نقص حاد في الكتاب المدرسي والمعلمين التعليم بالجزيرة.. غياب "المعدات" يهزم فكرة "الفلاش"

عرض المادة
نقص حاد في الكتاب المدرسي والمعلمين التعليم بالجزيرة.. غياب "المعدات" يهزم فكرة "الفلاش"
تاريخ الخبر 03-01-2017 | عدد الزوار 228

رئيس لجنة التعليم بالتشريعي: إقالة عثرة التعليم تحتاج لجهد كبير

مدير مدرسة: فكرة الفلاش هدم أهم أركان التعليم

الفترة الماضية شهدت استقراراً كاملاً في الكتاب والانتقال إلى نظام الفلاش كان فجائياً

مدني: يس الباقر ــ صديق رمضان

ود نايل قرية تقع أقصى شمال مدينة تمبول بمحلية شرق الجزيرة، لا توجد فيها شبكة مياه، ولم يعرف سكانها الكهرباء منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها، في أحد الأيام تلقى مدير مدرستها الأساسية اتصالاً من ادارة التعليم بالمحلية للحضور الى رفاعة وشددوا عليه أن يحضر معه "فلاش ديسك" سعة ثمانية قيقا، والفلاش لمن لا يعرفونه هو قرص يتم فيه تخزين المواد والمنقولات ويستخدم مع أجهزة الحواسيب.. المهم أنه عندما استفسرهم عن الغرض منه قالوا له إن الغرض حمل الكتاب المدرسي، ضحك بعض أهل القرية حينما علموا بهذا الأمر لأن مدرستهم تعاني نقصاً في الأجلاس ولا يوجد بها سور، وتساءلوا بتعجب "أين سيتم تركيب الفلاش لمعرفة ما بداخله وحتى وإن وجدوا جهاز الحاسوب من أين لهم بكهرباء لتشغيله.. عزيزي القارئ نحن ليس في ولاية كلفورنيا الأمريكية بل في الجزيرة بوسط السودان التي لا تعاني من تدهور مشروعها الزراعي وسحب، أوجاعها كثيرة ومنها التعليم الذي وجدناه يتكئ علي عصاتين بعد أن أصابه الشلل.

فلاش باك

عندما يتم مستخدم مصطلح "فلاش باك" في الصحافة فإنه يعني العودة إلى الوراء لسرد بعض الحقائق، وهنا نعني به هذه الجزئية لربطها مع مشروع تنفيذ نقل الكتاب المدرسي في "فلاش ديسك" بدلاً عن النسخ الورقية، وهذه وجدناها إحدى المشاكل الكثيرة التي يعاني منها التعليم بولاية الجزيرة التي كانت رائدة في يوم من الأيام في هذا المجال، إلا أن التردي يبدو أنه لم يستثني قطاعاً، ولم يضربه بقوة ويفرض وجوده فيه ، الفكرة كما يقول لنا أحد كبار التربويين في الولاية، وقد "فضل حجب اسمه" إن هذا العام شهد تنفيذ تجربة غير مسبوقة من قبل وتتمثل في الاستغناء عن الكتاب المدرسي والاستعاضة عنه بنقل المنهج لكل الفصول الدراسية في الأساس والثانوي في فلاش وأن الطالب أو التلميذ مطالب هو الإخر بإحضار فلاش لأخذ المقرر والاطلاع عليه في منزله، قلنا لمحدثنا أليست هذه تجربة جيدة، فضحك قائلاً: هذه مثل شعار الإنقاذ في أيامها الأولى حينما قالت سنسود العالم أجمع وأمريكا روسيا دنا عذابها، بالتأكيد هي تجربة خاطئة بل وفاشلة لأنه بهذا المشروع هزموا أهم أركان العملية التربوية وهي الاطلاع وأعتقد أن الكتاب أهم محاور التعليم ولا يمكن بكل حال في بلد مثل السودان ما يزال غارقاً في التخلف وانعدام الخدمات وانتشار الأمية التقنية والفقر أن نطبق مثل هذا المشروع الذي اعتبره قفزة في الظلام.

