أعدادهم تمضي في ارتفاع المسنون ومجهولو الأبوين بكسلا.. شرخ في جدار المجتمع

عرض المادة
أعدادهم تمضي في ارتفاع المسنون ومجهولو الأبوين بكسلا.. شرخ في جدار المجتمع
تاريخ الخبر 31-12-2016 | عدد الزوار 301

كسلا: صديق رمضان ــ سيف الدين هارون

مشرفة: مجتمع كسلا يتفهم ظاهرة الأطفال فاقدي السند.. والتبني أمر شائع في المدينة

محلية كسلا: الشرطة تشترك في إجراءات تبني الأطفال فاقدي السند

الجلوس إلى العجزة والمسنين بدارهم في مدينة كسلا والإصغاء إلى تفاصيل قصصهم الموغلة في الألم والجالبة للحزن والأسى، ليس بالأمر السهل، أما مداعبة الأطفال مجهولي الأبوين بعنبر خصص لهم بمستشفى المدينة السياحية، فيبدو فعلاً أشد وجعاً من مجالسة كبار السن، وما بين صغار دون سند في هذه الحياة، وكبار يقضون ما تبقى لهم من حياة في عزلة، تتمدد مساحات من الاستفهمات والأسئلة ملخصها "ماذا أصاب مجتمع كسلا"؟.

في مواجهة الحقيقة

بين مكذب ومصدق، توجهنا صوب دار العجزة والمسنين التي تقع غرب سوق كسلا وشمال دار المؤتمر الوطني وأمانة حكومة الولاية، لا أعرف هل هي مصادفة أن تجاور الدار مبنى الحزب الحاكم ومقر الحكومة أم إن الأقدار أرادت الإشارة إلى أن من يقطنون دار كبار السن ضحايا لسياسات من يديرون أمر الولاية من المبنيين الفخمين.

تجاوزنا نظرية الاحتمالات هذه، ودلفنا مباشرة إلى الدار التي يوجد أمامها فناء شاسع المساحة تتوزع الأشجار الظليلة على جنباته وهو ملمح كسلاوي يميز الولاية الخضراء. وهناك وجدنا لافتة حديثة تشير إلى أن ما وراءها هم من قذفت بهم تقلبات الدهر ليكونوا أسرى غرف يسترجعون داخلها، شريط طويل من الذكريات لأيام خلت كانوا خلالها يتمتعون بالصحة والعافية وعنفوان الشباب، ولم يضعوا وقتها في حساباتهم أن خاتمة مطافهم الانزواء بعيدًا في دار خصصت لمن هم في حالتهم، وكما توقعنا فحينما تجولنا داخل الدار التي تبدو في شكلها العام أقرب إلى المنزل الكبير، وجدنا كل مسن يجلس وحيدًا في سريره يسامر نفسه.

حينما زرناهم، فإن عددهم لم يكن كبيراً ولم يتجاوزوا العشرة، غير أن أحدهم كشف عن حقيقة مؤلمة حينما أشار إلى أن انخفاض العدد يعود إلى مغادرة من كانوا يقاسمونه وجع الحرمان وألم الجحود الحياة بعامل الوفاة في ظروف طبيعية بداعي المرض، ويقولون لك وأنت تتحدث معهم أن المرحوم فلان كان يجلس في هذا السرير، والفقيد الفلاني كان يتخذ هذه الغرفة مقراً له طوال سنوات مضت قبل أن يلوح بإشارة الوداع ويفارق الحياة.

ونحن هناك، تيقنا من أن الطاقم الذي يعمل في الدار يبذل مجهودات مقدرة، وهذه شهادتنا وشهادة من التقيناهم، رغم أن الشكل العام للغرف لم يعجبنا لافتقارها الى الطلاء والتكييف وغيرها، إلا أن النظافة تبدو جيدة.

