من تسع مديريات إلى ثماني عشرة ولاية السودان.. دويلات في مختبر الحكم اللامركزي

عرض المادة
من تسع مديريات إلى ثماني عشرة ولاية السودان.. دويلات في مختبر الحكم اللامركزي
تاريخ الخبر 01-01-2017 | عدد الزوار 177

مديرية النيل الأزرق كانت الأفضل ودارفور خلت من المدارس الثانوية

محافظ الشمالية رفض إسعاف مريض بالعربة الحكومية لكنّه صادق بقيام مستشفى الدامر

الكوامر والدواب وسائل مديري المديريات سابقاً.. والعربات الفارهة تستنزف المحليّات حالياً

غرامات وعقوبات فوريّة كانت تتم ميدانياً في حق المقصرين في أدائهم حتى في الزراعة

الخرطوم: محمد أحمد الكباشي

شهدت البلاد بعد نيل الاستقلال وضع أسس النظام السياسي الجديد، ومرّت الحكومات السابقة بتجارب ونماذج لنظام الحكم بدءاً من نظام المديريات إلي الأقاليم وأخيراً إلي الولايات حيث كانت فترة الحكم الحزبي الأول، الذي تمثّل في تأليف حكومة استمرت أشهراً عديدة من العام 1956، وكان على رأسها إسماعيل الأزهري، غير أنّ هذا العهد لم يستمر طويلاً بسبب الصراع على السلطة بين حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي، وهو ما انتهى بالانقلاب العسكري الأوّل في 17 نوفمبر 1958 بقيادة الجنرال إبراهيم عبود، حيث تولى الحكم في البلاد مجلس عسكري استمر حتّى العام 1964 تم فيها حل الأحزاب السياسية، وإنشاء المجلس المركزي كجهاز تشريعي توالت بعد ذلك الحكومات بين عسكرية وحزبية وتبعاً لذلك تطورت عملية نظام إدارة البلاد حتى وصلت إلى ثمانية عشر ولاية

صناعة الأجنبي

مع مرور واحد وستين عاماً على الاستقلال لا بد أن نضع سؤالاً يفرضه الواقع اليوم كم كان عدد منسوبي السلطة في عهد الإنجليز وكم كانوا يكلفون خزينة الدولة وكم بلغ عدد منسوبي السلطة بعد الاستقلال تحت ظل الحكم الوطني وكم كانوا يكلفون الخزينة؟ وتنبع أهمية هذا السؤال لأن تكلفة السلطة التي تشرف على االدولة في حقيقتها خصماً على قدرات الدولة المالية التي يفترض أن توظّف إمكاناتها لخدمة المواطن لهذا فإنّها كلما تضخمّت تكون خصماً على المواطن ومن هنا كان لا بد من أن نقارن بين منسوبي السلطة وتكلفتهم خصماً على الخزينة مقارنة مع منسوبي السلطة وتكلفتهم في عهد الاستعمار ويبدو أنّ مؤتمر تقييم وتقويم تجربة الحكم اللامركزي بالبلاد والذي انعقد مؤخراً ذهب في ذات الاتجاه وتوصلت كثير من الأوراق التي قدمت إلى سلبيات صاحبت التجربة الأخيرة فالإنجليز قبل أن ينفصل الجنوب قسموا السودان كله (بجنوبه) لتسع مديريات ثلاثة منها كانت خاصة بالجنوب وستة منها خاصة بالشمال وكان على رأس كل مديرية محافظ يعاونه مجموعة من ضبّاط البلديات في المدن الكبرى في كل مديرية وضابط ريفي يتولى الإشراف على بقية المناطق المُعرّفة بالريفية.

وبجانب هذه المحافظات على مستوى المركز مجموعة من المصالح الحكومية تتولى الشأن القومي وعلى رأسه السكة حديد والأشغال والمخازن والمهمات والنقل الميكانيكى وهيئة الكهربا والمياه وغيرها من المؤسسات الضرورية وعلى رأس كل منها وكيل أو مدير يمثل أعلى سلطة تنفيذية فيها بحكم القانون فيما يسمّى وقتها باستقلالية الخدمة المدنية عن السلطة السياسية

نموذج مفقود

ويقول الباحث حسين أحمد الشيخ إن ولاية نهر النيل الحالية ومعها الشمالية كانتا تمثلان المديرية الشمالية وحدودها من الجيلي شمال الخرطوم إلى وادي حلفا شمالاً وتضمّ محافظة بربر ودنقلا وشندي وعاصمتها الدامر ويديرها محافظ مع مفتشين، أوّل محافظ لها بعد السودنة هو العوض حامد جبر الدار وهو من أبناء كردفان ويعاونه في إدارة المديرية مساعدين .

