د. عبد الحليم المتعافي ما بين الخاص والعام (2 – 2)

عرض المادة
د. عبد الحليم المتعافي ما بين الخاص والعام (2 – 2)
تاريخ الخبر 25-12-2016 | عدد الزوار 401

الإجراءات الاقتصادية الأخيرة صحيحة لكنها ناقصة..

مصنع سكر النيل الأبيض فاشل وينتج حوالي 15% فقط من طاقته الكلية

لهذه الأسباب (...) توقَّعتُ وصول الدولار حاجز العشرين جنيهاً

لا يمكن التراجع عن السياسات الأخيرة.. ولا يوجد اقتصاد ينمو تحت ظل الدعم

لم أدمِّر مشروع الجزيرة .. وأنا جزءٌ من تعميره

بابتسامة هي جزء أصيل من تفاصيل وجهه، ولا تفارق محياه مهما ساءت الأحوال، هذا سواء كان في السلطة أو خارجها، استقبلنا د. عبد الحليم المتعافي.

استفسرناه عن سر إحجامه الإعلامي مؤخراً، وأحواله بعيداً عن السلطة، ومواقفه منها وهو خارج سوحها. وفي إجاباته بدا راضياً عن أحواله، ومما قاله لنا إنه لن يعود للسلطة بأي حال من الأحوال، مع اعتزازه الشديد بسنوات الحكم طيلة 23 عاماً.

(الصيحة) في هذه الحلقة تقلِّب سيرة ومسيرة المتعافي الاقتصادية، وتنظر معه للأزمة الحالية، وتسمع تنظيره عن المخارج الآمنة.

حوار: عبد الرؤوف طه

في تقديرك متى يتعافى الاقتصاد السوداني؟

معافاة الاقتصاد السوداني تحتاج لوقت، وصبر، وتخطيط، وتغيير في مسارات الاتجاهات الحالية للاقتصاد، والصورة التي يُدار بها الاقتصاد الآن تُهمل جانباً مهماً جداً.

ما هو ذلك الجانب المُهمل؟

جانب الإنتاج في الاقتصاد السوداني. والإدارة الاقتصادية الآن في الدولة غير مهتمة بقضية تطوير الإنتاج، وزيادة الإنتاج. وبالتحديد زيادة الصادرات حتى تساوي وتتجاوز الواردات. وإذا لم تُحل هذه المشكلة فلن يتعافى الاقتصاد السوداني.

هل الإجراءات الاقتصادية الأخيرة تساهم في تعافي الاقتصاد كما أشار وزير المالية لذلك؟

أبداً، والأزمة الاقتصادية لن تُعالج بهذه السهولة. إذا لم نتوجه بكلياتنا نحو الإنتاج، وعلى مدى سنوات بالعمل من أجل أن تتجاوز صادراتنا وارداتنا؛ إن لم يحدث ذلك فإن الأزمة الاقتصادية ستظل قائمة.

هل الزراعة كفيلة بمعالجة الأزمة الاقتصادية؟

الزراعة واحدة من الحلول، ولكنها ليست كافية لوحدها. وهي بالتأكيد حل سهل ومناسب، ولكن الزراعة تحتاج لجهد كبير غير متوفر في الوقت الحالي، وتحتاج لصبر أيضاً غير متوفر الآن، وتحتاج لتمويل، وتقانات، وسنوات من العمل الشاق والمتواصل والدؤوب، حتى تساهم مساهمة كبرى في دعم الاقتصاد.

في تقديرك بكم تساهم الزراعة في دعم الاقتصاد السوداني؟

34% من الناتج القومي الإجمالي. ويمكن زيادة الناتج القومي الإجمالي، ومضاعفة الإنتاج من الزراعة بصورة أكبر.

هل تتفق معي أن الحكومة أهملت الجانب الزراعي بعد ظهور البترول؟

أصلاً لم يكن هنالك اهتمام بالزراعة قبل ظهور البترول.

في سنواتها الأولى كانت الإنقاذ مهتمة بالزراعة؟

حتى في سنوات الإنقاذ الأولى لم يكن هنالك اهتمام بالزراعة.

عبد الرحيم حمدي حينما كان وزيراً للمالية بذل جهداً لتطويرها؟

نعم، حمدي اجتهد عندما كان وزيراً للمالية لتطوير الزراعة، وبدأ في خطوات جادة لتحريك جمود الاقتصاد السوداني، ولكن ذات الخطوات تلاشت بعد خروج حمدي من الوزارة، وبعده لم أرَ أي اهتمام بالزراعة يساهم في حل المشكلة الاقتصادية.

