باتت مرتعاً للجريمة والسحر المقابر.. المدافن تتحوّل إلى سوح للممارسات الشاذة

عرض المادة
باتت مرتعاً للجريمة والسحر المقابر.. المدافن تتحوّل إلى سوح للممارسات الشاذة
تاريخ الخبر 16-12-2016 | عدد الزوار 589

قبور تجرفها المياه وأكفان في العراء والتقصير سيد الموقف

الرذيلة تُمارس على مقربة من الأموات ومواطنون يتذمرون

المجرمون يتخذونها أوكارًا لإخفاء المسروقات وممارسة النشاط الإجرامي

تحقيق: مياه النيل مبارك

بدأت جولتنا على مقابر الخرطوم بتلك الموجودة في حي الشقيلاب التي يطلق عليها اسم المقابر القديمة وهي ذاتها التي توجهنا إليها قبل أربع سنوات، وتوقعنا أن نجد واقعها قد تغير إلى الأفضل بعد أن كانت الفوضى عنوانها البارز ، ولكن خابت ظنوننا حينما وجدنا أن ذات مشاهد الأمس تفرض وجودها على واقع اليوم، فالقبور عانت كثيراً من خريف هذا العام بعد أن غمرتها المياه، وما زالت تفتقو الى السور الذي يعصمها من الكلاب الضالة وأولئك الذين تجردوا من الإيمان وهم يتسللون خفية في جنح الليل لدفن "عمل" يوقع الضرر على آخر، أما الإنارة فيها موجودة غير أنها لا تتم إضاءتها إلا في حالة دفن ميت في الليل، المقابر التي بلغ عمرها نصف قرن يقول عنها المواطن بالشقيلاب عز الدين النور أحمد أنها تتعرض لإهمال كامل وباتت مرتعاً خصباً للكلاب الضالة والنفايات والمياه وأن هذا جعل روائح نتنة تنبعث منها، مبيناً أن الأمطار دائماً ما تؤثر على القبور التي توجد على أطراف المدفن ، وقال إن منظمة حسن الخاتمة وعدت بتسويرها وتأهيلها إلا أنها لم تفعل، ويلفت إلى أن المقابر زحفت نحو الميدان الوحيد الموجود في المنطقة.

أما المواطن موسى سليمان الذي يجاور منزله المقابر فقال إن الكلاب الضالة باتت تمثل لهم هاجساً كبيراً بدخولها منازلهم بالإضافة إلى مياه الأمطار، معتبرا أن مواطني المنطقة يجب أن يهتموا بها لجهة تجاهلها من قبل الجهات الحكومية.

أما المشرف على مقابر الشقيلاب الجديدة التي تجاور الأقمار الصناعية بجبل اولياء فقد نفى الشيخ علي الحاج بيعها، وأكد أنها خصصت لدفن موتى أهل المنطقة.

الصحافة.. أعمال السحر تتصدر

بعد ذلك توجهنا صوب مقابر الصحافة التي كانت فيما مضى يطلق عليها اسم مقابر سلوى، وهي أول امرأة يتم دفنها فيها ويعود تاريخ نشأتها إلى سبعينيات القرن الماضي، لحسن الحظ فقد وجدنا المشرف على هذه المقابر موجودًا وهو الشيخ أحمد حماد الذي كشف عن أن مهمتهم تنحصر في استلام شهادة الوفاة وتسجيل المتوفى في السجلات، بالإضافة إلى تأهيل المقابر على الأصعدة كافة، مبينًا أن الكثير من الخيرين يمدون أيديهم بالدعم والمساعدة، مثمناً الأدوار التي ظلت تلعبها منظمة حسن الخاتمة، وقال إن المقابر ليست حصراً على موتى الصحافة بل أحياء عد حسين وجبرة وأركويت والأزهري ومايو، وقال إن الاهتمام الذي تحظى به مقابر الصحافة أسهم في اختفاء الظواهر السالبة عنها، مبيناً أن أبرز الذين توسدوا ثراها نائب رئيس الجمهورية السابق الزبير محمد صالح وبروفسير أحمد علي الإمام وصلاح ونسي، ورأى ضرورة تسوير مقابر الصحافة لإيقاف ظاهرة دفن السحر في قبور الموتى، وقال إن أعمال السحر تظهرها الأمطار.

