قدموا أدواراً باذخة في صناعة التحرّر المثقفون والاستقلال.. حواضن الاستنارة تطرِّز ثوب الانعتاق

عرض المادة
قدموا أدواراً باذخة في صناعة التحرّر المثقفون والاستقلال.. حواضن الاستنارة تطرِّز ثوب الانعتاق
تاريخ الخبر 01-01-2017 | عدد الزوار 65

الناقد أبو عاقلة إدريس: علي عبد اللطيف جسّد النزعة القومية حينما رفض ذكر قبيلته للقاضي

الناقد مصطفى الصاوي: ضيق الحريات والقبضة الحديدية على مراكز التنوير أخّرت دور المثقفين حالياً

الخرطوم: نجاة إدريس

كان للأدباء والمثقفين دور كبير وبارز في حصول السودان على استقلال مجيد في العام 1956م كصحن الصيني دون (شق أو طق)، ولم يبدأ عمل المثقفين من شعراء وناثرين مقاومتهم للحكم الثنائي في العام 1956 بل سبق ذلك العام جهد كبير بدأ منذ العام 1924 - عام ثورة اللواء الأبيض - حيث تأسست في ذلك العام جمعية أبو روف الثقافية وكان أعضاؤها من خريجي كلية غردون التذكارية من الذين كان يجمعهم حب القراءة، فكانوا يجتمعون مرتين في الأسبوع.. وقد انتقلت الجمعية من منزل أحد أعضائها إلى مكان أرحب نسبة لتزايد عدد أعضائها.

من مشاعل الوعي برزوا

معظم الجمعيات الثقافية بدأت مشاعل تنويرية لبث الوعي وسرعان ما تجاذبتها رياح السياسة، ولعل أشهرها جمعية اللواء الأبيض التي كانت عضويتها من المثقفين من صغار الأفندية وتكونت الجمعية برئاسة علي عبد اللطيف وعضوية كل من عبيد حاج الأمين، وثلاثة آخرين من الكتبة وصغار الموظفين، وهم صالح عبد القادر، وحسن صالح المطبعجي، وحسن شريف. كما ظهر ضمن صفوفها اسم على أحمد صلاح، وهو من أوائل النقابيين السودانيين، وكان يعمل كاتباً بمخازن فكتوريا في الخرطوم، وسرعان ما لبست الجمعية ثوب السياسة وأضحت من أهم الكيانات المناوئة للإنجليز وبرز من بين صفوفها شعراء كبار أمثال خليل فرح صاحب القصائد الشهيرة (عازة في هواك) و(الشرف الباذخ) وبزغ نجم مبدعي الحركة الوطنية ومنهم الموسيقار إسماعيل عبد المعين والفنان حسن خليفة العطبراوي، وظهرت أناشيد المؤتمر (للعلا) للشاعر خضر حمد و(صه يا كنار) للصاغ محمود، وعرف علي نور بشاعر المؤتمر واشتهرت في أغنيات الكفاح الوطني أغنية (يا غريب يلا لي بلدك) للمهندس يوسف مصطفى التني، وعلا صوت صالح عبد القادر مجلجلاً:

ألا يا هند قولي أو أجيزي رجال الشرع أضحوا كالمعيز

ألا ليت اللحى كانت حشيشاً فتعلفها خيول الإنجليز

مؤتمر الخريجين

لا يخفى على أحد الدور الكبير الذي اضطلع به مؤتمر الخريجين في استقلال السودان، وقد ولد مؤتمر الخريجين من رحم بنات أفكار المثقفين، وقد وثق لهذا القول شاعرهم علي نور الذي أنشد قائلاً:

