الكيد السياسي لم يبارح المسرح منذ الاستقلال الأحزاب السودانية.. جرثومة الاستقطاب تضرب "النخب"

عرض المادة
الكيد السياسي لم يبارح المسرح منذ الاستقلال الأحزاب السودانية.. جرثومة الاستقطاب تضرب "النخب"
تاريخ الخبر 01-01-2017 | عدد الزوار 115

الخرطوم: عبد الرؤوف طه

تعقيدات كثيرة طرأت – ولا تزال – على المشهد السياسي في السودان منذ الاستقلال وحتى يوم الناس هذا، أبرزها نشوء حالة الاستقطاب والاستقطاب المضاد التي ظلت حاضرة في المسرح السوداني، ولم تغب منه في أي حقبة. فقد كانت الأحزاب السياسية حينذاك كانت تعاني جرثومة الاصطفاف ما بين مؤيد لنيل الاستقلال، وبين داعم للوحدة مع مصر، وهو الصراع الذي تمظهر في خلاف الحزبين الكبيرين الأمة والاتحادي الديمقراطي اللذين كانا يمثلان رأس رمح المواجهة في معركة الاصطفاف التي ظلت متواصلة في فترة ما بعد الاستقلال.

الثابت أن حكومة إسماعيل الأزهري واجهت ثلاثة تحديات رئيسية تمثلت في مسألة الدستور، ومشكلة الجنوب والتنمية في بلاد كانت ترزح تحت وطأة الاستعمار لأكثر من 50 عاماً، وهي ذات التفاصيل التي يعج بها المشهد السياسي بعد مرور 61 عاماً على خروج المستعمر، فما أشبه الليلة بالبارحة.

مشاكل مستعصية

عطفاً على المشكلات أعلاه، فإن الحكومة التي تلت الاستقلال فشلت في تحقيق حلول ناجعة للقضايا المذكورة بدليل وصول مجنزرات العسكر لكابينة الحكم في السودان بعد عامين من الاستقلال، وهو ما عرف بانقلاب الفريق إبراهيم عبود في نوفمبر 1958م. وبالنسبة لقضية الدستور، فقد ظل السودان يعمل بالدستور الإنجليزي المعدّل لفترة ما بعد الاستقلال، بينما ظلت مشكلة الجنوب تمثل معضلة كبرى لحكومة ما بعد الاستقلال، بل لكل الحكومات الوطنية، ولعبت القضية دوراً محورياً في الإطاحة بحكومة عبود عبر الانتفاضة الشعبية، بينما كان محور التنمية غائباً تماماً عن المشهد بسبب صراع الزعامات السياسية حول كرسي السلطة خاصة بين الاتحاديين وحزب الأمة.

الوضع السياسي في السابق

بالإضافة للقضايا التي تهم الدولة وقتذاك، ثمة عدة قضايا سياسية كانت حاضرة في تضاريس المشهد السياسي السوداني الخارج لتوه من براثن الاستعمار، فكانت الصراعات الآيدلوحية ما بين اليسار واليمين في أوجها.. وكانت الحركة الاتحادية في ذلك الوقت يلمع نجمها بفضل إسماعيل الأزهري أول رئيس وزراء لحكومة ما بعد الاستقلال، وكان يحظى برعاية ودعم طائفة الختمية ومرشدها علي الميرغني، لكن هذا التوادد تخلله الكثير من التنافر وصل ذروته بعد مضي ستة شهور من الاستقلال، وأدى بدوره إلى صعود نجم الحزب الوطني الاتحادي.

في ضفة المعارضة، كان حزب الأمة بقيادة عبد الله بك خليل ورعاية ودعم عبد الرحمن المهدي إمام طائفة الأنصار يعارض حكومة ما بعد الاستقلال بشدة، وبعد الخلافات التي ضربت الحزب الاتحادي أتيحت الفرصة لعبد الله بك خليل للجلوس على مقعد رئيس الوزراء الذي ظل به حتى وصول الفريق عبود إلى الحكم في 17 نوفمبر 1958م.

وبالعودة لخلافات الحزبين، نجد أن محاورها الأساسية كانت قبل استقلال السودان، حيث أن شعار السودان للسودانيين الذي رفعه أنصار حزب الأمة كان يمثل قضية خلافية كبرى مع الاتحادي الذي كان ينادي بالاتحاد مع مصر. والمهم في الأمر أن تلك الخلافات بين أكبر الأحزاب السياسية في السودان ساهمت في تأخير عجلة التنمية ما بعد الاستقلال.

نظام الحكم

الناظر إلى المشهد السياسي في حقبة ما بعد الاستقلال سيجد أن الأحزاب السودانية فشلت في الحفاظ على روح الوفاق التي أفرزت الاستقلال وصنعت الانعتاق من ربقة المستعمر، قبل أن تفشل كلياً في التواثق على صيغة توافقية حول نظام الحكم والدستور والتعامل مع مشكلة الجنوب التي كانت حاضرة في المشهد السياسي خاصة وأن الجنوب كان تحت قانون المناطق المقفولة، ومعلوم أن قضية الجنوب لعبت دوراً مهماً في الإطاحة بحكومة عبود.

ـ حكومة الأزهري

تزعم إسماعيل الأزهري أول حكومة وطنية بعد الاستقلال باعتبار أن حزبه الاتحادي الديمقراطي حقق أكبر الأصوات في الانتخابات، ولكن واجهت الحكومة عدة مشاكل خاصة داخل حزب الحكومة نفسه الذي تعرض لانشقاق بعد مضي ستة أشهر على استلامه للسلطة، فخرج إسماعيل الأزهري وكوّن الوطني الاتحادي بعد خلافه مع علي الميرغني، وهو ما جعل حزب المعارضة (الأمة) يتولى نظام الحكم، فجاء بعبد الله بك خليل رئيساً للوزراء.

