ترامب.. أوربا والأثر "الدومينو"

عرض المادة
ترامب.. أوربا والأثر "الدومينو"
تاريخ الخبر 24-12-2016 | عدد الزوار 390

*أحمد عبد الله الحسن الخضر

ظل المفكرون والسياسيون والباحثون والمهتمون بالعلاقات الدولية يفكرون في مآل النظام العالمي الجديد، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وخروج الولايات المتحدة الأمريكية منتصرة في الحرب الباردة، وكما هو معلوم فإن الحرب الباردة امتدت لخمسة عقود وكانت محكومة بنظام دولي قائم على الثنائية القطبية، وبمفهوم نظري في العلاقات الدولية يسمى نظام الأمن الجماعي، حيث اصطفت دول العالم في عهد المعسكرين الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي، والغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

ودار صراع استخباراتي وعسكري شرس بين المعسكرين، ومن لطف الله على الناس أن سياسة الردع النووي المتبادل بين القوتين العظميين لم يجرم، حيث كانت كل دولة توجه صواريخها النووية تجاه مدن الدول الأخرى.

أجمع هؤلاء المفكرون أنه وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، بدأت حقبة جديدة، في العلاقات الدولية يتطلع الناس فيها إلى نظام دولي جديد، وعملية إرساء نظام دولي معقدة تعتمد على التفاعل بين الدول ومنظومة من العلاقات الاقتصادية والسياسية، فلذلك فقد افترض المهتمون بأن العالم يمر بفترة من التحول قبل أن يرسو على نظام جديد، ولقد شهدت حقبة التسعينات تطوراً مذهلاً في التكنلوجيا وقفزة نوعية خصوصاً في مجال الاتصال، مما جعل العالم يبدو كقرية صغيرة، وأذكر جيداً كلمات أستاذي الوزير الأسبق المغربي"عبد الهادي بوطالب" رحمه الله في بداية الثمانينات، عندما قال"سيكون هناك تماهٍ في العلاقات الدولية ما بين الشأن الداخلي والخارجي" فالعالم تسابق في الاهتمام بالكوارث الطبيعية، مما جعل العالم يشعر بوحدة في هذا المجال، ومن ناحية أخرى بدأ التعامل الاقتصادي بين الدول يذهل في الكثير من الأحيان.

وبدأت السياسات الجمركية والحمائية تتساقط، وبدأ التبادل الاقتصادي يذهل، بل إن بعض الدول أصبحت تصنع منتجاتها داخل حدود دول أخرى، وبظهور الوسائط الحديثة انفتح الباب على مصراعيه لتقارب الدول وشعوبها بين بعضهما البعض، ومن خلال كل ذلك ظهرت فكرة العولمة داخل كثير من المؤسسات الحاكمة وفي أروقة الكتاب والمفكرين، حيث أن الجميع كان يبحث عن شكل النظام العالمي من ناحية هل هو أحادي القطبية؟ بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية أم نظام متعدد الأقطاب مع ظهور ما يعرف بالاقتصادات الناشئة؟" الصين ..الهند".

وقد أسهمت منظمة الأمم المتحدة في تسهيل ظهور العولمة وتقريب وجهات النظر بين الدول، وبما أن الولايات المتحدة الأمريكية هي قائدة ما يعرف بالعالم الحر فإن الرئيس الحاكم وإدارته تكسب سياسته دوراً مهماً في العلاقات الدولية، فقد كان الرئيس جورج بوش مهتماً أكثر بمحاربة الإرهاب وحروبه في أفغانستان والعراق، وأخيراً الأزمة المالية التي نشأت في أمريكا نفسها كانت سببًا في أن لا يوليها اهتماماً كبيراً.

