اسهمت في التمازج السكاني بصورة كبيرة البعد الثقافي لطرق الحج في أفريقيا.. نظرة عن قرب

عرض المادة
اسهمت في التمازج السكاني بصورة كبيرة البعد الثقافي لطرق الحج في أفريقيا.. نظرة عن قرب
تاريخ الخبر 04-12-2016 | عدد الزوار 336

الخرطوم: آيات مبارك

ضمن (مؤتمر طرق الحج في أفريقيا) الذي أقامته الأمانة العامة لسنار عاصمة الثقافة الإسلامية 2017م بالتعاون مع ( جامعة أفريقيا العالمية – مركز البحوث والدراسات الأفريقية) نوقش عدد من الأوراق التي تناولت ثمانية محاور استطاعت أن تعكس من خلالها الحياة الثقافية والاجتماعية والدينية والسياسية الذي لعبته طرق الحج في أفريقيا من خلال العادات والتقاليد واللغات والأدب الشفاهي كالحكايات الشعبية والأهازيج التي عكست عن قرب الأثر الثقافي لهذا الطريق الهام كما شبهه د. كمال عبيد بـ(درب الحرير) الذي ربط أجزاء واسعة من آسيا ببعض أنحاء العالم الأخرى مقارناً بأن هذا الطريق قد حكمه الشارع الكريم باختيار مواقيت مكانية تقع في طرق الحجيج وقد أشار أيضاً إلى آثاره الماثلة من خلال تلك الرحلة التي قطعها الخليفة بن عبدالله بن محمد (التعيشي) الذي خلف الإمام المهدي في خلافة المهدية وحكم السودان أكثر من عقد ونصف من الزمان، كان هذا ناتج الحج فقد سارت أسرته في طريقها للحج من شمال إفريقيا – تونس ، ثم استقر به المقام في تشاد حول بحيرة الفتري، ثم بالسودان، فلم يدرك الحج جده ولا والده ، لكنه هو الحفيد حكم السودان وأثر في مستقبله السياسي.

وقد استعنت بمستخلصات الأوراق التي قدمت من خلال عرضي هذا والتي قام بالإشراف عليها د. أمين محمد سعيد الطاهر وأ. آدم يوسف موسى ، أ. سيسي محمود، إضافة إلى بعض الإضاءات من الأوراق المعنية والتي عملت (جامعة أفريقيا العالمية) على جمعها في كتاب تعميماً للفائدة ودفعاً لروح النشر، وقد حاولت بجهد المقل إلقاء الضوء على موضوع هام ساهم كثيراً في الإثراء الثقاقي مناقشاً دور الحجيج وأثرهم على الاندماج الثقافي في أفريقيا، من خلال العادات والتقاليد المنقولة عبر الحج واللغات العابرة والتواصل اللغوي، والتقارب بين القبائل الذي أدى إلى تكوين العادات والتقاليد.

طريق الحج الأفريقي

الورقة الأولى: طريق الحج الأفريقي وأثره على التمازج السكاني في السودان هذه الورقة تناولها (د. حاتم الصديق محمد أحمد – السودان) قال فيها: إن المنطقة الواقعة بين سودان وادي النيل وغرب أفريقيا من أكثر المناطق التي شهدت هجرات بشرية مستمرة على طول الفترات التاريخية، وذلك من خلال الهجرات الوافدة من غرب أفريقيا أو العكس من سودان النيل غرب إفريقيا عبر دارفور وكردفان والنيل الأزرق، وقد قامت هذه المجموعات المهاجرة بقطع مسافة تقدر بـ30 ألف كلم من أجل الوصول إلى الحجاز، وإكمال الحج، وتعد هذه الرحلة من أطول الرحلات التي يقوم بها سكان القارة الأفريقية. ساعد قيام مملكة الفور والفونج والممالك الإسلامية الأخرى في السودان في عملية الحج لمجموعات غرب إفريقيا، كما وصلت مجموعات كبيرة من طالبي الحج إلى سنار ودارفور بغرض التعليم، وقد استقرت العديد من هذه المجموعات في السودان، والمقصود هنا المجموعات التي لم يكتب لها الوصول للحجاز، وأيضأ هنالك مجموعات استطاعت الوصول إلى الحجاز وطاب لها المقام في تلك البقاع، ومن أشهر الرحلات التي وصلت إلى السودان عبر طرق الحج الأفريقية العابرة أو الواصلة للسودان، رحلة الشيخ المجاهد عمر سعيد تال الفوتي الذي عبر السودان في الفترة من 1827- 1830 ومنها طريق دارفور – كردفان ثم أسيوط وأسوان وإبريم وكرسكو، والذي يطلق عليه اسم (درب الأربعين).