الكلاكلة والتحول إلى مكب نفايات

عدنا أدراجنا في اليوم الثاني من جولتنا إلى محلية جبل أولياء، وفي مقابر الكلاكلة التي ظننا أن الدفن فيها قد توقف بعد أن امتلأت كل مساحتها، ولكن الأمر بدا لنا بخلاف ما توقعنا، غير أن هذه المقابر لا يوجد ما يوحي أن الأرض التي تحتلها توجد بها قبور مسلمين، وذلك لأنها تحولت إلى مكب نفايات كما أن السيارات اتخذتها معبرًا وحتى الراجلين "يقطعونها" جيئة وذهاباً في مشوارهم وكل واحد منهم يتفادى القبور التي بدأت ملامحها في التلاشي، وكشف لنا مواطن عن استمرار عمليات الدفن وأنه في حالة العثور على رفاة ميت في الموقع الذي يتم الحفر فيه يتم تحويله إلى مكان آخر ويدفن في حفرة عادية حتى يتمكن من حفروا القبر من مواراة جثمان فقيدهم.

بيع القبور

أما في مقابر جبل الأولياء " بديم الباسطاب" فإن الاستهتار والإهمال وصل ببعض ضعاف النفوس إلى بيع جزء منها إلى سيدة شيدت عليه منزلاً، ولما دونت اللجنة الشعبية ضدها بلاغاً أكدت امتلاكها أواراقاً رسمية تثبت ملكيتها للأرض، وقد وجهت السلطات بإزالة المنزل.

وهنا يشير رئيس اللجنة الشعبية بالحي ياسر الماحي إلى أن عمر هذه المقابر يبلغ 116 عاماً حيث تم إنشاؤها في العام 1900، ورعم هذا العمر الطويل إلا أنه لم يتم تسويرها حتى الآن لعدم العثور على أوراقها، وقال إن ما تعرضت له المرأة من خداع ببيعها أرضاً في المقابر شهدته أيضا الكلاكلة، ورأى ضرورة الالتفات إلى مثل هذه الظواهر السالبة.

الدويحية.. الجثث تطفو

أما مقابر الدويحية بجبل أولياء التي أسسها الشيخ غانم الدويحية قبل 300 عام، فقد زرناها في أوخر الخريف الماضي ووجدنا أن واقعها يندى له الجبين، فالمياه التي غمرت المنطقة تسببت في جرف الكثير من القبور ووجدنا عظاماً بشرية متوزعة علي أنحاء المقابر، وكذلك كفن لميت، وعلمنا أن المياه كثيرًا ما تجرف الجثث ويأتي خيرون من الحي ليعيدوا دفنها من جديد، ثم توجهنا بعد ذلك صوب مقابر الكلاكلة القلعة التي تبدو أفضل من غيرها لوجود سياج يحميها من الظواهر السالبة إلا أن السكان ايضاً يشتكون من تنامي ظاهرة دفن أشياء بالقبور.

الدخينات..اللصوص يتخذونها وكراً

مقابر الدخينات التي تعود إلى العام 1983 كما أخبرنا رجل طاعن في السن كان يجلس تحت ظل شجرة بالقرب منها، وأرشدنا إلى منزل رئيس اللجان الشعبية والذي لم نجده واستفسرنا ابنه عبد الله شيخ إدريس عن المقابر التي أشار إلى أنها تعود إلى ثمانينات القرن الماضي، وأكد أنها غير مسورة وأنه تم وضع إطارات على أطرافها، ولكنها سقطت بفعل الأمطار لتتحول المقابر إلى مكب للنفايات، مبيناً عن أن اللصوص كانوا يضعون مسروقاتهم داخل الأشجار التي تحيط بالمقابر، وهذا جعل المواطنين يعمدون الى قطعها، مؤكداً افتقار المقابر للدعم والتأهيل.