مشكلات عديدة

الوضع الاقتصادي ما بعد الاستقلال يعتمد بشكل مباشر على الزراعة خاصة في مشروع الجزيرة الذي ظل داعماً أوحد لخزينة الدولة السودانية الحديثة مع مساهمات طفيفة من الصمغ العربي وبعض المنح والهبات الخارجية، فكانت صادرات القطن تدر عوائد مادية ضخمة لخزينة الدولة، في المقابل كان الاقتصاد التقليدي من أبرز مظاهر الحياة مثل التجارة والزراعة التقليدية في عدد من أقاليم السودان مثل سنار والنيل الأزرق وكردفان، بالرغم من ذلك لم يكن الوضع الاقتصادي في أفضل حالاته، وكان الاقتصاد يعاني من هشاشة واضحه في ذاك الوقت.

ـ ما أشبه الليلة بالبارحة

بإجراء مقارنة سريعة عن الأوضاع في السودان ما بين 1956م والعام 2016م، نجد أن ثمة متشابهات كبيرة لم تتغير وما زالت حاضرة باستثناء قليل من القضايا منها قضية الجنوب التي انتهت بالانفصال .

المعضلة المعجزة

لم يعرف السودانيون دستوراً دائماً يتحاكمون إليه منذ استقلال السودان وحتى العام 2016م، فقد ظلت الدساستير الانتقالية ديدن كل الحكومت الوطنية التي مرت على السودان، بدليل أن السودان ما زال يحكم بما يعرف اصطلاحاً بدستور 2005م الانتقالي، وهو الدستور الذي تم التوافق عليه بعد اتفاقية نيفاشا وما زال يُعمل به حتى الآن رغم انفصال الجنوب، ومعلوم أن مخرجات الحوار أوصت مؤخراً بوضع دستور دائم للسودان، وذلك بعد 61 عاماً من الاستقلال، وبالتالي تظل مشكلة الدستور السوداني المعضلة التي لم تجد حل جذرياً منذ الاستقلال وحتى اليوم.

مقاربات

المشهد السياسي الحالي لا يختلف كثيراً عن المشهد السياسي في العام 1956م، فالصراعات لا تزال باقية والاصطفاف بين المعارضة ظل عنواناً بارزاً والانشقاقات هي العامل الأوحد في الطبيعة السياسية للأحزاب. ففي أول عام للاستقلال انشق الحزب الاتحادي وتم تكوين الحزب الوطني الاتحادي.

وفي الوقت الحالي يعاني حزب الاستقلال (الاتحادي) من بكتيريا الانشقاقات التي كادت أن تقضي على الحزب الذي توزع إلى أشلاء من الأحزب السياسية بعد أن بلغ خمسة أحزاب أو أكثر تحمل ذات الاسم وذات العنوان.

وبالمقابل مازالت طائفة الختمية التي كانت حاضرة في المشهد السياسي ما بعد الاستقلال مباشرة موجودة في المشهد السياسي الراهن.

وعلى صعيد حزب الأمة القومي الذي كان أكثر تماسكاً ما بعد الاستقلال، بات اليوم يشكو الصراعات لدرجة الإدمان، فانقسم إلى عدة جماعات سياسية تحمل ذات العنوان، بينما يتمسك الإمام الصادق المهدي بلافتة حزب الأمة القومي.

ومن المفارقات أن تكون مصر ملاذاً آمناً للصادق المهدي في الوقت الحالي مع أن أجداده كانوا يرفضون التقارب مع مصر.

الثابت أن الاستقلال ارتبط ارتباطاً وثيقاً بحزب الأمة والحزب الاتحادي، بينما اختلف المؤرخون حول دور الجبهة المعادية للاستعمار التي تناسل منها الحزب الشيوعي. وهو الأمر ذاته مع "الإخوان المسلمون".

فوارق واضحة

ثمة اختلاف كبير في الوضع الاقتصادي ما بين العهدين، في العام 1956م كانت الحكومة تعتمد على الزراعة فقط، بينما في العهد الحكومي الحالي تراجعت الزراعة إلى أبعد المستويات وصارت نسياً منسياً وباتت الحكومة تعتمد على صادرات الذهب وقليل من صادرات البترول.

أيضاً كانت الحكومة الوطنية التي تلت الاستقلال تعاني في جوانب التنمية وهو نفس الأمر الذي ينطبق على الحكومة الحالية التي تعاني من التدهور الاقتصادي في الجوانب التنموية.

غياب عامل مهم

ظلت حكومة ما بعد الاستقلال التي تزعمها الأزهري لستة شهور ثم خلفه عبد الله خليل تولي اهتماماً خاصاً بقضية الجنوب التي كانت من أكبر الإشكاليات التي تواجه الحكومة الوليدة، وفشلت الحكومة في إيجاد معالجة لها.

وبعد أكثر من خمسين عاماً من الاستقلال، استطاع الجنوبيون أن يقرروا مصيرهم وأن يؤسسوا دولة خاصة بهم، ولكن لا تزال القضية ترمي بظلال سالبة على السودان رغم الانفصال، فلم تسكت أصوات الرصاص في العهد الحالي خاصة في الولايات المتاخمة للجنوب مثل جنوب كردفان والنيل الأزرق.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 7 = أدخل الكود