المثير أن وسائل تنقّلهم كانت هي الجمال للمسافات، والحصين للإشراف، أو المتابعة المنحصرة في الزراعة والتعليم، كما أن وسيلة القطار تشكل عاملاً أساسياً للتواصل في ظل انعدام الطرق المسفلتة، إلى جانب الباخرة عند محطة كريمة إلى حلفا، ويشير الباحث حسن أحمد الشيخ إلى أن قيام مستشفى الدامر في العام 1968 جاء نتيجة إلى اهتمام المحافظ حسين شرفي في ذلك الوقت بأمر الصحة، وأشار إلى أن أحد مساعديه طلب منه توفير عربة المحافظة الوحيدة وهي عبارة عن كومر لإسعاف زوجته التي كانت في حالة وضوع، إلا أن المحافظ رفض ذلك بحجة أن عربة الحكومة لا يمكن استغلالها لأمر خاص، وخاصة بعد نهاية الدوام، وفي ذات الوقت شعر المحافظ بالتقصير تجاه مواطنيه فقرّر بصورة قاطعة تأسيس مستشفى بالدامر.

ويضيف الأستاذ الشيخ: كانت الإدارات تتابع وترصد أوجه القصور في الخدمة المدنية رغم شح الإمكانات والوسائل، وأبان أن هناك اهتمام بالغ بأمر الزراعة على الرغم من أن وسيلة الري كانت عبر الساقية إلا أنها في المشاريع الكبيرة كانت بالطلمبات، وقال إن مفتش الزراعة يراقب كل المشاريع، ويطوف عليها على ظهر جمل، وله سلطات واسعة في أن يفرض غرامات على كل من يهمل زراعته، ويترك عليها الأعشاب دون تنظيفها، كما أنه يوقع غرامات على أصحاب الماشية التي تتعدّى على المراعي وأضاف: إن المدارس الثانوية بالمديرية الشمالية كانت تتمثل في مدرستي دنقلا وعطبرة الحكومية.

يشار إلى أن نظام الولايات قسّم الإقليم الشمالي في بداية التسعينات إلى ولايتي نهر النيل والشمالية، وبأي 7 محليات يرأسها معتمدون بكامل أجهزتهم التشريعية والتنفيذية والقضائية والأمنية.

بعيداً عن الجهوية والقبلية

ولا بد هنا أن نتوقف أمام حقيقة مهمة وهي أن الإنجليز عندما ابتدعوا نظام المديريات التسع بما فيها الجنوب كانوا يدركون أن السودان لم يكن دولة بالمعنى العلمي للدول بل هو مجموعة دويلات متنافرة ذات جذور تاريخية مستقلة فابتدعوا هذا النظام الذي وحّد السودان كدولة إدارياً وليس بالمعنى العلمي للدولة، لهذا كانت كل مديرية تتمتع بذاتها واستقلاليتها الإدارية احتراماً لكينونتها دون أن تحس أي مديرية بالغبن تجاه أي مديرية أخرى لهذا فإن كل مديرية كانت تحس بأنها موازية ومساوية للمديريات الأخرى، وإذا كانت لهذه المديريات علاقة بالمركز فهي علاقة مع أجنبي يتمثل في الحاكم العام ، والمأمور الإنجليزي، وتتساوى في ذلك المديريات التسع وهنا يشير الباحث في مجال التاريخ ووزير الثقافة والإعلام بولاية شمال كردفان خالد الشيخ إلى أن كردفان تمرحلت منذ السودنة في التقسيم الإداري بين المديرية إلى الإقليم، فالولايات وكانت تشمل بحري كردفان وتعني شمال كردفان وعاصمتها بارا، وشرق كردفان وتشمل الرهد وأم روابة وأم دم حاج أحمد وشركيلا، ثمّ جنوب كردفان وتشمل كادوقلي والدلنج والجبال الشرقية وغرب كردفان في النهود إلى جانب وسط كردفان والتي تشمل العاصمة الأبيّض، وكان أوّل محافظ لها مكاوي سليمان أكرت، ويضيف خالد أن إدارة كردفان ورغم مساحتها الشاسعة كانت محصورة في شخص واحد يعاونه فقط مساعدين في الإدارات المختصة وسط اهتمام ومتابعة لصيقة للأداء، وقال إن العمليات الحسابية والمالية كانت تتم بصورة منضبطة، ولم يكن هناك مجال أو ثغرات لإحداث تجاوزات، وأبان أن البوليس كان يطوف على الأحياء بواسطة السواري، ولم تكن هناك غير عربة المحافظ والتي هي عبارة عن كومر، وأشار خالد إلى أن مدرسة خورطقت كانت الوحيدة في المنطقة، بل إنها من أوائل المدارس الثانوية على مستوى السودان وظلّت طوال السنوات التي أعقبت الاستقلال تخرج كثيراً من الطلاب والذين لعبوا ادواراً متعاظمة في المجالات كافة، وأشار خالد إلى شح وسائل النقل والتي حصرها في السكة حديد وبعض السيارات، والتي قال إنها محدودة. ويجدر ذكره أن التقسيم الإداري الأخير قاد مديرية كردفان إلى إقليم كردفان ليتفكّك في عهد الإنقاذ إلى ثلاث ولايات هي شمال وغرب وجنوب تتبع ذلك 14 محليّة بغرب كردفان شمال كردفان 8 وجنوب

