"حيكومات تجي وحيكومات تغادر" الوزارات الخدمية بعد الاستقلال.. خطوات تنظيم

عرض المادة
"حيكومات تجي وحيكومات تغادر" الوزارات الخدمية بعد الاستقلال.. خطوات تنظيم
تاريخ الخبر 01-01-2017 | عدد الزوار 117

وزير واحد لكل الوزارات الخدمية قبل ستة عقود.. والخدمات مناسبة

تطور في قطاع الكهرباء والنقل البري وتدهور في السكة الحديد

توسع في التعليم وتراجع في محتوى المناهج والمُحصِّلة المعرفية

الخرطوم: تيسير الريح

قطعاً لن يسنى السودانيون ما جرى في صباح اليوم الأول من شهر يناير عام 1956م، قطعاً لن يسقط عن الذاكرة الجمعية للشعب السوداني، ذلك أنه لم يكن يوماً عادياً، فقد كان موعداً للانعتاق من ربقة المستعمر البغيض. وتم فيه رفع علم استقلال السودان بعد انتخاب أعضاء مجلس السيادة، وبعد إعلان اعتراف الحكومتين المصرية والبريطانية باستقلال السودان، الذي تم بواسطة المستر (سلوين لويد) وزير الخارجية البريطانية.

ساعات مفصلية

يومها سار جميع الوزراء والنواب والشيوخ في موكب ضخم إلى سراي الحاكم العام الذي أصبح منذ اليوم الأول من يناير عام 1956م يُسمى بالقصر الجمهوري، وكانت الشوارع مكتظة بالجماهير كهولاً وشيوخاً وشباناً ونساءً وفتيات وأطفالاً، جاءوا كلهم يهتفون عاش السودان حراً مستقلاً، وجلس أعضاء مجلس السيادة والوزراء والنواب وكان السيد عبد الرحمن المهدي والسيد علي الميرغني يجلسان في الصف الأول، وتلا الشيخ حسين عبد العزيز لأول مرة آياتٍ من الذكر الحكيم، وبدأ بقوله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، (الآية 55 سورة النور)، ووقف الجميع وعزف السلام الجمهوري السوداني، وطويت الأعلام، وكان السيد إسماعيل الأزهري رئيس مجلس الورزاء ومحمد أحمد المحجوب زعيم المعارضة يقفان بجانب سارية العلم السوداني بعد أن سلم السيد عبد الفتاح حسن العلم المصري والمستر (جرافتي سميث) العلم البريطاني وصافحهما، وألقى الزعيم إسماعيل الأزهري كلمة تاريخية وشكر الله واهب الملك والعزة، وقد مجّد الشعب الذي كافح من أجل الاستقلال.. هكذا تم الاستقلال وهكذا ارتفع علم السودان.

نظرة على الخدمات

تمحورت هموم الحكومة التي أعقبت الاستقلال في الاعتناء بالمشروعات المحورية والمفصلية، والتي تُعنى بحياة الإنسان السوداني، لذلك كان تركيزها شديداً على الوزارات المتعلقة بمعاش الناس واقتصاد البلاد مثل وزارة الري والكهرباء التي كانت تسمى حين وجود المستعمر وحتى صبيحة الاستقلال بـ(وزارة الري)، وكان على رأسها (يحيى الفضلي)، ولعل من أهم أهدافها إيجاد مياه وافرة للشرب وللري خاصة بعد إبرام الاتفاقية مع مصر لتقاسم مياه النيل والتي أدت إلى رفع حصة السودان إلى 11 مليار متر مكعب من المياه، وذلك في إطار صفقة شملت بناء السد العالي والسماح بتدفق مياه بحيرة السد إلى داخل حدود السودان وإغراق حلفا القديمة.

وما تزال المياه تجري

وبعد مُضي 61 عاماً من الاستقلال، فإن تعاوناً سودانياً تركياً في مجال المياه أسفر عن دعم تركي يفوق 5 ملايين دولار لتحسين خدمة إمداد مياه الشرب، وقد وقّعت في هذا العام وزارة الموارد المائية والري والكهرباء مع وزارة الغابات وشؤون المياه التركية اتفاقية مشتركة لتعزيز التعاون في مجال المياه.