هذي يدي لسماء المجد أرفعها رمزا يشير إلى المستقبل الحسن

لما تزجيه تحت الشمس من وطر وما نفديه بالأرواح من وطن

دقوا البشائر للدنيا بأجمعها وللعروبة من شام إلى يمن

إذا هممنا وأرهفنا عزائمنا على النهوض بشعب للعلا قمن

الله أكبر هذا الروح أعرفه إذا تذكرت أيامي ويعرفني

كنا ننميه سراً في جوانحنا حتى استحال إلى الإجهار والعلن

ولعل الكثيرين لا يعلمون أن مؤتمر الخريجين ولد من رحم الجمعية الأدبية بنادي ود مدني - بفكرة من أحمد خير المحامي - ثم تطور الأمر وبدأ الصحفيون يبدأون في الكتابة عنه مبشرين بدوره العظيم، وأول الكتابات عنه كانت على صفحات جريدة السودان ومجلة الفجر فصادفت الكتابة عن مؤتمر الخريجين هوى خاصة عند رجال المدارس الفكرية، وبعد اجتماعات ومدارسات أقحم المشروع على نادي الخريجين بأم درمان فبرزت الفكرة في وضعها القائم، كما أشار الأستاذ أحمد خير المحامي في كتابه (كفاح جيل).

مثقفون في خانة السياسة

يعد الزعيم إسماعيل الأزهري أبرز المثقفين الذين رمت السياسة بشباكها عليهم، فقد بدأ الزعيم إسماعيل الأزهري حياته العملية بمهنة التدريس حيث عمل مدرساً للرياضيات بكلية غردون، على الرغم من دراسته للآداب ثم بُعيد ذلك دراسته العلوم الاقتصادية بالجامعة الأميركية ببيروت. ولعل حادثة صغيرة ذكرها الكاتب مصطفى محمد الحسن في كتابه (أسرار الزعامة) هي التي غيرت مسار الرجل وأدخلت رجله إلى جب السياسة وذلك عندما ذهب برفقة جده ضمن وفد السودان في عام 1919 إلى بريطانيا وكان عمره وقتذاك ثمانية عشر عاماً فقط، وكانت مهمته الأساسية الترجمة، فسمع مدير المراسم يقول لكبير الطباخين (أعد الطعام بالطريقة كذا لأن هؤلاء السودانيين كالكلاب يأكلون العظم واللحم معاً)، وكانت هذه المقولة هي الشرارة التي جعلته ينطلق لتخليص شعبه من وطأة المستعمر.

ومن المثقفين البارزين الذين ولدوا من رحم جمعية أبي روف الثقافية الشاعر خضر حمد - الذي كان يكتب عموداً في جريدة "السودان"، وكثيراً ما كان ينتقد فيه أوضاع الحكم الثنائي بالرغم من وجود الرقابة على الصحف، ثم سرعان ما انضم لمؤتمر الخريجين، وكان من دعائمه، وتقلد منصب وزير دولة بوزارة الري والقوة الكهربائية، في أول حكومة وطنية، وكان عضواً بمجلس السيادة في عهد الديمقراطية الثانية.

مولد أحزاب من رحم الثقافة

يعتبر حزب الأشقاء من أبرز الأحزاب التي ولدت من رحم الثقافة وهو حزب تأسس في الفترة من (1943 -1953) وكان أعضاؤه مجموعة من الشباب المثقف الذي كان يندرج في تنظيم "جمعية القراءة" بحي سوق أمدرمان، وتعتبر "جمعية القراءة" إحدى المدارس الفكرية بأمدرمان آنذاك، وقد كان من ضمن أعضائها الزعيم إسماعيل الأزهري.

وضم حزب الأشقاء كلاً من يحيى الفضلي، ومحمود الفضلي، وأحمد محمد يس، وحسن محمد يس، وإبراهيم جبريل، وحسن عوض الله، وعلي حامد، وإمام المحسي ومحمد عبد الحليم العتباني.