كردفان وصلت إلى 15 محلية.

مديرية دارفور بكل مساحتها الممتدة والتي احتفظت حتى الاستقلال وكان أول مدير لها هو أحمد مكى عبدو يعاونه عدد من المساعدين وهم يقطعون المسافات الطويلة وصولاً للقرى والفرقان عبر الجمال والحصين يتفقدون أحوال المواطنين وذات الوسائل التي كانت تعمد عليها بقية المديريات تتوافر بدافور مع ملاحظة عدم وجود مدرسة ثانوية بالمديرية إلا في العام الثالث بعد الاستقلال حيث أنشئت مدرسة الفاشر الثانوية وتشمل مديرية دارفور 5 مراكز هي الفاشر نيالا الجنينة زالنجي كتم من ضباط المراكز عثمان أبو كشوة وقاد التقيسم الإداري الحديث دارفور إلى ثلاث ولايات قبل أن تنضم إليها وسط وشرق دارفور في أعقاب اتفاقية الدوحة مؤخراً، وانتظمت الولايات الخمس جملة من مشاريع التنمية أهمها طريق الإنقاذ الغربي.

أمّا مديرية كسلا فكانت تضم بورتسودان وكسلا والقضارف والفاو وخشم القربة ولم تكن هناك مشلكة تواجه إدارة المديرية رغم مساحتها الشاسعة وتباعد مناطقها على أن الموارد التي تذخر بها أسهمت كثيراً في استقرارها على عكس كثير من المديريات في ذلك الوقت حتى لحق بها التقسيم الإداري الحديث وقادها إلى ثلاث ولايات، وأكثر من ثلاثين محلية.

ولعلّ مديرية النيل الأزرق والتي كانت تشمل سنار والنيل الأزرق والنيل الأبيض تعد الأفضل بين مديريات السودان، بل إنها كانت قبلة لكثير من مواطني المديريات الأخرى لما تحظى به من تنمية وكونها تضم مشروع الجزيرة الذي وفر فرصاً واسعة للعمالة إلى جانب توفر الخدمات، بل إنها ظلت تشكل قلب السودان النابض قبل أن يتعرض مشروع الجزيرة إلى ما وصل إليه الآن مع تدهور كبير طال البنيات الأساسية له، وقادها كذلك التقسيم الحديث إلى الإقليم الأوسط قبل أن تتجزأ إلى ولايات النيل الأبيض والجزيرة وسنار والنيل الأزرق.