مشروع الجزيرة كان عملاقاً وتقزَّم على يد الإنقاذ؟

هذا حديث غير دقيق، فقد بدأ التراجع قبل التسعينيات، وحينما وصلت الإنقاذ للسلطة وجدت عمال مشروع الجزيرة في حالة إضراب جراء التدهور في مشروع الجزيرة.

نفهم أنك تعزة التراجع في مشروع الجزيرة لفترة ما قبل الإنقاذ؟

التراجع بدأ قبل الإنقاذ واستمر حتى الآن.

أنت بصورة شخصية متهم بتدمير مشروع الجزيرة؟

هذه اتهام، والاتهام لا يمكن أن يكون إدانة.

هو اتهام ما زال يلاحقك؟

في فترة وجودي في وزراة الزراعة قمتُ بأكبر عملية إعادة تأهيل وتوفير معينات لمشروع الجزيرة في التاريخ الحديث.

نفهم من قولك أنك ساهمت في التطوير ولم تكون جزءاً من التدمير؟

لا أذكر في التاريخ الحديث دخول 135 آلة لتطهير القنوات في عام أو عامين، وكذلك قمتُ بإدخال 25 شركة لتحضير الأراضي الزراعية وتجهيزها بواسطة القطاع الخاص من أبناء الجزيرة، وكذلك تم إدخال أصناف جديدة من المحاصيل، وتم إدخال أصناف جديدة من القمح، وبفضل ذلك زاد إنتاج القمح في مشروع الجزيرة من (50 ألف طن إلى 500 ألف طن).

أما زال المشروع ينتج ذات الإنتاجية التي تركتها عليه؟

أتمنى أن تحافظ الحكومة على هذه الإنتاجية، وعبر صحيفة (الصيحة) أُرسل رسالة لوزير المالية مباشرة، وأقول له إن المزارع في مشروع الجزيرة حالياً يزرع القمح في ظروف صعبة، في ظل عدم توفُّر تمويل كافٍ، وانعدام السماد، ولكنه زرع القمح. وسعر شراء القمح المُعلن قبل أكثر من عام قد تجاوزه الزمن، وقد أصبح القمح المستورد أعلى سعراً من القمح المحلي المُنتج بمشروع الجزيرة.

كم الفرق في السعر بين المنتج والمستورد من القمح؟

الفارق 100 جنيه للجوال، وفي ذلك عدم إنصاف للمزارع بمشروع الجزيرة، ولا يمكن أن نشتري القمح بسعر 400 جنيه للجوال من المزارع السوداني، ونقوم باستيراد الجوال من الخارج بما يعادل 500 جنيه سوداني. إذا كنا نريد أن نضاعف الإنتاج السوداني علينا تحفيز وإنصاف المزارع.

تحفيز بأي شكل؟

السعر الحالي لشراء القمح غير مُنصف وغير مجزٍ، خاصة بعد ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج. وهو ذات السعر المُعلن في العام الماضي، والسعر العالمي للقومي هو 250 دولار للطن، بالتالي لا يمكن أن نشتري المستورد بسعر أعلى من المنتج.

نعود لمشروع الجزيرة؟

بذلت مجهودات كبيرة لإعادة المشروع لعهده الأول حينما كنت وزيراً للزراعة وأثمر ذلك المجهود عن ارتفاع في إنتاج القمح عبر السياسة التشجيعية لمنتج القمح، والآن ينبغي متابعة المسيرة ومعالجتها وتحفيز المزارع أو على الأقل إنصافه.

هل تستطيع الحكومة تحفيز ودعم المزارع السوداني؟

الأمر ليس مستحيلاً، والحكومة ليست في حالة عداء مع المزارع، (والمزارع نفسه زول الحكومة).

عفواً.. لكن الحكومة أرهقت المزراع بالضرائب والجبايات؟

الضرائب في الزراعة قليلة، ولكن المطلوب من الحكومة تصحيح سعر شراء القمح، بالرغم من كون الوزراء الاقتصاديين مشغولين، ولكن ينبغي عليهم تصحيح سعر القمح الآن ومساواته بسعر القمح المستورد.

هل تعلم أن المزراع في القضارف وسنار فشل في عمليات حصاد الذرة بسبب انعدام الأيدي العاملة وشح (الخيش) بل فضَّل بيع الذرة لأصحاب المراعي؟

سيكون العائد أكبر للمزارع من بيع الذرة لأصحاب المراعي.

