الاستقلال وتقاطع المصالح الخارجية

عرض المادة
الاستقلال وتقاطع المصالح الخارجية
تاريخ الخبر 01-01-2017 | عدد الزوار 115

أحمد عبدالله الحسن الخضر

عمّت فرحة طاغية عند بزوغ فجر الأول من يناير 1956م أرجاءالسودان ووجدان الشعب السوداني قاطبة بمناسبة إعلان استقلال السودان ، وكان ذلك تتويج لكثير من المجاهدات الجماعية و الفردية من قبل الشعب السوداني ، بذل فيها البعض أرواحهم مقابل هذه الغاية و البعض الآخر ضحى بحريته على سبيل ذلك المكسب ، ومعروف أن القادة السياسيين آنذاك توحدوا رغم الخلاف لإعلان الاستقلال من داخل البرلمان و سجلوا أسماءهم بمداد من نور بتاريخ هذه البلاد مما حدا الزعيم إسماعيل الأزهري وهو يقول مقولته الشهيرة ( جئتكم باستقلال كصحن الصيني لا فيه شق ولا طق) فوجدت التحية بذكراهم العطرة و التي جعلت هذا اليوم مفخرة للسودانيين على مدى التاريخ.

إلا أن اليوم التالي بعد الاستقلال وخلال السنتين التي أعقبتهم تجددت فيه الخلافات بين الحزبين التقليديين وخصوصاً العلاقة مع مصر الجارة الشقيقة،وكلنا يعلم الجدل الذي كان دائراً قبل الاستقلال حول المناداة بالاتحاد مع مصروالذي تجاوزته القوى السياسية بالاتفاق على إعلان استقلال السودان،وكانت بريطانيا تراقب عن كثب هذا الخلاف وهي ترمي لقطع الطريق لأي تقارب مصري سوداني حتى لا تتنفذ مصر في السودان.

ومعلوم أن الدولة الاستعمارية حاولت أن تزرع ألغاماً في طريق السودان بعد الاستقلال لزعزة استقراره وكان أولها تطبيق سياسة المناطق المقفولة في جنوب السودان والتي عزلت الجنوب عن الشمال منذ عشرينيات القرن الماضي،وكانت تخاف من التغلغل المصري في السودان واتخاذه معبراً لمساعدة الدول المستعمرة في أفريقيا،التي كانت تتبناها القيادة المصرية بالإضافة إلى منع الأزهر الشريف من العمل من السودان للانتشارفي أفريقيا أيضاً ونشر الإسلام.

وقد عمد الاستعمار ببناء مؤسسات تعليمية في السودان تحد من تطلعات السودانيين من الدراسة في مصر،ومن ناحية أخرى كان زخم الاستقلال للاستقلاليين ما زال متقداً بعد الاستقلال وكان هناك رفض مكتوم لمسألة التقارب المصري هذه،خصوصاً داخل الجيش السوداني وحزب الأمة بالطبع.

وقد وعد السفير البريطاني في الخرطوم آنزاك بمعلومات لوفد من حزب الأمة بقيادة عبدالله خليل بأن مصر ستدعم الاتحاديين في الانتخابات دعماً غير محدود مما حدا بالأخير لاتخاز القرار الحازم بتسليم السلطة للجيش بقيادة الفريق عبود،ووأدت الديمقراطية الجديدة وانفتح باب في السودان لوصول الجيش إلى السلطة ،فأثر أثراً بالغاً على التطور السياسي فيما بعد.

وبدأت دورة وحلقة مفرغة عاش فيها السودان لسنوات طويلة مابين الحكم العسكري والمدني فكانت هذه أول إسقاطات تقاطع المصالح الخارجية والنفوذ الخارجي والتأثير على السياسة الداخلية في السودان.

وعندما تسلم الفريق عبود السلطة والحق يقال إنه لم يسعى للسلطة وإنما جاءته الخلافة من قادة كما يقولون،إلا أن ظلال الصراع الخارجي ظلت تحوم فوق سماء السودان فقد كانت الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي السابق على أشدها وعمد الرئيس عبود وحكومته للتقارب مع أمريكا من خلال بوابة ألمانيا الغربية آنذاك ورحبت أمريكا بهذا المسلك وكانت الزيارات الرئاسية المتبادلة بين البلدين حيث استقبل الرئيس عبود في واشنطون استقبالاً كبيراً وبحفاوة بالغة،وتم تقديم مشروع المعونة الأمريكية بالسودان آنذاك الذي وجد معارضة شرسة داخل السودان من الحزب الشيوعي ولا أحسب أن الاتحاد السوفيتي كان بعيداً عن هذه المسألة، أو انطلاق شرارة ثورة أكتوبر والإطاحة بحكم الرئيس عبود.

وعادت الديمقراطية من جديد وإن اتضحت نوايا اليسار بعد سنوات قليلة في انقلاب الرئيس نميري 1969م،وتمّ تكريس الدورة السياسية الخبيثة التي أقعدت السودان ما بين حكم عسكري وحكم ديمقراطي لم تنل كل مجموعة فيها منالها،حيث أن كل حكم يبدأ من أول جديد.

إن عدم الأخذ في الاعتبار بمعطيات السياسية الدولية وصراع المصالح الخارجية يؤثر تأثيراً كبيراً على السياسة الداخلية في أي بلد فبعض البلدان شهدت حروب أهلية طاحنة بسبب صراع النفوذ الخارجي هذا والبعض الآخر شهد انقلابات عسكرية متتالية فيجب علينا أن نعتبر فيما يدور من حولنا وأن نقرأ قراءة صحيحة السياسة الدولية لأن جوهر العلاقات الدولية هو صراع مصالح بين الدول وتعمل المنظمات والمعاهدات الدولية على إدارة هذا الصراع ولعل مسألة مايسمى بالربيع العربي تقف خير شاهد على مانقوله ،فالربيع العربي يقوم على نظرية الفوضى الخلاقة وتحطيم أركان الدولة القائمة بخلق واقع جديد في البلد المعني بحروب أهلية طاحنة بفرض خريطة جديدة في المنطقة والاقليم، وبنظرة سريعة لما حدث في الدول العربية من حولنا، يؤكد مثل هذا القول، وهي ليست دولة واحدة، أو إثنتين وإنما عدة دول، لم يحدث فيها أي تغيير، وإنما أنجرت إلى حروب أهلية طاحنة وعدم استقرار سياسي ومطلوب من قادتنا السياسيين أن يستوعبوا تماماً هذا المخطط الذي لا يمكن تجنبه إلا بالوصول إلى حد أدنى من تماسك الجبهة الداخلية ولن يتركونا لنحدث أي تغيير.

من ناحية أخرى فإن الغرب يرى في السودان ركيزة أساسية للتعاون معهم في قضايا الإرهاب والاتجار بالبشر، فقد قطعت الحكومة شوطاً كبيراً في ترسيخ هذه الشراكة ولا أخال أن المعارضة ترفض الدخول أو الاتفاق مع الغرب في هذه الشراكة، ولنعمل معاً من أجل تجنيب بلادنا مغبة الوقوع في هذا الفخ، والعمل من أجل إرساء الوفاق والحوار والتعايش في السياسة والتعاطي السياسي يقوم على المساومة وهي فن الممكن ولنحافظ على استقلالنا وأن لا نقع مرة أخرى فريسة لتقاطع المصالح الخارجية.

عضو الحزب الاتحادي الأصل

1 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
3 + 2 = أدخل الكود