قصتهم أغرب من الخيال حي الغابة.. البؤساء يختارون مكب النفايات سكناً (1 - 2)

عرض المادة
قصتهم أغرب من الخيال حي الغابة.. البؤساء يختارون مكب النفايات سكناً (1 - 2)
تاريخ الخبر 22-12-2016 | عدد الزوار 212

إيجار الراكوبة يصل إلى مائة جنيه والغاز يهدد حياة السكان

البحر من خلفهم والأسفلت من أمامهم والغابة مقرهم

مواطن: هنا يسكن الفقراء والمسحوقون الذين عصفت بهم الضوائق

تجوّلت فيه: مياه النيل مبارك

أصدق تعبير لتجسيد واقعهم أن نصفهم بالبؤساء، فربما إذا رأى أحدنا صورهم على التلفاز لحسب أنهم رعايا دولة منكوبة تعرضت لهزة أرضية عنيفة أو سيول جارفة، أو أنهم ضحايا مواجهات عسكرية شرسة ودموية أحالت استقرارهم الى تشرد، ربما يعتقد من يراهم أنهم وافدون من دولة جارة عصفت بها الأقدار وأنهم لم يجدوا ملاذاً آمناً غير المكان الذي يقطنونه، كثيرة هي التوقعات والفرضيات والاحتمالات، ولكن الواقع يؤكد أنهم مواطنون سودانيون كما تثبت سمرتهم ومستنداتهم وكما توضح مفرداتهم الممزوجة بالحسرة والأسى، السؤال من هم وأين يقطنون، هم كما أشرنا من بني جلدتنا، ويقطنون في حي لا تعرفه حتى الجهات الحكومية.. أطقلنا عليه نحن من خلال هذه الجولة، اسم "حي الغابة"، والغابة هي المطلة على النيل الأبيض التي تقع جنوب كبري الفتيحاب. ذهبنا هناك فألجمتنا الدهشة، حينما وجدنا سكانا وسط الغابة وأكوام النفايات.

البسطاء.. التعساء

قد لا يعلم الكثيرون أن المسافة التي تقع بين كبري الفتيحاب الى نهاية المنطقة الصناعية من الناحية الجنوبية والتي تقع على تخوم الضفة الشرقية لمجرى النيل، يوجد بها سكان اتخذوا الغابة ومكب نفايات المنطقة الصناعية موطناً ومستقراً لهم، لم يقطنوا في هذه المنطقة من أجل الاستمتاع بغروب الشمس، وهي ترسل أشعتها لترسم لوحة سريالية فائقة الجمال، ولم يختاروا السكن وسط النفايات والقاذروات للاستمتاع بجمال وهدوء الغابة، بكل بساطه أنهم وكما أكدوا لنا أنهم مجبرون على هذا السكن الذي لا يحترم إنسانيتهم، والغريب في الأمر أنهم يدفعون أجرة شهرية لمبانيهم القشية لمن يدعون امتلاكهم الأرض، أكدوا أنهم ظلوا يقطنون هذا المكان منذ ثلاثين عاماً، إذن دعونا نتلمس كيف يعيش هؤلاء البسطاء التعساء وسط النفايات وضجيج المنطقة الصناعية؟

ـ ركوب الصعاب

الصدفة وحدها هي التي قادتني إلى أن أتيقن بأن ثمة سودانيين يقطنون في عاصمة بلادهم مثل المشردين. فحينما سرد لي أحد المواطنين تفاصيل حياتهم، قررت الاستيثاق، وعندما هممت بتنفيذ هذه المهمة الاستقصائية طالبني رئيس قسم التحقيقات بأن أتوخي الحذر، لم أعبأ كثيراً بنصيحته بحسبان أن المنطقة التي أريد أن أتجول فيها تقع وسط الخرطوم، ولكن حينما دلفت إلى المكان ذات نهار معتدل الجو، تذكرت تلك النصيحة، ذلك أنني وجدت شابًا يجلس على تلة من النفايات، وذلك عندما دخلت لتوي إلى المنطقة السكنية، فكان أن أشار لي بيديه وكنت أعتقد أنه أراد الترحيب بي، ولكن حينما أكثر من تحريك يده وكأنه يطلب مني الحضور تحسست حقيبتي جيداً وأحكمت إمساك هاتفي الجوال، وأسرعت الخطى ولم ألتفت إليه مرة أخرى، إلا أنني وبعد أقل من خمس دقائق من سيري سمعت خطوات مسرعة خلفي فأسرعت أيضاً ، وفجأة وقف أمامي لم يتحدث وبطريقة مباغتة حاول خطف هاتفي ولكن تمسكت به جيداً وأطلقت صيحة استغاثة فلم يجد أمامه غير أن يطلق ساقيه للريح وولى هارباً لأتنفس بعدها الصعداء. وحينها عملت كم كان رئيس قسم التحقيقات بالصحيفة الأستاذ صديق رمضان، محقاً وهو يهديني تلك النصيحة.