نظام جيد

سألنا تربوي آخر بالجزيرة عن الكتاب المدرسي خلال السنوات الماضية، فقال الرجل الذي عمل مديراً لمدرسة ثانوية بحاضرة الولاية، لم تواجهنا من قبل مشاكل في الكتاب المدرسي الذي كان يتم توفيره تحت كل الظروف وحتى في حالة حدوث نقص فإن إكماله لم يكن بالأمر العسير لتجاوب الوزارة مع المدارس بمختلف أنحاء الولاية بالإضافة إلى جهد المحليات في مرحلة الأساس، ومضى الرجل في حديثه عن الكتاب المدرسي، وقال أن كلمة السر في توفر الكتاب خلال المرحلة الماضية يكمن في تربوي متقاعد، وهو الأستاذ السر ياسين الذي أكد محدثنا أنه كان يؤدي دوراً في غاية الأهمية خاصة خلال عهد الوزيرة السابقة، ويتمثل في معرفته لكل صغيرة وكبيرة عن الكتاب المدرسي، وكانت هذه مهمته الأساسية بعد أن تقاعد إلى المعاش، حيث كان مديراً لمرحلة الأساس وبات خبيراً في هذا المجال والوزيرة السابقة وجهت أن يتولى فقط مسؤولية الكتاب المدرسي لمعرفته التامة بكيفية تحديد الحاجة الحقيقية لكل محلية.

استعداد مبكر

وينتقل محدثنا في محور الكتاب المدرسي إلى جزئية أخرى ويشير إلى أن وزارة التربية في ولاية الجزيرة ظلت منذ سنوات طوال خلت تعمل منذ منتصف العام الدراسي وتحديداً في سبتمبر في تحديد حاجة العام الدراسي القادم وذلك بمعرفة الكتب التالفة بالإضافة إلى التي يمكن توزيعها وأخيراً الحاجة الى كتب جديدة، وأضاف: كان السر يس يؤدي هذه المهمة بعد أن تولاها في العامين الآخيرين بمهنية واحترافية يحدد الحاجة الفعلية إلى أن تم الاستغناء عنه عقب إدخال نظام الفلاش، علماً بأنه منذ العام 2006 فإن وزير المالية كان يوجه المال المخصص للكتاب المدرسي إلى المطبعة التي تستعد مبكراً بإحضار المعينات المطلوبة للطباعة منذ شهر ديسمبر تحسباً لارتفاع الأسعار عند موسم الطباعة ولا تبدأ المطبعة طباعة الكتب الجديدة إلا بعد أن يوضح لها المسؤول السر ياسين الحاجة الفعلية من كل كتاب على صعيد العناوين والمحتوى والعدد ليبدأ تجهيز الكتاب قبل العام الجديد بستة أشهر، وهذه الطريقة المتقدمة التي كانت سائدة جعلت مدارس الولاية لا تشكو نقصاً في الكتاب.

استقرار ثم تدهور

الغريب في الأمر أنه أثناء تقصينا عن مشاكل التعليم بولاية الجزيرة وتحديداً فيما يتعلق بالكتاب المدرسي وتجربة الفلاش وجدنا أن الفترة الماضية كانت تشهد استقراراً كاملاً في الكتاب ولم تلح أي مؤشرات تشي بأن الولاية ستنتقل في هذا العام إلى نظام الفلاش، وعلى سبيل المثال فإن العام 2014 شهد تدشين الكتاب المدرسي في عهد الوزيرة السابقة بنسبة 80% من حاجة مدارس الولاية، و75% في العام 2015، وفي العام 2015،2016 بدأ تطبيق نظام التسع سنوات عبر الدفعة التي تم قبولها في الصف الأول أساس، وكان ذلك في عهد الدكتور محمد يوسف أوضحت له الوزارة أن منهج الصف الأول جديد فسأل الوزيرة عن المطلوب فأشارت إلى ضرورة وصول الكتاب بنسبة 100% إلى تلاميذ الصف الأول بالإضافة إلى توفير مخزون من كتاب الصف الأول لا يقل عن 10% تحوطاً للتلف، ويقول مسؤول بالوزارة إن الوالي وافق وتم وضع التكلفة وفقاً لجودة عالية تصل الى 80 جراماً للكتاب، عكس ما هو موجود في مطبعة الولاية التي تطبق الكتاب وفقاً لوزن ستين جراماً بداعي الميزانية والسعي لتوفير أكبر كمية من الكتاب للمدارس، وتمت طباعة كتاب السنة الأولى في مطبعة العملة بالخرطوم وتم توزيعه بنسبة 100% للمحليات.