وهناك طريق آخر يتفرع من صعيد مصر عبر كسلا، ومنها إلى حوض نهر القاش ثم النيل الأزرق وكردفان ودارفور، ثم وداي وباقرما وكانم وبرنو، وطريق أسوان الذي يمتد بمحازاة البحر الأحمر. طريق غرب أفريقيا عبر الواحات ثم وادي حلفا ويمر بمنطقة أبوحمد . كل هذه الطرق وغيرها – ساهمت في هجرة المجموعات السكانية من غرب أفريقيا إلى سودان وادي النيل أولاً بغرض الحج ثم طاب المقام لمجموعات كبيرة منهم مثل: البرنو والفلاتة والهوسا والتكارير.

وقد شهدت فترة الدولة السنارية توافد أعداد كبيرة منهم. وقد مثلت سنار مصدر إشعاع حضاري وديني. وقد بلغ عدد الطلاب التكارير في خلوة الشيخ أرباب العقائد نحو ألف طالب وكذلك في خلوة الشيخ القدال بن الشيخ إبراهيم ألف وسبعمائة طالب. وقد طاب المقام لمجموعات من غرب أفريقيا في السودان، واستقروا فيه، وذلك لعدة أسباب منها رابط الدين والذي يعد من أقوى الروابط الاجتماعية بين سكان غرب أفريقيا وسودان وادي النيل. معظم طرق الحج القادمة من غرب أفريقيا تمر بالسودان، التسامح الذي تمتاز به الشخصية السودانية وقبولها للآخر، وسهولة الاندماج في المجتمع، قيام المشاريع الزراعية مثل مشروع الجزيرة ومشروع دلتا القاش وطوكر، لهذه الأسباب امتزجت العناصر الوافدة بالسكان المحليين وأصحبت هناك مدن بعينها تمثل مراكز ثقل لهذه المجموعات مثل القلابات، واشتركت معها في تشكيل سودان اليوم.

مظاهر من الثقافة الاحتفالية

الورقة الثانية: مظاهر من الثقافة الاحتفالية للحجاج الإفريقيين (نيجريا) – كينيا – تشاد- السودان- السنغال) وهي من إعداد د. عبد الناصر علي بن علي الفكي، وقد اتبعت الورقة المنهج الوصفي التاريخي والوصفي والتي من خلالها نوقش الحج في المجتمعات الأفريقية.

ومثلت الثقافة من خلال الثقافة المادية والعادات والتقاليد المرتبطة باحتفالية الحج عند استقبال الحاج وتوديعه وجداريات الحج (الأزياء، الزينة، الحرف التقليدية، الأكلات الشعبية، الترتيبات المصاحبة للمنزل، بينما تناول محورها الثالث: الثقافة الروحية وتشمل الأدب الشعبي والأداء والحكايات والأمثال الشعبية والسير الشعبية، الأقوال المأثورة عند سفر الحاج وعودته.

رحلة الحج المغربي

الورقة الثالثة: رحلة الحج المغربي خلال القرن الثاني عشر الهجري وآثارها الثقافية (كما صورتها الرحلة الحجازية للحضيكي) للأستاذ: عبد الوهاب دفع الله أحمد دفع الله، والتي ابتدرها بتسمية الرحلات الحجازية نظراً لمؤسسة ركب الحاج التي أنشأها المغاربة بغرض تيسير الحج، وقد حرص هؤلاء الحجاج على تدوين أخبار رحلاتهم ووصف مشاهداتهم، فغدت مدونات من أمتع الكتب والتي من بينها رحلة العلامة الفقيه أبي عبد الله محمد بن أحمد الحضيكي السوسي المتوفى عام 1189 والتي أفادت كتاباته في التعريف بالبلدان التي مر بها وأهم عاداتهم وتقاليدهم المرتبطة برحلة الحج، وقد كانت لرحلته أثر كبير على الحياة الفكرية.