وأكد وزير الموارد المائية معتز موسى أن بنود الاتفاقية تضمّنت حماية وتطوير الموارد المائية وتبادل المعرفة والخبرات، بجانب إجراءات البحوث المتصلة بالهندسة الهيدروليكية وتبادل المعلومات العلمية والفنية والوثائق الخاصة بأنشطة أبحاث المياه، وهذا يُعد الحدث الأهم لصالح المواطن السوداني بعد أن أمن الجانب التركي على ضرورة التعاون مع السودان في جميع المجالات، وقد أبدى الجانب التركي استعداده على منح السودان ماكينات حفر آبار مياه جوفية، كمساهمة من حكومة وشعب تركيا في برنامج زيرو عطش، وقد تكفلت دولة تركيا بحفر عدد من الآبار في الولايا ، أيضاً تكفل الجانب التركي بالقيام بتدريب فرق العمل الفنية من الحفارين المنوط بهم تشغيل وصيانة ماكينات الحفر. ويقدر الدعم الذي تقدمه تركيا بحوالي خمسة ملايين دولار ، وتشرف لجنة مشتركة من البلدين على سير التنفيذ وتطوير مجالات التعاون.

إذن فإن المياه التي جعل الله منها كل شيء حي، كانت ضمن أولويات أول حكومية وطنية، وبعد مرور ستة عقود ما تزال على رأس أجندة الحكومة الحالية. وتكمن المفارقة في أن البلاد التي تشقها أنهار وتهطل عليها أمطار تفوق معدلاتها نصيب السودان من مياه النيل، لا تزال الكثير من مناطقها تشكو العطش ولم تصلها بعد خدمة المياه.

النقل

أما قطاع النقل والمواصلات فكانت وزارة تشمل الطيران المدني، والبريد والبرق، والاتصالات اللاسلكية، والخطوط الجوية السودانية، وقد تبنّت الحكومة القائمة آنذاك خططاً تنموية شملت البنيات الأساسية مثل مد خطوط السكك الحديدية، حيث كانت تمثل السكة الحديد عصب الطرق، وقد أشار العم (مصطفى فضل) مدير متحف السكة الحديد بعطبرة، والذي عمل بها لأكثر من30 عاماً، فضلاً عن عمل والده بها كأحد إدارييها، أشار في حديثه لـ(الصيحة) إلى أن السكة الحديد كانت بمثابة الوصل بين كل أرجاء السودان بلا منازع، وهي الأقدم في مجال النقل والطرق، وقال إن إنشاءها كان في العام 1909، حيث كانت كل الأطراف تُربط بالسكة الحديد، لأن المستعمر كان يهدف منها تسهيل أمر وصوله إلى كل السودان من أقصاه إلى أقصاه، وأضاف أن الخط الحديدي كان يصل كل ولايات السودان، فهي لا غيرها، كانت تنقل الجرائد والكتب والمحاضرات وحتى المياه لمناطق جفت فيها الموارد، وأكد أن إنشاء طرق برية آنذاك كان من الصعوبة بمكان، نظراً لمساحة السودان الشاسعة، إذ ما زالت طرق وآثار السكة الحديد تحتفظ بعراقتها، وكأنها تقول لمن يمر عليها، (أنا كنت العمود الفقري لكل السودان)، حيث كان يسمى السودان حين إنشائها بـ(السودان الإنجليزي)،

كل ذلك كان قبل أن تكون باسمها الحالي "هيئة السكة الحديد"، وقبل أن تعصف قرارات الفصل والتشريد بـ 2500 عامل من قاعدتها بمدينة عطبرة في عهد الإنقاذ لتشهد بذلك زلزالاً جديداً أعقب فصل كافة كيانات النقل التي كانت تتبع لها، وهي (النقل النهري، الموانئ البحرية، النقل الميكانيكي، المخازن والمهمات)، وذلك في عهد الرئيس الأسبق المشير (جعفر محمد نميري)،

وأكد العم (مصطفى فضل) أن (نميري) عمد إلى إنشاء طريق (بورتسودان ـ الخرطوم)، لأنه كان له موقف عدائي من عمال السكة الحديد، وذلك بعد أن كان العمال آنذاك يقومون باحتجاجات حيال متطلباتهم من الدولة، فسعى بذلك إلى كسر شوكتهم، وأضاف أنه بذلك شكل ذلك ضربة البداية لنهاية السكة الحديد بعد أن كانت عماد اقتصاد البلاد بنسبة 40%، وكان يمكن أن تلعب السكة الحديد دوراً سياسياً واقتصادياً لبلدٍ اعتاد الناس أن يسموه بسلة غذاء العالم، فهي اليد التي كانت ستكون المنقذ الأوحد لولا أنها بُترت.