الحقيقة تتكشف

بعد أن تجاوزت ذلك الامتحان الصعب الذي حبس أنفاسي توغلت أكثر ولم يثر الحادث مخاوفي فالمهمة الصحفية مغرية، ولا يمكن التراجع عنها. خاصة أنني وجدت نفسي أسير وسط أكوام من النفايات صناعية ومخلفات بناء، وبقايا ما تلفظه كافتريات الخرطوم من طعام. وكانت الروائح النتنة تنبعث من كل الاتجاهات، ومياه الصرف الصحي تغطي المكان، والكثير من العاملين في المنطقة هناك يقضون حاجتهم في العراء، فلم أجد غير أن أستعين "بطرحتي" لتؤدي دور الكمامة، كلما توغلت في الغابة باتجاه النيل كانت أعين من بالمكان تطاردني، فأيقنت أن مظهري يدل على أنني غريبة وتمنيت ألا يعوق هذا مهمتي، وبعد جولة تكشفت لي المنازل التي تجسد البؤس في أوضح صورة، فذلك مشيد من بقايا جوالات وكراتين، وذاك من جالوص وآخر يبدو أقرب إلى الراكوبة، وداخلها تتحرك بعض النسوة، ووجدت الأطفال رغم الأجواء الغريبة يلهون ويتقافزون ببراءة بين الأشجار والنفايات، وبين كل مجموعة أشجار متشابكة يوجد منزل أو اثنان، ويبدو سكانها غير مهتمين بما تفرزه هذه الاشجار مساءً من ثاني أكسيد الكربون أو أنهم يجهلون هذه المعلومة ، وما يثير الدهشة والسخرية، هو أن المشهد - بخلاف أنه غارق في البؤس - فإنه يشي بأن الذين يقطنون في هذا المكان لا علاقة لهم بالقرن الحادي والعشرين، هكذا تقول مساكنهم وملابسهم وواقعهم، مع أنهم على بعد كيلومترات قليلة من قصر الرئاسة.

والغريب في الأمر أيضًا أن عدداً من العاملين في المنطقة الصناعية أبلغونا أنهم كانوا يعتقدون أن هذه الرواكيب التي تقع داخل الغابة وقبالة البحر يقطنها صيادون وليس أسر تضم أطفالاً ورجالاً ونساء، وآخرون أقسموا بأنهم كانوا يعتقدونها مجرد مكب للنفايات.

الدموع تنهمر

واصلت سيري وقصدت راكوبة مشادة من الجوالات المهترئة التي فعلت بها الشمس شر فعلة، لذلك لم تعد تقي قاطنيها أشعة الشمس، ورغم ذلك يتخذونها مستقراً. كانت الراكوبة مشيدة على تل من النفايات وعلى جنباتها أكوام من التراب تم وضعه لمنع تسلل المياه عند فيضان النيل كما بدا لي. دلفت داخل الراكوبة ووجدت سيدة في العقد الرابع من عمرها استقبلتني بحفاوة رغم علامات الاستفهام التي ارتسمت على وجهها.

شكل الراكوبة ينم عن أن هذه الاسرة تعيش في فقر مدقع، ذلك أن استخدام الحطب في إشعال نار الطبخ ترك بصمة في كل مكان حيث انتشر اللون الأسود وغطى حتى الأواني التي يصنع فيها الطعام، وهذا يعني أنهم لا يصنعون طعامهم على موقد غاز.

وقعت عيناي علي موقد للإضاءة يعمل بالوقود، هذا يعني أيضاً عدم توفر الكهرباء، بعد أن تبادلنا التحايا أحضرت لي كوب ماء يبدو أنه جيء به من النيل مباشرة للعكورة البائنة، مع أن مُضيفتي أحضرتها من "جركانة" موضوعة في ركن قصي من الراكوبة. لم أتمكن من شربها وجاملتها بغسل وجهي بها وقلت لها إنني شربت ماء قبل قليل، بعد ذلك ظهر رجل يبدو أنه في الستين من عمره يدعى الشيخ عبد الله إدريس.