الورقة الرابعة: مؤتمر طرق الحج في أفريقيا لـ(محمد علي الأحمد) والذي كتب واصفاً طرق الحج في العهد العثماني والذي اهتم به السلاطين العثمانيون باعتبارهم حماة الإسلام وقادته، وقد كان هناك طريقان شهيران هما: محمل الحج الشامي ومحمل الحج المصري، أبان من خلالهما الفروق بين المحملين ودورهما الحيوي.

أما ورقة دور قوافل الحج الإفريقية في إنتاج المعرفة التي أعدها د. محمد بن عبد المؤمن – الجزائر فأشارت إلى أن القوافل أسهمت في جلب الكم الهائل من الكتب والمخطوطات من مكة المكرمة والمدينة المنورة وحتى من القاهرة وباقي بلاد المشرق والمغرب وحرص الحكام المسلمين بالبلاد الأفريقية على الأخذ منها إلى الحج جمعاً من العلماء والأعيان لينهلوا من من ينابيع المعرفة، قصد تلقينها لأهلهم بعد العودة من الديار المقدسة والاعتناء بالحجيج وتعاملهم بكل سخاء من السلاطين كمساهمة (الأسكيا محمد الأول) على فقراء مكة والمدينة وقلده شريف مكة بردة وسيفاً وعمامة، ونال شرف لقب الخليفة الأول على بلاد السودان، إضافة إلى بعض الاستنتاجات التاريخية والحضارية من خلال قوافل الحجيج.

أما ورقة مساهمة طرق الحج في نشر الإسلام واللغة العربية في نيجيريا التي أعدها أ . عامر إسماعيل داؤود فقال إن الإسلام قد انتشر من الجزيرة العربية إلى كافة شعوب العالم، وقبل الإسلام كانوا على أشكال شتى من المعتقدات منهم من يعبد الأصنام ومنهم من يعبد الشمس، وهناك من يؤله النار بل منهم من لم يؤمن بآله أصلاً، ووضع نيجيريا كان قريباً لحال أغلب تلك الدول قبل الإسلام والذي دخل عن طريق سلمي بحت، وإن مما أثر إيجاباً في قبول الإسلام وانتشار اللغة العربية فيها طرق الحجيج التي تمر بها إلى الأراضي المقدسة. وذلك من خلال أثر العلماء النيجيريين في نشر الإسلام واللغة العربية ومساهمة التجار المتنقلين في نشر الإسلام وأثر العلماء الوافدين من الخارج وإسهامهم في نشر الإسلام واللغة العربية.

الورقة الخامسة: دور رحلات الحج في تمتين الراوبط الروحية والثقافية بين غرب أفريقيا والعالم الإسلامي بين القرنين 14و16م للدكتور عبد الكامل عطية أشارت إلى أن رحلات الحج تعد من أقوى صور التواصل وفرصة للالتقاء والتبادل الفكري والثقافي والتجاري، وفرصة للاحتكاك المباشر بين المسلمين والتعرف على أحوالهم المختلفة، وقد قال الله تعالى في شأن الحج (وأذِّن في الناسِ بالحج يأتوك رجالاً وعلى كلِّ ضامرٍ يأتين من كلِ فجِّ عميق) الآية27 من سورة الحج وتتحدث المصادر التاريخية عن مواكب الحجيج السودانية إلى الأراضي المقدسة وأشارت إلى أنه ومنذ تغلغل الإسلام في السودان الغربي حرص سلاطين وملوك الدويلات الإسلامية على تنظيم قوافل الحج السنوية إلى الأراضي المقدسة، وقد أضحت مناسبة لها طعمها الخاص لما لها من مكانة لدى الحكام والرعية معاً، عبر مختلف مراحل تاريخ ممالك السودان الغربي الإسلامي. وقد أسهمت هذه الرحلات إلى أطهر البقاع على وجه الأرض في تمتين العلاقات الثقافية والعلمية بين السودان الغربي والشمال الإفريقي، والمشرق الإسلامي، حيث كان كبار العلماء من السودان الغربي في طريقهم إلى الحج وعودتهم يقيمون فترة في المراكز الحضارية في الشمال الأفريقي حيث يدرسون على يد أبرز العلماء ويقوم بعضهم بنشر علمه في تلك المراكز والعمل بالتدريس، وبغض النظر عن كونه ركناً أساسياً من أركان الإسلام، فإن الحج مناسبة اجتماعية ثقافية وسوق اقتصادية وعنصر مهم في حركة الناس وتنقلهم.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
9 + 9 = أدخل الكود