غدر الزمن

العم "عثمان ع - ص"، يوحي شكله بأنه كان ميسور الحال. تحدث إلينا والابتسامة لم تفارق محياه، ولم نستطع فهمها هل هي ابتسامة رضا من الواقع الذي آل إليه أم ابتسامة في "وش الزمان الشين"، جاء إلى السودان قادماً من ارتريا قبل خروج المستعمر، واستقر به المقام في عروس الشرق كسلا، التي يقول إنها في ذلك الوقت كانت عبارة عن أحياء محدودة تعد على أصابع اليد الواحدة وأن كل منازلها كانت مشيدة من الجالوص، وحينما سألناه عن ذلك الزمن، تغيرت ملامح وجهه وزادت ابتسامته مؤكداً أنه كان زمناً جميلاً، عمل عثمان في سوق المدينة الناشئ وقتها مع أحد كبار تجارها، وذلك لعلاقة طيبة بينهما طوال عقود ـ كما يشير ـ يقول إنه وبعد أن تقدم في السن جاء إلى الدار ليتخذها مستقراً، حيث ظل موجوداً فيها منذ ثماني سنوات، ينفي اقترانه بزوجة،ي قول إنه لم يعد يرى جيداً بعد أن أجريت له عملية جراحية في عينيه، لم ينس أن يشيد بإدارة الدار التي أكد توفيرها كل ما يحتاجونه من رعاية صحية وغذائية.

الرضا بالمقسوم

أما السبعيني (محمد ــ م) الذي تنحدر أصوله من منطقة كركون بكسلا، فقد ظل مقيماً في الدار منذ خمس سنوات، ويقول إنه بعد أن تقدم في السن اختار العمل في دار المسنين التي توفر له المأوى والمأكل، وبعد أن فقد نظره تقاعد عن العمل، غير أنه ظل وفياً للدار ولم يفكر في العودة إلى مسقط رأسه، بل اختار الاستقرار فيها، ويفسر هذا قائلاً: الأجواء هنا جيدة والتعامل طيب، لذا فضلت البقاء، يقضي محمد موسى يومه كما أشار في الصلاة والنوم، ويقول مازحاً "برنامج ما في".

جفا "الجنا"

لا يستطيع العقل أن يستوعب بقاء من له عدد من البنين في دار العجزة والمسنين، وكنت أعتقد أن هذه الحقيقة غير موجودة في السودان الذي اشتهر بالرباط الأسري المتماسك، غير أن السبعيني "بابكر - س" فقد بدد الثوابت حينما أشار بحسرة، وهو يتحدث لنا عن أن له ثلاثة من الأبناء، ولد وبنتان، وقال الرجل الذي ظل ملازماً المسجد الكبير بكسلا لسنوات متخذاً منه مستقراً وموطناً أن ابنه الكبير غادر إلى ارتريا وله ابنة في إيطاليا وأخرى بكسلا ، ولم يتوقف كثيراً في محطة الحديث عن أبنائه أو فلنقل لم نشأ أن ننكأ جراحه، مشيراً إلى أنه عمل في الخرطوم فترة طويلة من الزمان إلى أن استقر به المقام قبل 36 عاماً بمدينة كسلا، وشكا من ألم ظل ملازماً له منذ ثمانية أشهر وقال إنه يريد مقابلة الطبيب.

نصف قرن من الكفاح

أما "محمود - أ" الذي تنحدر أصوله من الجارة إرتريا فقد أكد أنه ظل في السودان منذ خمسين عاماً، عمل خلالها في مهن مختلفة، ويتحسر السبعيني محمود الذي تقطعت به السبل على عدم زواجه، ويرى أنه إذا كان له أولاد لما انتهى به المطاف في دار العجزة والمسنين، غير أنه ورغم مسحة الحزن التي سيطرت على وجهه يؤكد رضاه التام بقضاء الله، ويقول إنه سعيد بالوجود في الدار ولا يشكو مرضاً، وأن العاملين بالدار يحرصون على خدمتهم وتوفير احتياجاتهم.

قلب الوالد

أحد المسنين جلسنا إليه وتجاذبنا معه أطراف الحديث ، وبدا لنا أنه حزين وتجسد هذا الأمر بوضوح في لهجته وحكى أنه ظل في الدار منذ ثلاث سنوات، وأنه لا يشعر بغربة ولا يواجه معاناة رغم افتقاده أصدقاءه بأحد أحياء كسلا، وقال إن الحنين يسوقه إلى أيام مضت كان خلالها مشهوراً بالكرم والشهامة، وحينما سألناه عن أبنائه، أكد عدم اقترانه بامرأة، قاسمناه الأحزان، إلا أن المفاجأة التي أسر بها لنا أحد الموجودين في الدار ألجمتنا وأصابتنا بالدهشة، فقد قال محدثنا أن الرجل الذي تحدثنا إليه متزوج وله عدد من الأبناء غير أنه لم يرد الإشارة اليهم والتقليل منهم، وقال "قلب الوالد" هو الذي يسيطر عليه ولا يريد أن يصيب رشاش غضبه أبناءه لذا أنكر أن يكون له أبناء.