تكيّف على الوضع

سألت الشيخ عبد الله "هل تقيمون هنا بصورة دائمة أم إن عملكم يحتم عليكم قضاء ساعات النهار في هذه الراكوبة".. ضحك من سؤالي وأجابني قائلا: أنا وأسرتي هنا منذ العام 1991، كنت أقطن حي الرميلة، وفي العام 1979 عملت في وزارة الثروة الحيوانية وبعد تركها اتجهت للعمل في مزرعة منذ العام 1991 وأنا أسكن بالقرب منها طوال هذه الفترة، وأشار إلى أن القاطنين في هذه المنطقة لا يحظون بأي خدمة، وأنهم يحضرون مياه الشرب من النيل الأبيض أو المنطقة الصناعية وتنعدم الكهرباء، لافتًا إلى أن منطقة سكنهم معروفة للسلطات بدليل أنها وزعت من قبل ناموسيات للسكان لتقيهم لسعات البعوض كما أن فرق التحصين تحضر لتطعيم أبنائهم، وقال إن ديوان الزكاة من قبل وزع لهم كرتونة رمضان، غير أنه يتحسر على عدم إدراجهم ضمن الأسر المستحقة للدعم الاجتماعي، ونفى وجود سرقات، وبدا مفاخراً وهو يتحدث عن عدم تخوفهم من زيادة منسوب النيل الأبيض، مؤكدًا أنهم تعودوا على هذا الأمر وباتوا يجيدون التصرف معه، وقال: إن مشاهدة التماسيح أمر طبيعي، وأفادني بأنه من قبل ظهرت قرنتية في المنطقة، ومضى يقول: "لم نعد نعرف الخوف".

الحزن يتمدد

توجهت بعد ذلك وأنا اعتصر الألم صوب راكوبة أخرى لم أتوقع أن أجد بداخلها من هو أكثر بؤساً من الذين زرتهم أول مرة. فهناك وجدت أمرة كفيفة تتكئ على "عنقريب" مهترئ تقطعت حباله بفعل أشعة الشمس. وعلمت أنها انفصلت عن زوجها وأنها تعيش في الراكوبة مع ابنها الذي يبلغ من العمر 12 عاماً. تقول والدموع تبلل خدها إنها أخرجت صغيرها من المدرسة حتى يساعدها في الحركة لأنها لا تجد من يقوم على خدمتها. ومضت محدثتي تروي لي ماسأتها، وهو ما جلب لي الحزن وانتزع الدموع من مقلتي، وأشارت الى انها تقطن هنا منذ سنوات، وأضافت: ليس لدي عمل بعد أن فقدت بصري، وهذه الراكوبة شيدها لي الجيران، وابني الصغير يتولى أمري، وأنا أشفق عليه وأرثي لحاله، فهو يقضي لي كل شيء، ولكن ماذا عساي أن أفعل.

وقبل أن تختم حديثها لم أجد غير أن أستأذنها حتى أغادر لأنني لم أعد أحتمل مزيداً من القصص المأساوية لمواطنين يقطنون على بعد كيلو مترات معدودة من شارع النيل الذي تدار منه البلاد، وأنا أتأهب للخروج قالت لي بصوت خفيض وحزن واضح: "يا بتي لو بتعرفي ناس بساعدوا عليك الله كلميهم عشان يجوا يشوفوا حالي"، لم أتمكن من الرد عليها لأن دموعي حالت دون ذلك فخرجت وكأنني أحمل جبلاً من الهموم على كاهلي، ولكنني آليت على نفسي أن أفعل ما أستطيع فعله من أجلهم، وربما يكون منشوري الذي بين أيديكم بمثابة مناشدة من أجلها.

وزير المالية.. ليته حضر

توجهت صوب راكوبة أخرى. وهنا أقول راكوبة لأنه لا يوجد منزل بمعناه المتعارف عليه، وجدت داخلها امرأة تشكو من وطأة مرض السكري ، قالت وهي تبكي: لم أجد مكانا أقطن فيه غير هنا.. الإيجارات مرتفعة بكل أنحاء الخرطوم، وشكت من عجزها عن شراء دواء مرض السكري لفقرها، وساعتها تمنيت لو كان وزير المالية الاتحادي حضوراً حتى يقف على خطأ قرار وزارته ونظامه بزيادة سعر الأدوية عشرات المرات، ورفع الدعم عن الدواء، لأن أمثال هذه المرأة لا تريد من نصيبها في الدخل القومي غير جرعة دواء تخفف عليها آلام المرض الذي أنهك جسدها.

ومضت في سرد مأساتها حينما أكدت أنها لم تتناول طعاماً في يوم زيارتي للمنطقة، قالت ذلك ثم صمتت، لتلتقط قفاز الحديث امرأة كانت تنصت إلى حديثها، وتشير إلى أن ابن المصابة بداء السكر كان يقف على كل حاجياتها وكان جنديًا في القوات المسلحة، غير أنه توفي، وأشارت إلى أن والدته المكلومة حاولت استخراج حقوقه حتى تعينها في مواجهة تكاليف الحياة إلا أن كل محاولاتها باءت بالفشل.

ولما كان الحديث صاعقاً لي، فضلت الهروب مجدداً وودعتهما وخرجت، وأنا أحاول مرة أخرى منع دموعي من أن تفضح مشاعري ولكنني عجزت.

"""""""""""""

طالع في الحلقة القادمة غداً:

كم تبلغ قيمة إيجار الراكوبة..

وما هي قصة الشيخ الذي يدير الغابة؟

تابعونا

2 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 7 = أدخل الكود