بعد تقلد أوباما الحكم بدأت الإدارة الأمريكية الجديدة بالعمل مع حلفائها في أوربا وآسيا على ترسيخ فكرة العمل الجماعي والقبول بمبدأ العولمة كواقع معاش بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، وقد دفع بعض المنظرين والمفكرين بحزمة متكاملة للعولمة تقوم على فكرة أن العالم مقدم على ثورة صناعية جديدة تعمل على تطوير ثلاث ركائز، وهي الاقتصادية والأوضاع الصحية والتكنلوجيا، ففي الأولى يتم تحسين الأوضاع الاقتصادية وتوفير فرص العمل داخل كل دولة بقدر كبير، وفي الثانية يعمل على تطوير الأنظمة الصحية وتبادل المعرفة بحيث يكاد يخلو العالم من الأمراض، أما بالنسبة للتكنلوجيا فقد تقود في المستقبل القريب إلى اختراعات مذهلة تكاد لا تصدق وعلى سبيل المثال، يتم تصنيع طائرة بحدود 20 ـ 30 تقطع المسافة ما بين نيويورك ولندن في حوالي ساعتين.

فطفق مؤيدو العولمة يبشرون بعالم جديد على هذه الأسس حيث إنه وفي مرحلة ما يمكن أن يعيش الانسان حتى 120 عاماً، وتفشت حمى العولمة في كل أرجاء العالم، وللعولمة إضافة إلى هذه الركائز الثلاث مظاهر أهمها مسألة التكييف المناخي حيث يعمل العالم على مكافحة الانحباس الحراري الناتج عن وجود ثقب الأوزون والذي يعمل على رفع درجة حرارة الأرض، ومعالجة ذلك بما يعرف بالطاقة المتجددة من شمس ورياح لتقليل انبعاث ثاني أوكسيد الكربون في الجو، والعمل على تصنيع سيارات تسير بالكهرباء مثلاً، وإنتاج الكهرباء من طاقة الرياح والطاقة الشمسية، فقد كان هذا العمل ملهماً ودافعاً للدول لتتضافر جهودها وتتوحد مسألة العولمة فعقدت المؤتمرات باليابان في تسعينيات القرن الماضي ثم كوبن هاقن بالدنمارك، وأخيرًا بباريس، وهذا العمل شكل دفعة قوية حيث اتحدت مائتا دولة في العمل على مكافحة زيادة درجة حرارة الأرض.

في مقابل كل ذلك، كانت هناك صرخات مكتومة ودعوات خجولة في بداية الألفية تعارض مسألة العولمة، ولكن سرعان ما كانت تقمع من الزخم الكبير للعولمة ودعاتها.

وقد كانت البداية في بريطانيا أم الديمقراطية ومهدها بقيادة حزب المحافظين الذي كان يحمل دائماً في عضويته منذ أمد بعيد أعضاء مناوئين لأفكار التوحد والاندماج، خصوصاً مع أوربا والاتحاد الأوربي إلا أنهم كانوا أقلية وكانت تسيطر عليهم تيارات الإجماع في الحزب، وأخيراً تبنى حزب المحافظين فكرة قيام استفتاء لحسم هذا الأمر وفاز الاقتراح الذي يقضي بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي والذي شكل ضربة قوية لفكرة العولمة ولفكرة الاندماج والتوحد في العالم، ولم تكن بريطانيا وحيدة في هذا الشأن، فقد تنامت بصورة متصاعدة فكرة الوصول إلى الحكم من قبل الأحزاب اليمينية في أوربا.

وقبل أن نسترسل في هذا الأمر، فإني أعزو ذلك ما يعرف اصطلاحاً بتغيير المزاج السياسي العام.

فالعولمة لم تقدم لهذه الشعوب ما يحفزها لدعم فكرة العولمة، فاليونان مثلاً أفلتت من أزمة مالية بعد أن تم دعمها من الاتحاد الأوربي بشروط مالية ذات انعكاسات مجتمعية قاسية، ولذلك بدأ ظهور اليمين السياسي والتصويت لصالح هذه الأحزاب التي تمثل دعاة العولمة، في النمسا مثلاً كاد أن يصبح رئيسها ولأول مرة في تاريخ أوربا بعد الحرب العالمية الثانية من اليمين السياسي لولا حدث بعد الخلل في فرز الأصوات وأعيدت الانتخابات وخسر بفارق ضئيل، إلا أنني أعتقد بأن هذا ليس نهاية المطاف في هذا البلد، حيث إن هناك انتخابات برلمانية قادمة، خصوصاً بعد حصول"هوفر" مرشح اليمين على 46% من الأصوات، وقد كانت حملته الإنتخابية قائمة على مكافحة الهجرة ورفض أسلمة المجتمع النمساوي وتأمين الحدود.