صالونات أدبية في مضمار التنوير

وعند الحديث عن الثقافة والمثقفين الذين كان لهم دورهم الداعم لخط الاستقلال وتنوير الجماهير لابد لنا أن نتحدث عن صالونات أدبية شهيرة كان لها أبلغ الأثر في بث الوعي وتنوير العامة، ومن هذه الصالونات صالون الشيخ الطيب السراج، وهو من أعرق الصالونات الأدبية في السودان، ففي ظل حقبة الحكم الثنائي الإنجليزي المصري وفي العشرينيات من القرن الماضي انعقد الصالون في عطبرة – مدينة الحديد والنار- ثم انتقل إلى أم درمان – العاصمة الوطنية - منافحاً عن الهوية العربية الإسلامية التي حاربها الاحتلال، وقد اجتمع فيه الأدباء من رجال الحركة الوطنية أمثال خضر حمد وحسين الكد والغول.. واشتهر من تلامذة السراج: محمد عبد القادر كرف، وبابكر أحمد موسى ومختار محمد مختار ومحمد صالح فهمي، ومن الساسة الإمام الصادق المهدي.. وجلس بين يدي السراج عبد الله الطيب، محمد محمد علي، ومحمد المهدي المجذوب. ومن ثم خرجت ندوة (لسان العرب) الشهيرة من رحم صالون الشيخ الطيب السراج التي كان يعقدها نجله الأديب فراج الطيب كل يوم جمعة.

نساء واعيات

ولم تتخلف المرأة وقتذاك عن شقيقها الرجل في رحلة الأدب والثقافة وقد كان لها دورها المتعاظم في رحلة الانعتاق من نير الاحتلال البغيضن فبدأت النساء المتعلمات في تثقيف وتوعية أخواتهن في صالونات ثقافية أشبه ما تكون بالصالونات الثقافية عند الرجال. ومن هنا ولدت رابطة الفتيات المثقفات والتي تعتبر من أشهر الصالونات النسائية التي عرفتها الحركة الثقافية ومنها صالون (رابطة الفتيات المثقفات) وهدفت الرابطة إلى تعليم النساء اللائي لم ينلن حظاً من التعليم كما عمدت إلى إرشاد النساء وتوعيتهن، كما كان له دور توعوي من خلال مكتبة الرابطة الزاخرة بالإضافة إلى إسهامه بنشر المعرفة من خلال النشر في الصحف اليومية، ومن مؤسسات هذا الصالون د. خالدة زاهر ، فاطمة طالب، زينب الفاتح البدوي، عزيزة مكي أزرق وذروى سركسيان وغيرهن.

صف واحد

قبيل إعلان الاستقلال كان المثقفون من الأدباء والشعراء في صف واحد يعملون من أجل هدف واحد وهو أن يستقل السودان. بل منهم من اعتبر المعهد العلمي بأمدرمان قلعة للمواجهة في مجابهة المستعمر ومؤسساته الرسمية التعليمية ومنها التعليم الأجنبي مدارسه ومعاهده وبعثاته وإرسالياته، وهو ما يتمظهر في ترانيم ذلك الزمن:

ما بخش مدرسة المبشر

عندي معهد وطني العزيز

دعوة إلى القومية السودانية

وعن نزوع المثقفين إلى القومية السودانية في محاربتهم للمستعمر الأجنبي منذ وقت مبكر أشار الناقد أبو عاقلة إدريس في حديثه لـ(الصيحة) إلى أن النزعة القومية السودانية بدأت تتبلور شيئاً فشيئاً إلى أن تجلت في محاكمة المحتل الإنجليزي للبطل علي عبد اللطيف رئيس جمعية اللواء الأبيض، إذ رفض بشدة أن يُسأل عن قبيلته – وفق المنظور الضيق – مبرراً ذلك بأنه سوداني الجنسية ليمتد الأفق وتتسع فضاءاته، وفي نوفمبر 1924م مرابضًا في مستشفى النهر كان الرصاص ينهمر على رفيقه عبد الفضيل الماظ، ثم ينفذ الحكم رمياً بالرصاص وتجريداً من الرتب العسكرية في رفاقهما ثابت عبد الرحيم وحسن فضل المولى وسليمان محمد.. وأضاف إدريس بأن هذا المشهد البطولي يجسد ملاحم تشكيل العقل الجمعي القومي السوداني في ميلاد السلطنة الزرقاء ليتجلى أكثر نزوعاً إلى قومية سودانية جامعة في ملاحم الثورة المهدية في الجزيرة أبا وقدير وشيكان وفتح الخرطوم وكرري وأم دبيكرات وحتى مشهد إعدام البطل عبد القادر ود حبوبة في الحلاوين. وأشار إدريس إلى أن الفن كان متقدماً بأدواته وهو يبتدر الدعوة إلى قومية سودانية جامعة ولنمثّل هنا بمسرحية "المك نمر" للشاعر إبراهيم العبادي وفيها المقطع الشهير:

