . والفرع المتخصص بالإدارة والتنفيذ هو الخدمة العامة. ولن ينصلح حال آلة الحكم ما لم تخضع باستمرار للصيانة المستمرة من الأعطال المتكررة . وأن تخضع أحياناً لإصلاح شامل (تعمير كامل). وإذا تركنا الحديث عن أحد جناحي الخدمة العامة الذي هو الخدمة العسكرية لحساسية الحديث عن إصلاح الخدمة العسكرية في الصحف السيارة، فإنه لابد من الحديث عن الجناح الآخر للخدمة العامة الذي هو الخدمة المدنية. والمقصود بالخدمة المدنية هو الكادر المهني الدائم. وهو الجسم الأكبر من الحكومة يتألف من عشرات أو ربما مئات الآلاف من أهل المهن المسخرين لتقديم الخدمة العامة. والاسم المشهور للخدمة المدنية هو البيروقراطية أي سلطة المكاتب (بيروقراسي). وهو يحمل إشارة ناقدة مضادة لمعنى الخدمة كأنها تقول أتينا بهم خُداماً فصاروا أسياداً. وأما الفرع الآخر من الحكومة فهو مجلس الوزراء المختص بتوجيه السياسات. وكلمة وزير تعني مساعد فبالضرورة أنه محسوب على قائد. وأن القائد هو الأصل والآخرون (وزراء) مساعدون، فالوزير هو من يُعين ومن يؤازر في إنفاذ مهمة. فهو بطبيعة التكليف مفوّض لا مخوّل. وهذا إن صح في النظام البرلماني الذي يقوم على اختيار البرلمان لرئيس الحكومة ثم قيام رئيس الحكومة باختيار وزرائه (مساعديه) فإنه أكثر صحة في شأن الرئيس الذي ينتخبه الشعب ثم هو من بعد يختار مساعديه. وهو حر في إطلاق الألقاب التي يشاء عليهم، ما لم يقيده الدستور. فهو ينشئ مجلساً للمساعدين "الوزراء" أو السكرتيرين(الأمناء) . وله أن يختار ثلة لأغراض الاستشارة "مستشارون" وثلة أخرى لأعمال تنفيذية لا تدخل ضمن أعباء الوزارات "مساعدون" . كما له أن يختار من يرسله في اتصالاته الخارجية "مبعوثون" وأما سفراؤه الذين تنظم نشاطهم وزارة الخارجية فيتبعون لأمرته مباشرة . والوزير مساعد لا يحجب الرئيس عن سفرائه. وللرئيس أن يتخذ كبيراً للوزراء أو وزيراً أولاً ، وله أن يترأس حكومته مباشرة . فيكون رئيسها على الدوام ما لم تضطره الظروف إلى الاستخلاف. وفي التعديل الدستوري الأخير أصبح واجباً بحكم الدستور تنصيب رئيس للوزراء ومنح المجلس سلطات دستورية وإن لم يترأسه رئيس الجمهورية.

فهذا هو وصف الحكومة وتوصيف مهامها، ولقد أدركت الشعوب منذ زمان قديم أنه لا يمكن أن يؤمن استبداد فرد أو جماعة بالحكم فيحكم بغير رشد بانطباعات وبالتشهّي وبالتشفّي، ولذلك اتُخذت البرلمانات ومجالس الشورى ومجالس الحكم وسيلة لضبط تفلّتات الحكومة . وإحكام الرقابة على أدائها وإعانتها بالتشريعات على تثبيت السياسات وإلزام الجمهور بها. وبهذا المعنى فإن وجود البرلمان وفاعلية أدائه أمر جوهري لضمان جودة الأداء الحكومي، ما يعني أنه لا يمكننا الحديث عن الحكومة الفضلى ما لم يشمل الحديث دور البرلمان وفاعلية أدائه.

الناس والحكومة

شأن الناس مع حكوماتهم شأن المثل العامي (لا بريدك لا بحمل بلاك)، فالحكومات جميعاً عبء على شعوبها. ولكنه عبء تقبل الشعوب به لأن غياب الحكومة أمر يعُسر على الشعوب احتماله. ولذلك أن تطمع حكومة من الحكومات أن تنال تمام الرضا أو أن تحظى بكثير الرضا مع طول البقاء فإنها لا تعدو تحدث نفسها حديث الأماني الكذاب. فمثل الحكومات مثل زوجة حسناء لا تكتفي بحسنها بل تبذل غاية الوسع في التجمّل والتزيّن، ولكن مع مضي الوقت سوف يُقال لها (لا يصلح العطار ما أفسد الدهر). ولذلك فإن التجديد المستمر في الهياكل والأطر والإستراتيجيات والسياسات والوجوه والقيادات أمر محتوم لأية حكومة تريد أن تمتد أيامها في الحكم وتستطيل. ذلك أن العامة من الناس الذين لا يريدون أية حكومة إنما يجهدون أنفسهم لاحتمال الحكومات على علاتها . وهم أدنى إلى مزاج ناقم ساخط منه إلى مزاج ناقد راض. ولذلك ما لم تكن الحكومة في حالة سباق مستمر لتسجيل أرقام قياسية فترة بعد أخرى، فإن الناس سوف يقلبون أبصارهم للبحث عن بديل غير عالي الكلفة للحكومة القائمة. لذلك كان التراضي على أسلوب للانتقال السلمي السلس للسلطة أمر جوهري في استدامة الاستقرار . فمن وضعه الدولاب الدائر في أعلى السلطة لابد له من تهيئة النفس لوقت تدور فيه الدائرة، لأنها ما تنفك تدور. ولكن سرعة دوران الدولاب يمكن للحكومة الراشدة أن تتحكم فيها فيكون له بدل الدورة دورتان وبدل الدورتان أربع. وكم من حكومة جاءت إلى الحكم مرة من بعد مرة، كما جرى الأمر في الهند وفي بريطانيا وإسرائيل وغيرها، لأن الناس لا يجدون أفضل منها على علاتها . ولأنها اكتسبت من الخبرة والحنكة ما يجعل الناس يؤجلون التخلص منها من دورة انتخابية إلى دورة أخرى.

نواصـل،،،

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 5 = أدخل الكود