وفي إيطاليا وبالرغم من أن الوضع يبدو معقداً قليلاً حيث إن رئيس الوزراء "ماشيولورونشو"هناك استفتى الإيطاليين بسياسة ورهن مستقبله السياسي بنجاحه في هذا الاستفتاء، إلا أنه خسر واستفاد من ذلك دعاة محاربة الاتحاد الأوربي، الذي يتمظهر في حزب رابطة الشمال، وهو حزب يميني وحزب آخر يدعى خمسة نجوم، يدعو وبشدة لخروج إيطاليا من نظام العملة الموحدة اليورو، الشيء الذي قد يؤدي إلى خلخلة كبيرة في الاتحاد الأوربي.

والمحك في ذلك من أجل أن تثب هذه الأحزاب على السلطة هو قيام انتخابات مبكرة في إيطاليا.

أما في فرنسا وألمانيا والتي ستشهد انتخابات منتصف العام القادم فهناك نمو متزايد لشعبية الأحزاب اليمينية،"الجبهة الوطنية في فرنسا" بقيادة "ماري لوبين" وحركة البديل في ألمانيا ويحبس الجميع أنفاسهم في أوربا خوفاً من فوز "لوبين" برئاسة فرنسا، والذي تؤكد حتمية وصولها الجولة الانتخابية الثانية، حيث أنها تدعو وبصريح العبارة لخروج فرنسا من الاتحاد الأوربي الشيء الذي يحدث طعنة نجلاء لهذه المنظمة.

وتشير استطلاعات الرأي العام الألماني إلى أن المستشارة "ميركل" في سعيها لتولي فترة رابعة من حكم ألمانيا، ستجابه بمنافسة قوية من حركة البديل الألمانية، ولعله من سخرية القدر أن يجتمع اليمين وبعض أطراف اليسار في أوربا على معاداة ما يعرف بالمؤسسة الحاكمة.

وفي أمريكا كان التغيير الأكبر بوصول المليادير الجمهوري "ترامب" للحكم وفوزه في الانتخابات التي جرت مؤخراً، فقد قاد حملة انتخابية انقسمت حولها الآراء داخل الحزب الجمهوري، إلا أنه وبمجهود فردي كبير في تقديري باللقاءات الجمهاهيرية والاعتماد على "السوشيال ميديا" استطاع أن يقلب الطاولة على الجميع حيث كان الكل يراهن على خسارته في الانتخابات حتى من بعض أركان حزبه، إلا أن ترامب، وكما قال رئيس الأغلبية في الكونغرس استطاع أن يقرأ قراءة صحيحة نبض الشارع السياسي الأمريكي، حيث كان هناك عداء مبطن من قبل الجماهير للمؤسسة الحاكمة في واشنطون ورفض للعولمة التي أفقدت الكثير من الأمريكيين لوظائفهم وهروب رأس المال الأمريكي للتصنيع في دول أخرى مثل الصين وغيرها، بالإضافة إلى قضايا الهجرة والمجموعات العرقية.

وقد شكل فوز ترامب دعما كبيراً للحركات اليمينية المتنامية في أوربا وقد يمهد لها الوصول إلى الحكم، وكان الرئيس المنتخب ترامب وفي حملة انتخابية يهدد باتخاذ إجراءات ضد العولمة منها الانسحاب فور توليه الحكم من اتفاقية الشراكة الباسيفكية التي تضم الصين، والتي كان يأمل دعاة العولمة في أن تعمل هذه الاتفاقية على التقارب الصيني الأمريكي، ما حدا برئيس الوزراء الياباني "شنزو ابي" أن يقول: هذه الاتفاقية بدون أمريكا لا معنى لها.