جعلي ودنقلاوي وشايقي إيه فايداني

غير ولدت خلاف خلتّ أخوي عاداني

خلوا نبانا يسري مع البعيد والداني

يكفي النيل أبونا والجنس سوداني

عمة وطربوش

وفي السياق أشار الناقد د. مصطفى الصاوي في حديثه لـ(الصيحة) إلى الدور الطليعي الذي قام به المثقفون السودانيون منذ ثلاثينات القرن الماضي في الذود عن البلاد والمطالبة بنيل الاستقلال، وقال إن هذا المعنى تجسد بأشكال مختلفة من المقاومة عبر الكتابة في الصحف والمجلات وعبر المسرح والنص الشعري. وأضاف الصاوي بأن هناك أسماء كثيرة برزت في هذا المضمار منها على سبيل المثال خليل فرح ومجموعة نادي الخريجين ومجموعة كبيرة من المثقفين الذين كانوا داخل الأحزاب وليس فقط من الذين تخرجوا في جامعة الخرطوم، بل هناك إسهامات مقدرة من المعهد العلمي فهناك التجاني يوسف بشير وخالد أبو الروس وغيرهما .. وأكد الصاوي أن هذه الطلائع سواء أكانت بعمة أو طربوش فإنهم جميعاً ساهموا في المد الذي أنتج وعياً أدى إلى استقلال السودان، مضيفاً بأنه لا يمكن بأي حال أن ينكر هذا الدور أو تخطئه عين وحتى الطائفية وما يكتب عنها الآن بغير اتقان إلا أنها أسهمت إسهاماً وافراً في نيل الاستقلال، وقد امتد دور المثقفين حتى في ثورتي أكتوبر وأبريل.

تراجع أدوار المثقفين

وأضاف د. مصطفى الصاوي أن أدوار المثقفين تراجعت كثيراً الآن وذلك لأسباب متعددة منها القبضة الحديدية على الحريات ومراكز التنوير المعرفي، ومنها أن بعض المثقفين يرمون أنفسهم في أحضان السلطة، وما من مخرج حتى يعود للمثقفين دورهم القديم المشهود إلا بأشاعة الحريات العامة حتى يعود للمثقف دوره الطليعي باعتباره مثقفاً واعياً.

من المحررة

الآن وبعد واحد وستين عاماً من الحكم الوطني ينتظر من المثقفين الكثير، فحالهم يختلف عن حال المثقفين كثيراً بالأمس فقد تشرذموا بعد وحدة وفرقت بينهم السياسة، فصار كل حزب بما لديهم فرحون، وظهرت على نطاق الكيانات الكبيرة والتي يستظل تحت لوائها الأدباء بمختلف أشكال الإبداع نحو خمسة كيانات هي الاتحاد العام للأدباء والكتاب السودانيين، واتحاد الكتاب السودانيين، واتحاد الأدباء السودانيين، والاتحاد القومي للأدباء والكتاب السودانيين، ورابطة الكتّاب السودانيين، وعلى ذلك فقس بقية الكيانات الثقافية تحركهم الآيدولجيات، ولا يوحد بينهم الإبداع الذي يروي عروقهم .. كما أضحى تشتتهم كياناتهم القبلية والجهوية.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 6 = أدخل الكود