فاقدو السند

تلك كانت زيارتنا إلى دار العجزة والمسنين التي تخضع لرعاية جيدة من وزارة الشؤون الاجتماعية، ودعم متصل ووافر من الخيرين بكسلا، توجهنا بعد ذلك صوب مستشفى كسلا التعليمي، وفي عنبر كان مخصصاً للمرضى يجلس طفلان يقطعان نياط القلب، أحدهما كان نائماً والبراءة سحابة ارتسمت على وجهه الوضاء، وأخر تحمله مشرفة بأمومة تفيض حنية، وهي تعمل جاهدة علة إسكات صرخاته، علماً بأن العنبر المخصص للأطفال مجهولي الأبوين يجاور عنبر المرضى النفسيين، تعجبنا من هذه المفارقة التي لم نجد لها تفسيراً بخلاف عدم اهتمام الجهات المسؤولة بحكومة الولاية عن هؤلاء الصغار الذين يفترض أن تخصص لهم دارًا منفصلة تراعي خصوصيتهم وليس وضعهم في عنبر.

سألنا المشرفة على دار الأطفال مجهولي الأبوين، عائشة علي محمد، عن أحوالهم وكيفية التعامل معهم، فأشارت إلى أن مجتمع كسلا متفهم لهذه الظاهرة ويهتم كثيراً بالأطفال الأبرياء، وكشفت عن أن التبني أمر شائع في المدينة، وأن هذا انعكس على الدار التي لا يمكث فيها الصغار كثيراً، وأضافت: بعد تكملة إرجاءات التبني يتم تسليم الطفل إلى الأسرة بجانب خطاب إلى السجل المدني لاستخراج رقم وطني ويرفق باسمه اسم غير موجود حتى يكون الاسم رباعياً، وكذلك اسم الوالدة، ولا يسمح بأن يتم تسجيله بأسم الأسرة التي تبنته، كاشفة عن تبني خمسين طفلاً مجهول الأبوين خلال هذا العام من قبل أسر بكسلا ، لافتة إلى تسجيلهم زيارة كل ثلاثة أشهر إلى هذه الأسر للوقوف على أحوال الصغار.

رعاية واهتمام

وحتى تكتمل الصورة توجهنا صوب مكتب رئيس قسم الرعاية الاجتماعية والإرشاد بمحلية كسلا، محمد الحافظ، الذي تتبع لإدارة شؤون العجزة والمسنين والأطفال مجهولي الأبوين، وقال إن إدارته وعبر باحثين اجتماعيين مختصين تشرف على الدارين، وتوفر للمسنين والأطفال مجهولي الأبوين كافة أسباب الراحة، مبيناً عن علاقة جيدة تجمعهم بوزارة الشؤون الاجتماعية بالولاية التي أكد تقديمها دعمًا متصلاً بالإضافة إلى معتمد محلية كسلا، مبيناً أن والي كسلا يولي العجزة والأطفال فاقدي السند رعاية خاصة وظل يوجه بضرورة الاهتمام بهذه الشريحة، مشيداً بالدعم الكبير الذي يقدمه عدد من المنظمات بالإضافة إلى الخيرين، وقال إن إجراءات تبني الأطفال تمر بعدد من المراحل، وتشترك فيه جهات متعددة منها الشرطة، وحول وجود دار الأطفال مجهولي الأبوين داخل مستشفى كسلا قال عبد الحافظ إنهم يتمنون أن يتم تخصيص منزل في أحد أحياء كسلا لاحتضانهم، وقال إن هذا الملف يحوز على اهتمامهم، كاشفاً أن عدد الأطفال مجهولي الأبوين يرتفع بعد تسعة أشهر من احتفالات رأس السنة، وناشد المجتمع بالوقوف بجانب العجزة والمسنين والأطفال مجهولي الأبوين.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 3 = أدخل الكود