موارد مهدرة

نخلص ونقول إن تجربة الحكم الفدرالي في البلاد مرّت بعدد من المراحل ،لعل أبرزها ما تمّ في بداية هذه الألفية التي شهدت قرار إلغاء المحافظات وضمّ المحليات لبعضها البعض ،وتقليص عددها من 674 إلى 134 محلية ثم ارتفعت إلى 176، ثم إلي 189 في الوقت الحالي ،وكان لهذا القرار مردوداً إيجابياً من الناحية المالية ،من حيث تكلفة الهياكل التي قلصت، ومن الناحية الإدارية، حيث قوي مركز المسؤول التنفيذي الأول ،وهو المعتمد الذي صار دستورياً ،والمسؤول عن الجهاز التنفيذى للمحلية هو عضو مراقب بمجلس حكومة الولاية ،بالإضافة إلى بعض صلاحياته التشريعية ،ولكن التجربة لم تخل من النقد حيث ظل يؤكد الكثيرون حاجتها إلى المراجعة من واقع أنّ هذه المحليّات لم تنشأ وفق معايير موضوعية مدروسة ،بل كان إنشاؤها فى معظم الأحيان مرتبط بحاجة سياسية أو أمنية ،تطورت في بعض جوانبها إلى مطالب قبلية ،حتى أن بعض المحليات ببعض الولايات قامت على اعتبارات قبلية صرفة لا علاقة لها بالجانب الإداري ،لافتقارها للموارد أولاً واعتمادها كلياً على تحويلات الولاية والدعم المركزي ،مما أفقر خزائن الولايات ،حيث يذهب جل الدعم المقدم لهذه المحليات الضعيفة لمقابلة منصرفات إدارية وما يوجه منه للمواطن في مشروعات تنموية وخدمية جد قليل بحيث لا يشعر به المواطن في معاشه وحياته،بالإضافة إلى أن تكاثر هذه الهياكل أدّى إلى ارتفاع تكلفة تسييرها الإدارية ،وهو الأمر الذي أربك أداءها المالي ،خاصة على مستوى الولايات والمحليات ،

وتشير دراسة قدمت خلال مؤتمر الحكم اللامركزي منتصف ديسمبر الحالي إلى أن المحليّات لم تسطع الإيفاء بالتزاماتهما تجاه الخدمات والتنمية وتسيير حركتهما الإدارية فى وقت واحد، فنشأت مشكلة الفصل الأول (الأجور والمرتبات)، وتدنى الأداء في قطاع التنمية ،فأفضى لالتزامات مالية إضافية تجاه الولايات والمحليات تقع على كاهل الحكومة الاتحادية

بين الماضي والحاضر

الآن وصل عدد الولايات إلى ثمانية عشر ولاية في أنحاء البلاد ، وبلغ ﻋﺪﺩ ﺍﻟﻮﺯﺭاء ﺍﻟﻮﻻﺋﻴﻴﻦ "157" وزيراً ،بالإﺿﺎﻓﺔ ﺇﻟﻰ ‏"189" ﻣﻌﺘﻤﺪﺍً ﺑﻤﺨﺘﻠﻒ ﺍﻟﻤﺤﻠﻴﺎﺕ ﻭ"62" ﻣﻌﺘﻤﺪﺍً ﻟﻠﺮﺋﺎﺳﺔ ،ﻭعدد ﻧﻮﺍﺏ ﺍﻟﻤﺠﺎﻟﺲ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﻴﺔ ﺑﺎﻟﻮﻻﻳﺎﺕ‏ مجتمعين "923" ﻧﺎﺋﺒﺎً ،ﺑﻴﻨﻬﻢ ‏"272" ﺇﻣﺮﺍﺓ ﻭ"34" ﺇﻣﺮأﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻮﺍﻗﻊ ﺍﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻳﺔ ،بالإضافة إلى أكثر من مليون طفل يدرسون بمرحلة التعليم قبل المدرسي في "21" ألف روضة ونسب الاستيعاب في التعليم العام بلغت "37.5%" بالنسبة للتعليم قبل المدرسي و "67.6%" لمرحلة الأساس و"39%" بالمرحلة الثانوية ،وعلى الرغم من ارتفاع عدد الأطباء الاختصاصيين بالولايات لأكثر من "2.075" اختصاصي وأكثر "4" ألف طبيب عمومي و"18" ألف قابلة و"17.250" ممرضاً ،إلا أن أغلب الخدمات العلاجية متمركزة بالخرطوم ،وتؤكد هذه المعطيات أن العديد من المحاور في حاجة ماسة لمراجعة نوعية الخدمة المقدمة بالولايات.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 8 = أدخل الكود