تندر وسخرية

إذن في الكتاب المدرسي لم يكن يشكل هاجساً للولاية، ولكن في هذا العام تم الاستغناء عنه وتطبيق النظام وهو الأمر الذي كان مثار تندر وسخرية مواطني الجزيرة الذين أشاروا إلى أن ولايتهم ليست كلفورنيا الأمريكية ولا الدوحة القطرية، وأكدوا أنها تشكو في أريافها من انعدام الكهرباء، وتعجبوا من كيفية الاعتماد على الفلاش في مناطق لا يوجد بها ولو جهاز حاسوب واحد، أما التربويون فقد اعتبروا أن الفلاش يخصم كثيراً من تعليم التلميذ لتعطيله مهارة القراءة المباشرة من الكتاب بالإضافة إلى أن هذا انعكس سلبًا على مشروع التعليم الإلكتروني الذي بدأ في عهد الوزيرة السابقة التي نجحت في ربط ثمانين مدرسة شبكياً بواسطة وزارة الاتصالات، وهو كان مخصص للحصص النموذجية، وأشار الخبراء إلى أن الفلاش ليس تعليماً تفاعلياً، وأكدوا أن الكتاب المدرسي أهم محور تعليمي لجهة أن الطالب يمكنه أن يجلس على الأرض تحت ظل شجرة لتلقي تلعيمه، ولكنه لا يمكن أن يستغني عن الكتاب.

تناقضات

بحسب مصادر تحدثت إلينا فإن الغريب في الأمر أن تكلفة الكتاب المدرسي بولاية الجزيرة تبلغ 26 مليون جنيه فقط سنوياً ، وهو مبلغ بحسب الخبراء الذين تحدثوا إلينا متواضع ولا يمثل عقبة أمام ولاية مثل الجزيرة، وكشفوا عن أن الأموال التي تم توجيهها إلى تشييد مدارس وصيانتها في عهد إيلا بلغت 42 مليون جنيه رغم أن الحاجة الحقيقية للكتاب وليس منشآت جديدة بعض منها مدارس من طابقين في قرى تمتلك مساحات واسعة، ويؤكدون أن الاولوية كان يجب أن تذهب للكتاب والإجلاس بدلاً من تشييد مدرسة من طابقين لا حاجة لها ، وضربوا مثلاً بمدرسة شيدها إيلا بلغت تكلفتها ثمانية ملايين جنيه، وهو مبلغ يعتقدون أنه يكفي لطباعة 40% من الكتاب المدرسي.

فخ وخديعة

سألنا مدير مدرسة ثانوية عن الغاية من تحويل نهج التعليم من الكتاب إلى الفلاش، فقال إن وزيرة التربية الحالية صاحبت مقدرات جيدة وكفاءة عالية إلا أنه يرى بأنها وقعت في فخ الفلاش لعدم معرفتها التامة بالتعليم الإلكتروني، وقال إنها كانت تعتقد أن الفلاش جزء من التعليم الإلكتروني وأنها كانت تظن أن تنفيذ مشروع الفلاش يؤكد أن وزارتها قد قطعت خطوات جيدة في التعليم الإلكتروني، وأضاف: والغريب في الأمر أنه تم الاستغناء عن السر ياسين ومدير مرحلة الأساس بدر الصديق وهو في نظر الكثيرين "نحلة" لا تهدأ، وكان هذا من أكبر أخطاء الوزيرة على صعيد الكتاب المدرسي، ويرى أن الوزيرة تعرضت للتضليل مرة أخرى، وذلك لأنها استجابة لرأي البعض الذين أشاروا إليها بعدم مطالبة الوالي بالمبلغ المخصص للكتاب المدرسي.

