ارتبط اسمه بالسلام الجمهوري "أحمد مرجان".. الموسيقار يكتب "نوتة" الانعتاق من المستعمر

عرض المادة
ارتبط اسمه بالسلام الجمهوري "أحمد مرجان".. الموسيقار يكتب "نوتة" الانعتاق من المستعمر
تاريخ الخبر 01-01-2017 | عدد الزوار 406

الخرطوم : آيات مبارك

عندما فقد الموسيقي الأسباني (جواكيم) ابنته الأولى ألهمه هذا الحدث المأساوي (موسيقى مونامور الهادئة) والتي طفقت شهرتها الآفاق ، لكن عندما رأى الشاب (مرجان) وطنه يتسرب خِلسة بين يديه تملك الحزن، ولم يخرج هذا الألم من بين مسامه إلا عندما خرج المستعمر من وطنه لينفث لحناً قوياً لا يعني سوى الشجاعة والنصر وهناك فرق ما بين اللحنين ففي أسبانيا فقد دائم ولحن حزين خالد وفي السودان فقد وإستعادة ونصر دائم. ضخ في شراييننا فرحة وفخر جعلتنا نجول في تلك الأزقة الدافئة في ذاك الحي الأمدرماني الصغير (حي الضباط) الذي ظل يحمل للوطن حباً خالصاً متجرداً ويبادله عشقاً بعشق وهو يمنح العسكرية ويضخ على أوردة الوطن ضابطاً تلو آخر منذ الحرب العالمية الثانية لنمضي ونطرق هناك باب القائد (أحمد مرجان) فالتقانا حفيده " أحمد حسن أحمد مرجان" الذي لمحنا على محياه تشرباً واضحاً بالعسكرية ومن ثمّ تعلقاً بما فعل أبوه .. فقد نفخا بوقاً جعل ذهنه متقداً لم يترك شاردة ولا واردة إلا وحكاها بفخرٍ .. ، وأحمد لم يبعد عن ذاك المسار كما لم يبعد أبوه "حسن مرجان" عن معزوفات جده فقد التمس نفس السلم الموسيقي ، ليصبح هذا حال الأسرة التي ارتحلت من (كوة النيل الأبيض) وولد فيها (أحمد مرجان ) في العام1905م ، بنشأة دينية فقد كان والده صاحب خلاوى ونار تقابة ، ولم يطول المقام هناك لتنتقل أسرته إلى أمدرمان وتسكن بمعية قريبه " كبسون الجاك" والذي كان نقيباً بالجيش.

وفي عام1914 التحق " مرجان" برتبة "ولد" وترقّى في المناصب إلى أن وصل إلى رتبة نقيب، أول قائد سوداني لسلاح الموسيقى، ودرس الموسيقى على يد الخواجة (مستر شور)، وبدأ بالبيانو، وتخصص في آلة الساكسيفون، وعزف معها بعض الآلات الأخرى كـ(الأكورديون) و(الكلارنيت) والتي قام بجمعها وتدوينها واستوحاها من التراث الشعبي، وأعد كتاباً عن السلام الجمهوري للدول.ومن المارشات العسكرية التي دونها (شلكاوي7) ، (عسكر السلطان علي دينار) ،(ودالشريف) ،(وحي الجبال) ، (كرري) ، (نوبة مساء بالترمبيتة) ( زمن يادنيا)، (مارش الآثار)، (حامية الخرطوم)، ومن المقطوعات الموسيقية (إشراقة)، (روك سوداني)، (النونج ) ،(الروصيرص)،( تانجو غراميات)، (أمسيات بحر الغزال).

أول معهد أهلي للموسيقى

وفي هذا المنزل أسّس ( أول معهد للموسيقى1950-1960م) بحهده الفردي ومنها قام بتأسيس معهد سلاح الموسيقى) الذي ترأسه تلميذه البروفيسور الماحي إسماعيل ليخرج عدداً ضخماً من العازفين المهرة منهم على سبيل المثال (الفاتح بون) وقد كان ذو علاقة وطيدة بالأستاذ "عبدالكريم الكابلي" وتعلّم على يديه أيضاً الأستاذ الفنان " محمد وردي" ، والأستاذ " شرحبيل أحمد" "صلاح بن البادية "وقد نال عدداً من الأوسمة والنياشين مثل (نوط الخدمة الطويلة الممتازة) ، (وسام العلم والآداب والفنون من الطبقة الأولى 98-2000) (نجمة الملكة فكتوريا) ، ( نجمة الملك فاروق) ، (نجمة الجلاء) ، (وسام الإنجاز) (وسام النصر)، (نوط الاستقلال) الملكة اليزابيث.

