القصة الفائزة بجائزة مجلة العربي مع إذاعة مونت كارلو ذاكــرة خــربة ترمي بالصور

عرض المادة
القصة الفائزة بجائزة مجلة العربي مع إذاعة مونت كارلو ذاكــرة خــربة ترمي بالصور
تاريخ الخبر 04-01-2017 | عدد الزوار 313

دون إنذارِ مُسبق. توقفت السيارة الفارهة أمامه.. وبيدين مرتعشتين ملأتهما التجاعيد والخوف.. اتكأ بيمناه إلى عكازه الأبنوسي المعقوف في يده.. ويده الثانية تضغط بالحقيبة السوداء وكتابان جديدان إلى صدره.. لم يمُرعلى احتفاله بعيد ميلاده الثمانين غير يومين..وبالرغم من ذلك مازال يحتفظ بقوام شبابي ووسامة تبقى منها ما تبقى وذهب منها ما ذهب..والسبب في ذلك مُمارسته الرياضة لأكثر من ستة عقودٍ مضت .. وقف ببنطلونه الأسود وقميصه الشيفون الأبيض المحشوّ بداخله.. وضع راحة يده المرتجفة إلى يد عصاه التي كانت مُعلقة على يده أثناء مسيره . وأسدل رأسه لينظر من فوق نظارته التي كره لبسها مراراً وتكراراً .. وقبل أن ينتهي به المطاف إلى الضفة الأخرى للأسفلت .. أذهلهُ صوت صرير عجلات السَيارة الفارهة وهي تعُض بنواجذها الأربعة بقوة لتتوقف دفعة واحدة دون حراك .. وبخطوات رياضية بهرت من هم بداخل السيارة .. ارتقى الحاجز الأسمنتي الفاصل بين ضفتي الاسمنت ووقف تحت ظل شجرة ظليلة شامخة في شارع النيل لا يقل عمرها من ثلاثمائة سنة ... وطالما جلس تحتها وعلى الكنبة الاسمنتية نفسها أيام شبابه الذي لا رجعة إليه أبداً إلا في ذاكرته الخربة.

تأبط حقيبته السوداء جيداً ومن ثمْ أخرج منديلاً وراح يجفف بعض قطرات العرق .. تراءَى له من بعيد فتىً أسمر وسيم الطلعة يترجل من السيارة الفارهة ويتجه نحوه بخطوات ثابتة .. كاد قلبه أن يقفز من مكانه .. كلما زادت خطوات الفتى نحوه .. زادت ضربات قلبه وعندما صار الفتى بمقربة منه همّ هو بالجلوس على الكنبة الاسمنتية التي طالما جلس عليها في تلك الأيام التي يستحيل أن ينساها، بعيني نسر هرم ضاقت بهم الأجفان حملق في وجه الفتى .. وأخذ يقلب شريط ذاكرته الخربة باحثاً عن هذا الوجه المألوف الذي يعرفه ولا يعرفه .. قال لنفسه وهو ينظر ناحية النيل

متأكد بأنني قد رأيت وجه هذا الفتي من قبل؟ لكن أين ومتى .. أين ...آهـ لقد صرت عجوزاً بحق وحقيقة .. وإلا فقل لي من هو ذا صاحب الوجه الذي تألفه ولا تقدر على تذكره.

خلع نظارته ومسح جفنيه بالسبابة والإبهام وعاد يحادث نفسه بنفس حار من جديد

لم تعد تتذكر يا الشامي؟ أنت خلاص كبرت ولا تذكر غيرهذا البرج!! الذي كان مكانه حديقة الحيوانات قبل أكثر من خمسين سنةٍ مضت .. نعم الحديقة التي كانت تتدفق عليها الأسر أمسية الخميس ويوم الجمعة بأكمله تتذكر ذلك لأنك كنت هُناك تعاكس البنات.. آهـ من الزمن.

سرعان ما عادت ذاكرته الخربة تعمل بصورة جيدة جعلت الصور تنداح أمامه .. توقفت صورة الفتى الذي يقف أمامه وهو طفل صغير أيام ما كان يسكن هو بجوارهم .. تبسم العجوز وهو يعيد النظارة مكانها .. وقال للفتى: أنت محمد حفيد العم أحمد عُشاري الذي كنت أسكن بجواره بحي أبوسعد قبل عقودِ مضت.

انتفض من مخيلته بصوت (البوري) وأزيز زجاج السيارة المنسدل .. وهسيس الباب الرتيب، والذي أطل منه وجه لفتاة غاضبة تشد رضيعاً من كتف إلى كتف.. لم تكن سوى هِبة، الطفلة الأولى التي وهبها الله لتلك الاُسرة.

رمى بصره فوق صفحة النهر الجارية وعاد يحدث نفسه بنفسه

ترى ماذا يدور في مخيلتك يا محمد الفاتح ؟ أذكر جيداً أنك كنت فتىً ذكياً .. ولطالما، كنتُ أتوقع لك مستقبلاً يليق بك، اعلم أنك تريد أن تسألني ذات السؤال الذي كنت تسألني إياه: أين أحفادي؟.. حينما كنت أجلس أمام بيتي على كرسي واضعاً رجلي اليمين فوق اليسار.. ومن يميني تربيزة عليها (كباية) شاي الحليب الذي أحب شرابه قبل دخول المغرب وأنا أتصفح الجريدة بقدسية .. كنت وقتها أنت وحسام وأحمد تلعبون بالكرة في الشارع أمام البيت .. وجدك أحمد عُشاري يراقبكم بوجل، وترمي علي أنت بالأسئلة مراراً وتكراراً يا محمد .. ما شاء الله كبرت الآن وصرت رجلاً ..

توقف الرجل عن الحديث وكأن شيئاً يخنقه، بلعَ ريقه وعاد يكلم الفتى واضعاً يدا فوق يد على يد عُكازه.

أما أنا فلم أترك الكُتب حتى الآن . انظر لهذين الكتابين الجديدين لم أترك القراءة ولا الكتابة منذ ذاك الوقت الذي كنت فيه أنت ابن الخامسة وإلى يومنا هذا.

(high way) أصلح الفتى سُترتهُ وصعد إلى سيارتِه الفارهة ودخل في الملتوي الذي يخرج من شارع النيل ويطير بين البنايات التي قفزت فوق غابة السُنط إلى أن غاب عن عيني العجوز الذي جلس على الكنبة التي طالما جلس عليها أيام شبابه ... ووضع الكتابين في حجره ورفع رأسه ناظراً لقمة الأبراج التي ارتقت في جزيرة توتي وتدحرجت من عينه دمعة سالت على خده.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 1 = أدخل الكود