تقرير صادم

إذن كانت تلك إفادات خبراء وتربويين على مقربة من ملف التعليم بالجزيرة تحدثوا عن الكتاب المدرسي، وما يعضد من أحاديثهم التي كشفت عن وجود أزمة حقيقية في الكتاب المدرسة بولاية الجزيرة ما جاء في ثنايا التقرير الذي قدمته وزيرة التربية والتعليم أمام البرلمان أخيراً كشفت عن أن نسبة توزيع الكتاب المدرسي بولاية الجزيرة تبلغ في مرحلة الأساس 58%، وفي المرحلة الثانوية 38%، والغريب في الأمر أن ذات الإحصاءات التي وضعتها الوزيرة منضدة البرلمان كشفت عن أن الكتاب المدرسي في الولاية الشمالية في المرحلتين تبلغ نسبته 100%، وكذلك ولاية القضارف، أما البحر الأحمر التي جاء منها والي الجزيرة فإن نسبة الكتاب المدرسي في الأساس تبلغ 72% وفي الثانوي 98% وهو أمر مثير للحيرة لأن تجربة الفلاش التي طبقتها حكموته لم تشهدها البحر الأحمر التي يبدو فيها موقف الكتاب جيداً بداعي اهتمام حكومة علي حامد بهذا الأمر، بل حتى الولايات التي تشهد عدم اسقرار أمني مثل وسط دارفور، فإن موقف الكتاب المدرسي يعد أفضل حالاً من الجزيرة، حيث يبلغ في الأساس 61% و63% في الثانوي، أما العاصمة الخرطوم ورغم عدد طلابها الكبير، وكذا المدارس فإن نسبة الكتاب المدرسي في الأساس تبلغ 80%، وفي الثانوي 90%.

تشابه المشاكل

طرقنا أبواب وزارة التربية والتعليم لمعرفة رأي قادتها عن بعض من المشاكل التي تواجه التعليم بالجزيرة غير أن كل محاولاتنا باءات بالفشل، فيممنا صوب المجلس التشريعي، وطرحنا ذات المحاور على رئيس لجنة التعليم بتشريعي الولاية، أزهري يوسف أحمد، الذي بدأ متجاوباً معنا، وأشار إلى أن لجنته تضم أحد عشر عضواً منهم عشرة معلمين، مبيناً تعهدهم حينما تم تكليفهم بخدمة التعليم بالولاية، وقال إنهم وضعوا خططاً طويلة الأمد وأخرى قصيرة من أجل الإسهام في النهوض بالعملية التعليمية، وكشف عن تركيز خططهم على محاور المعلم والكتاب والإجلاس والمنشآت والمنهج ومدى صلاحيته للمراحل المختلفة، ومضى في حديثه مشيراً الى أنه ومن خلال تطواف لجنة التعليم على المدارس بمحليات الولاية اتضح لها تشابه وتطابق مشاكل التعليم بالجزيرة، التي قال إنها انحصرت في ندرة الكتاب المدرسي والنقص في الإجلاس والعجز الحاد في المعملين.

نقص حاد

ومضى البرلماني والتربوي أزهري يوسف في حديثه مبيناً وضعهم خطة لمعالجة هذه القضايا بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني والوزارة بعد أن قدموا تقريراً يوضح بالتفاصيل كافة أوجه القصور في التعليم وأبرزها النقص في الكتاب المدرسي الذي تتراوح نسبته بحسب رئيس لجنة التعليم بين الـ40% إلى الـ70%، كاشفاً عن انعدام كتب الصف الثاني أساس ومادة الأحياء للصف الثالث ثانوي، أما فيما يتعلق بالمعلمين، فقد أوضح أن العجز يعتبر عالياً ويبلغ ثلاثة عشر ألف معلم، وقال إن هذا يعني أن المدارس بالولاية تعمل بقوة ناقصة وأن هذا له أثرا سالباً، وأوضح أن الإجلاس المدرسي أيضاً يشهد عجزاً، كاشفاً عن افتقاد مدارس بالولاية للإجلاس بنسبة 90%، مؤكداً أن الجهد الشعبي له دور كبير في استمرار العملية التعليمية، وقال إن 75% من القوة العاملة في التعليم من النساء وأن لهذا الأمر سلبيات تتمثل في الإجازات التي تنالها المعلمات، كاشفاً عن ترك عدد كبير من المعلمين الخدمة ومنهم 46 في محلية المناقل فقط، وذلك بسبب انخفاض الأجور، ولفت إلى أن معظم المدارس تعتمد بشكل مباشر على المتطوعين، وقال إن عددا منهم ظل يعمل لسنوات طويلة دون أن يتم تعيينهم وضرب مثلاً بمتطوعة تعمل بمدرسة العقليين وتدعى جميلة محمد أحمد ظلت متطوعة لمدة 14 عاماً بمدرسة عمار بن ياسر، وأكد أن التعليم في ولاية الجزيرة يحتاج لجهد كبير لإقالة عثرته.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 9 = أدخل الكود