كما أنه صرح ـ أي ترامب ـ بالانسحاب من اتفاقية باريس للتكييف المناخي إلا أنه جوبه بضغوط هائلة داخل الولايات المتحدة الأمريكية بتعديل موقفه هذا وبالرغم من أنه صرح بأن موقفه منفتح لفهم مسألة التكييف المناخي، إلا أنه قام بترشيح "ستوب كروويت" ليكون مسؤولاً عن هذا الملف في إدارته الجديدة، والأخير ينفي إيمانه بوجود ظاهرة الاحتباس الحراري.

كما أنه صرح بأنه في إدارته الجديدة سيحد من تدخل أمريكا في الشؤون الداخلية للدول الأخرى والعمل على الإطاحة بأنظمة حكمها وترامب يرفع شعار الولايات المتحدة أولاً وهو بالضرورة شعار يتنافى مع أدبيات وأسس العولمة.

يبدو من كل ذلك أن العالم مقبل خصوصاً في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية على سيطرة اليمين السياسي على مقاليد الحكم، وهذا هو ما يعرف بالعالم الحر المهيمن على السياسة العالمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ويجب التساؤل هنا إذا تم منح التفويض السياسي والشعبي لهذه الأحزاب في أوربا وأمريكا فماذا هي فاعلة بهذا التفويض؟

فمعلوم أنها احزاب تؤمن وتدعو لحماية حدودها من الأجانب والعمل على تحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية في إطار البرامج السياسية المعروفة، ولكن يبقى السؤال ماذا بالنسبة للعالم؟

فالعولمة وخلال العقدين السابقين كانت نظرية لها أرجل سياسية وتغلغلت في أعماق شعوب العالم بنظمها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

فإذا كانت هذه الأحزاب اليمينية ترفض العولمة داخل حدودها فمن باب أولى أن تقدم طرحاً بديلاً آنياً فكرياً وسياسياً لهذه العولمة التي بدأ يتم رفضها من قبل بعض دول العالم الثالث أيضاً بما فيها من ظلم اقتصادي وعدم فائدة لهذه الدول خصوصاً في مجال التجارة الدولية حيث يعتقد أنها تفيد الـ" 1%" المسيطرين على مقاليد الأمور في العالم.

أما بالنسبة للبيئة فمن باب أولى أن تتضافر جهود العالم لمعالجة ثقب الأوزون بما هو متاح من تكنلوجيا، فالعالم الثالث بأي حال ليس سبباً في التلوث البيئي والانحباس الحراري، والصين وأمريكا يشكلان 66% من نسبة التلوث وانبعاث ثاني أوكسيد الكربون في العالم، وبعض دول العالم الثالث تعتقد أن المصادر البديلة للطاقة هي نوع من الترف بالنسبة لها حيث أن شعوبها لم تتحصل على الطاقة العادية بعد.

عوداً على بدء، يبدو أننا موعودون بتحولات سياسية كبرى في العالم بوصول هذه الأحزاب الأوربية والأمريكية إلى الحكم، قد تطول لفترة طويلة لأنني كما قلت في البداية أنها مبنية على التحول في المزاج العام للشعوب مما سيفضي حتماً إلى تغيرات كبيرة في العالم ستضع العصا في عجلة العولمة ويتم البحث عن طرق وسياسات أخرى في تقدير للعلاقات الدولية، بالرغم من أنه لم يتحدد شكل النظام العالمي الجديد، ولكن يبقى الباب مفتوحاً للمفكرين والسياسيين في رسم الشكل النهائي لهذا النظام الجديد، أما بالنسبة للدومينو فإنها لعبة "الضمنة" المعروفة لدينا حيث يتم "رص" قطع الضمنة بطريقة معينة مئات منها أو آلاف وبمجرد أن تضغط على القطعة الأولى تنهار بقية القطع وهو مصطلح سياسي يحسب منه التغيير السريع والمتلاحق لأنظمة الحكم.

*موظف سابق بالأمم المتحدة وعضو الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
3 + 9 = أدخل الكود