خلاصة الأمر أن السودان شهد تطورًا منظوراً في الطرق التي وصلت شبكتها إلى المحطة تسعة آلاف كيلو، غير أن التراجع حدث في السكة الحديد التي كانت في أفضل حالاتها عند خروج المستعمر.

التعليم.. خطوات إلى الأمام

إن تطور التعليم في البلاد بدأ باكراً وازدهر في فترة الاستقلال وما بعدها، إلى أن بلغ المرحلة الحالية المعروفة سياسياً وإعلاميا بثورة التعليم العالي، وهي مع اهتمامها بالكم، إلا أنها أغفلت الاهتمام بالكيف، حيث انتشرت الجامعات بصورة كثيقة، حتى أضحى لكل ولاية جامعة تقريباً.

وبالعودة إلى مرحلة الانعتاق من ربقة المستعمر نجد أن وزارة التربية والتعليم عُرفت آنذاك بـ(وزارة المعارف)، قبل يتم تغيير اسمها إلى وزارة التربية والتعليم في العام 1963.

وبالمقابل كانت هناك منابع أخرى للتعليم تمثلت في الخلاوى التي لعبت دوراً مقدراً في محو الأمية بالإضافة لدورها الرسالي العظيم الذي تقوم به في تحفيظ القرآن الكريم.

وكانت المدارس الوسطى قليلة والمدارس الثانوية أقل، ولكن لعب التعليم الأهلي دوراً مقدراً في استيعاب عدد كبير من التلاميذ. أما التعليم العالي والجامعي فقد انحصر - لضيق الفرص – على عدد ليس كبير من طالبيه.

ذكرى وتذكار

على مستوى التعليم الجامعي، نجد أكبر صرح تعليمي خلفه المستعمر هو جامعة الخرطوم، والتي كانت تعرف بـ(كلية غردون التذكارية) والتي خرجت الكثير من الكوادر. وعلى مستوى المناهج نجد أن النظام السائد كان يبدأ بالسلم التعليمي الأولي والذي يقابل الآن مرحلة الأساس، وكان يسمى بـ(المرحلة الأولية)، والتي تنتهي برابعة أولية، وقد قسمت الدراسة إلى مراحل ثلاث، مدتها 4 سنوات دراسية لكل مرحلة، وهي كالآتي، المرحلة الأولية، والمرحلة الوسطى، والمرحلة الثانوية، وهنا تشير الأستاذة (عائشة عيسى) المعلمة بمرحلة الأساس، وهي من الذين نالوا حظاً وافراً من التعليم بالمدارس الأولية، إلى أن المناهج كانت موغلة في الدقّة وتعود بالفائدة الحقيقية للطلاب، وأن المرحلة الأولية وحدها كانت تعادل المستوى الجامعي ذهنياً للطالب حينها، فكانت تلك المرحلة تُستقى من بعض المناهج البريطانية، والتي يُعرف عنها ترسيخ المفاهيم وبناء العقول الواعية، وأبانت أن معظم الأعلام الذين علا شأنهم وأضحوا عقولاً كمصادر معرفية، هم التي حُظوا بالدراسة في تلك الفترة التي وصفتها بـ(السمحة)، لاعتبارات أن المنهج كان يكفل التوعية في كل جانب من جوانب الحياة.

وفي ذات السياق أكدت الأستاذة عائشة أن المناهج الحالية باتت على تطورها لا تُعنى ببناء العقل، لذا لم تنجب الأجيال الحالية مفكرين كما حدث مع الجيل القديم، وتقول إن السلم التعليمي الحالي جعل الأجيال تركن بشكل أساسي إلى الميديا في استقاء ثقافتها، فضلاً عن جمود المناهج لديهم، فهم يرونها - أي المناهج - غير مجدية والدليل أنهم يقرأون فقط وإن دققت لهم الأسئلة لا يعلمون معنى ما يقومون بقراءته.

1 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 1 = أدخل الكود
روابط ذات صلة