لماذا؟

هنالك وفرة في الذرة، بل هنالك كميات مرحّلة من إنتاج العامين الماضيين منها، وهنالك فائض منها يقدر بـ(2 مليون طن).

هل يمكن الاستفادة من فائض الذرة؟

على الحكومة أن تسرع في تسويق فائض الذرة للدول المجاورة، بل يمكن بيعه بسعر أقل من السعر العالمي، تشجيعاً للصادر، وإخراج (مليون طن) للتصدير وترك الباقي كمخزون استراتيجي، وفي حالة احتفظت الحكومة بفائض الذرة الحالي فلن يكون هنالك داعٍ لزراعته في الأعوام المقبلة لذلك ضروري تصديره للخارج.

إلى أين؟

إلى مصر أو السعودية أو دولة الجنوب خاصة أننا خرجنا من الأسواق العالمية الكبرى ويمكن إبرام بعض الصفقات مع الأشقاء لإيجاد وسيلة لتصدير الذرة.

الحكومة مؤخراً صارت تعتمد على الذهب في حل الأزمة الاقتصادية؟

الذهب واحد من الحلول الناجعة للأزمة الاقتصادية، ولولا الذهب لكان الاقتصاد السوداني أسوأ بكثير من الذي عليه حالياً، خاصة وأن الذهب يعد من أبرز الصادرات الاقتصاديه في الوقت الحالي.

هل يمكننا التعويل بصورة أكبر على الذهب في الفترة المقبلة؟

وزير المعادن ذكر أن إنتاج الذهب سنوياً يعادل 90 طناً، فلنقل إن الإنتاج السنوي من الذهب يعادل 60 طناً، إذاً لولا الذهب فلن يكون هنالك دولار .

هل تملك الحكومة الآن دولاراً؟

الحكومة تستورد بأموال صادرات الذهب، وليس أموال صادرات الماء (ضاحكاً).

ارتفاع الدولار يعني أن الدولة لا تمتلكه؟

سنوياً نستورد منتجات ما بين (10 إلى 11) مليارات دولار، صحيح الدولار حاليًا عزيز وغير متوفر في أي وقت.

إلى أي شيء تعزو ارتفاع سعر الدولار؟

الدولار نفسه أصبح سلعة تُباع وتُشترى.

هل تمتلك الدولة دولارات؟

نعم تمتلك من صادر الذهب وعائدات المغتربين.

الدولار الآن علي مشارف الـ20 جنيهاً سودانياً؟

صحيح، بلغ ما يعادل 19 جنيهاً ونيف.

هل كنتَ تتوقع أن يصل الدولار في عهد الإنقاذ لهذا السعر؟

شخصيا كنتُ أتوقَّع ذلك.

لِمَ؟

لانعدام الإنتاج ومن ثم انعدام الصادر، هنالك شيء يسمى الحساب الخارجي يضم الصادرات والواردات، زيادة الصادرات عن الواردات يؤدي لتدهور العملة المحلية، وبتساوي الصادر والوارد ستكون العملة مستقرة.

هل سيُسهم الإنتاج في كبح جماح الدولار؟

الإنتاج الضخم يمكن أن يؤدي للعودة الدولار إلى 5 جنيهات وحينما تم استخراج البترول تراجع سعر الدولار.

البعض يعزو الأزمة الاقتصادية لضعف الكادر الاقتصادي في الدولة؟

هذه تحليلٌ مخلٌّ، والأزمة أكبر من ذلك.

باختصار أين الأزمة؟

ببساطة الأزمة الاقتصادية في زيادة الصادرات.

أين المخرج لضعف التصدير؟

في عام 1982م رفع رئيس الورزاء التركي شعار التصدير أو الموت، وكانت تركيا تصدِّر 2 مليار دولار، والآن تصدر 400 مليار دولار ومنذ رفع ذلك الشعار اتجهت تركيا بكلياتها للصادرات.

نفهم أن على الدولة رفع شعار التصدير أو الموت؟

يمكن رفعه مع التنفيذ، ولكن أن ترفع شعار دون تنفيذ، فالأمر لن يكون ذا فائدة.

هل يمكن تطبيق الشعار(التصدير أو الموت) في السودان؟

طبعاً يسهل تطبيقه وكل دول العالم التي خرجت من الأزمة الاقتصادية خرجت بزيادة الصادرات مثل كوريا والنمور الآسيوية ومصر والصين وتركياً لا يمكن أن تتقدم دولة اقتصادياً وهي تستورد وتستهلك ولا تنتج، والسودان دولة مستوردة ومستهلكة وقليلة الإنتاج وقليلة تطوير الإنتاج.