فاروق.. اهتمام ودعم

وفي مقابر فاروق التي تبدو أفضل من غيرها من مقابر زرناها وهي من أكبر من المدافن وأقدمها حيث يعود تاريخ إنشائها إلى العام 1902، ويشير الرجل الذي ظل مشرفاً عليها لستة وعشرين عاماً، عوض الشهير بعوض فاروق إن الذين يتم دفنهم في المقابر يتراوح عددهم في الشهر بين الخمسة وعشرين إلى أربعة وأربعين متوفياً، وقال إنهم طالبوا بالتصديق بمقابر جديدة أو أن يتم تحديد مساحة في كل حي لتكون مقابر، ولفت إلى أن ظاهرة دفن كتابات الدجل والشعوذة أيضاً اجتاحت مقابر فاروق باتجاه عدد من المواطنين الى دفنها في قبور الموتى، مشيداً بعدد من الخيرين الذين أكد أنهم ظلوا يقدمون دعماً مادياً وعينياً لتأهيل المقابر مثل الصهاريج والمظلات بالإضافة إلى تكفل رجل أعمال شهير بسور للمقابر.

ممارسات خاطئة

بعد انتهاء جولتنا بعدد من المقابر بمحليتي الخرطوم وجبل أولياء، التي كشفت لنا عن افتقارها إلى الكثير من المطلوبات الأساسية، بل وتحول بعضها إلى أوكار للجريمة، سألنا الشيخ خالد عبد الصادق عن هذه القضية الذي أشار إلى أن المقابر بالخرطوم تحتاج إلى اهتمام كبير من قبل الحكومة، مشيرًا إلى خطورة الكلاب الضالة التي تتخذ عدداً من المقابر مستقراً لها لجهة اعتدائها على الأطفال حديثي الولادة الذين يتم التخلص منهم أحياء في المقابر، ويرى أن إيقاف هذه الظاهرة يرتكز على تسوير كافة المدافن فى العاصمة، ونادى بوجود حراس وسور يحمي المقابر من دفن أعمال الدجل والشعوذرة، معتبرًا الذين يعمدون إلى بيع أراضي المقابر ضعاف نفوس يجب معاقبتهم خاصة السماسرة الذين طالبهم باتقاء الله في الموتى بعدم الضلوع في مثل هذه الجرائم، ومعتبراً عدم الاهتمام بالمقابر يفرز العديد من الظواهر السالبة في المجتمع مثل القتل والممارسات الفاحشة، ويرى أن إكرام الموتى سنة يجب أن يعمل الجميع على إحيائها.

خطورة بالغة

من ناحيته يشير الباحث بمركز أبحاث الجريمة، معتصم خليفة، إلى ان مراقد الموتى لم تعد تحظ بقدسيتها مثلما كان، لافتاً إلى الانتهاكات التي تشهدها وتحولها إلى أوكار للجريمة ومرتع خصب للخارجين عن القانون، ويعتقد أن إهمال المقابر من قبل الجهات الحكومية لعب دوراً بارزاً في التدهور والتردي الذي تشهده ، معتبراً عدم وجود قانون واضح للتعامل معها من أبرز الأسباب التي أغرت المجرمين على اتخاذها مقراً، ويرى أن عدم تسويرها جعلها مقصدًا للخارجين عن القانون الذين يعتبرونها مخبأ يضعون فيه مسروقاتهم، ولا يستبعد أن تشهد المقابر جرائم قتل، ويوضح أن وجود الخفراء امر هام وضروري، وذلك حتى لا يسمح لمن يريد إخفاء جريمة قتل بالدفن دون إبراز شهادة الوفاة ، ويقول إن جرائم الإجهاض ارتفعت وأن هذا يعني اتجاه البعض للدفن دون الحصول على تصريح ، علاوة على جرائم الانتحار ،ولا يستبعد الباحث بمركز أبحاث الجريمة معتصم خليفة أن تتعرض أعضاء الموتى للسرقة ، مشددا على ضرورة تولي اللجان الشعبية والمجتمعية مسؤولية الإشراف على المقابر وتأهيلها ووضع حراسة عليها.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
9 + 9 = أدخل الكود