نجمة الملكة اليزابيث

ويواصل " أحمد" في الحكي قائلاً وفي العام 1954زارت الملكة اليزابيث ملكة بريطانيا السودان في عيد الجلوس الثالث للعرش وعندما عزفت الموسيقى أدهشها الآداء الخلاق لتلك الفرقة وقائدها ملازم أول " أحمد مرجان" ويبدو أن الملكة لديها ملكة خاصة في الموسيقى ولم يكن بيدها سوى أن تنهض من مجلسها لتأخذ العصا وتعزف معهم ثلاثة مقطوعات وبعدها أخرجت الدبوس الملكي وسلمته مباشرة شهادة براءة من الحاكم العام ليحييها القائد مرجان تحية عسكرية حارة. فقد أعجب هو أيضًاً بآدائها.

قائد سلام اللاءات الثلاثة

وطفق حفيده " أحمد" حاكياً عن علاقته بالمشير الراحل "جعفر نميري" فقد كانت هناك علاقة وطيدة تجمعهما وعند وفاته تأخر الجثمان كثيراً في انتظاره لأنّه أصر أشد الإصرار على وداعه بنفسه . وعندما أعلنت الخرطوم عاصمة (اللاءات الثلاثة) وزيارة الرئيس المصري " جمال عبدالناصر" كان النميري في المسرح القومي بأمدرمان ويجب على الفرقة الموسيقية أن تعزف السلام الجمهوري للدولتين لكنها لم تستطيع الوصول من "إشلاق المهندسين" نسبةً لإزدحام الطريق ولكن يبدو أن ساعة "مرجان" الروحية متزامنةً مع ميقات عزف السلام الجمهوري فما كان منه إلا وأن هبط من العربة وركض هو وفرقته سريعاً ، و أمر الفرقة ببدء العزف قبل الوصول لموقعهم تماماً وفعلاً بدأ عزف السلام الملكي دون أن يشاهدهم نميري الذي التفت متسائلا «ديل قاعدين وين!؟وبعدما علم بماحدث أمر بصرف حافز للفرقة وقائدها.

نحن جند الله .. جند الوطن

وعندما اشرأبت الوجوه عالية معلنة جلاء المستعمر واستقلال السودان ، كان لا بد من وجود (نشيد للسلام الجمهوري) والذي يسمى اختصاراً بـ(نشيد العلم) أو (تحية العلم).. فأعلن عن مسابقة لأفضل كلمات والتي كانت من نصيب الشاعر أحمد محمد صالح .ومن بعدها مسابقة أخرى لأفضل لحن ، وحينها كان القائد "مرجان" عاكفاً في أمسيات إشلاق الجيش ببحري مستصحباً معه كل حصيلته من موروث أجداده ونهارات الكوة المضيئة ومدائح الختمية وحب العسكرية أو بعض من حب الوطن وربما أكثر من ذلك لينفث لحناً خلاقاً يهز الأرجاء وترتجف القلوب حياله حتى الآن.. وهذا الأمر ليس بمستغرب عليه فقد حاز أيضاً على جائزة أفضل لحن للأناشيد الوطنية حسب الجمعية العالمية للموسيقى .، و قد اختير أحد ألحانه لنشيد ( سلام دولة تشيكوسلوفاكيا) في العام 1975م.

الثواني الأخيرة

في ثوانٍ غامضة من عقارب الحياة ..ذهبت روح هذا الوجه المغالي في التعب وهو يجابه عمراً طويلاً باحثاً عن كفي وطن ملك يديه لينام في هدأة المحارب الأخيرة وهي تنادي سوداناً أخضر يانعاً :

لا سرير لي إلا كفيك وذراعيك وبعض غيمك

ها أنا على درج السلم الأخير ماضياً خارج الصحراء

وكم من دهشة مسحت كل الرجال من حولك ولم تبق إلا أنت (وطني)

استدراك على بوابة الخروج

من يود أن يرى ما قيل عياناً أو أكثر من ذلك فعليه أن يشاهد فيديو جلاء المستعمر وذلك القائد الذي يتقدم الجنود ..فكل حب الوطن يشابهه وكل معاني العسكرية يماثلها

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 6 = أدخل الكود