رغم المساحات الزراعية والأنهار نعاني من ضعف الإنتاج؟

لا يمكن الاستفادة من الأراضي الشاسعة إلا بالإنتاج ومن ثم الاستفادة من القيمة المضافة والتصدير.

أين مشروع سكر مشكور؟

متوقف تماماً.

أين الخلل؟

الهند أوقفت التمويل الذي وعدت بتقديمه للمشروع.

ولماذا أوقفت الهند التمويل؟

لأن الحكومة السودانية لم تلتزم بتسديد التمويل للهند.

هل سيعود سكر مشكور؟

الحكومة السودانية الآن استأنفت تسديد التمويل وسيعود العمل بسكر مشكور، ولكن القضية في مجملها اقتصادية تتعلق بعدم السداد في الوقت المناسب.

في حالة تكليفك بوزارة المالية ما هي أهم القرارات التي ستتخذها لحل الأزمة الاقتصادية؟

أول قرار هو التوضيح للشعب السوداني بأن الأزمة الحالية بسبب ضعف الإنتاج، ويجب أن نشجع الإنتاج ونتجه نحوه بجدية وتوفير السواعد والموارد للإنتاج، ويجب أن يفهم الجميع أن الحلول السريعة انعدمت ويجب الصبر.

بمعنى الإنتاج هو الحل لقضية الاقتصاد السوداني؟

نعم، وعبر مجهود مثابر، جهد تشترك فيه كل الأمة عبر تطوير الإنتاج وتحويل كل الموارد لدعم الإنتاج.

كذلك نحتاج لعقلية اقتصادية للنهوض باقتصاد البلاد؟

الأزمة ليست في العقلية الاقتصادية المشكلة في التوجهات والسياسات الاقتصادية ولا أرى أي مجهود نحو الإنتاج محسوب ودقيق ومقيم دورياً ومصحح بالمتابعة.

هل تأثرت بالإجراءات الاقتصادية الأخيرة؟

أي شخص تأثر بذلك وأنا تأثرت به.

ماهو رأيك في الإجراءات الاقتصادية الأخيرة؟

صحيحة، ولكنها ناقصة.

أين النقص؟

النقص في الاهتمام بالإنتاج بمعنى تحويل موارد الدعم المرفوع نحو الإنتاج.

حتى الإجراءات المتعلقة بالدواء والعلاج هل كانت صحيحة؟

لا يمكن رفع دعم ظل مستمراً لمدة 20 عاماً بصورة كلية، والإجراءات الاقتصادية بدأت قبل أربع سنوات، ولكنها لم تتم بتدرج، ولم تكن مكتملة الجوانب، ولم نسمع أي حديث عن الإنتاج خاصة أن العلة الإساسية في الإنتاج.

في تقديرك لماذا أهملت الحكومة جانب الإنتاج؟

اسأل الحكومة. والقضية مهمة جداً، وينبغي إدراك أهمية الإنتاج، والخلاف سيكون حول الأموال التي كانت تُستخدم في الدعم.

الحكومة قالت ستوجِّه جزءاً من أموال الدعم للفقراء؟

نعم، هذا أمر إيجابي، ولكن يجب أن تنتج الحكومة سلعاً.

هل تنصح الحكومة بالتراجع عن السياسات الاقتصادية؟

لا يمكن التراجع عن الإجراءات الاقتصادية الأخيرة، ولا يوجد اقتصاد ينمو تحت ظل الدعم.

نملك عدداً مهولاً من مصانع السكر، ومع ذلك نعاني أزمة في توفيره؟

ارتفاع أسعار السكر بسبب تحرير سعره الذي أصبح مرتبطاً بالسوق العالمية، وفارق السوق المحلي ومصانع السكر لم يزِد.

تم إنشاء مصنع سكر النيل الأبيض؟

مصنع سكر النيل الأبيض فاشل، وينتج حوالي 15% من طاقته بالإضافة إلى أنه لا توجد استثمارات في السكر، وينبغي أن يستثمر في السكر خاصة وأنه محصول جيد ومربح.

بعض مصانع السكر تكاد تتوقف عن الإنتاج؟

كل مصانع السكر تعمل الآن، ولكن المشكلة ليست في المصانع، بل في إنتاج الفدان من قصب السكر وإنتاج القصب في تدنٍّ كبير.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 6 = أدخل الكود