بطلتها عمياء.. صماء.. بكماء رواية "تعيسة " لبشرى الفاضل.. شخصية أحبها صاحبها

عرض المادة
بطلتها عمياء.. صماء.. بكماء رواية "تعيسة " لبشرى الفاضل.. شخصية أحبها صاحبها
تاريخ الخبر 23-11-2016 | عدد الزوار 374

كتب: فيصل جبريل

في البدء كانت "تعيسة " إذ صادف أن تخلقت في رحم مخياله حتى إذا ما حرقته بجمر سكونها أناخها على بياض الورق حتى إذا ما تغذت من دمه واكتمل تخليقها جعل دكتور بشرى (شخصيتها) محور الحكي، بها بدأ الحكي، ومعها انتهى الحكي وما بين البدء والانتهاء، تم حشد كل الإمكانيات واللغة الموغلة في جماليتها ومن ثم تخليق الشخوص التي ستعمل بكل كد من أجل التهميد لطلتها البهية، لم يحب سعيدة أحد مثلما أحبها "د. بشرى، من أجلها خلق لغتها الخاصة ولأنها عمياء صماء بكماء (ص 1) كان لابد له من التفكير في طريقة يمكنها من التواصل مع المحيطين بها ولأنه يحبها دوناً عن شخوص روايته أخرجها من عالمهم وأسكنها عالمها الخاص الذي به ومن خلاله تتعلم كيف تكون متصالحة مع نفسها قبل أن يتصالح معها الغير حتى وإن كان ما يجري في دمائهم فقدتها هي نفس الوشائج التي تربطهم سوياً، ومع ذلك استمر في تلقينها كيف تحب موجودات ما تحيط بها، في عالم متشابك يراه الذين هم خارج دائرتها بغير ما تحس به، لذلك كانت حاسة الشم واللمس تساوي أضعاف ما من حواسها الأخرى، كانت كالمهرة وهي في حضرة أمها تتقافز جزلى إذا ما شمت منها (خمرتها)، وكالغزال النافر في أخرى وكالريم الجافل في حضرة معشوقها الذي تم تهميشه حينما ساقه إليها وهو مجرد سائق وحتى إذا ما ملأت "سعيدة" عينيه ودفقت دفعه في غير ما تأخير في اتجاه التماهي فيها، تعيسة لم تعرف كيف تبتسم وحينما احتاج لابتسامتها لتسحر قلوب من حولها ابتدع بذكاء طريقة ضحكها ورسمها على الورق "بع .بع . بع " ولم يكد يفعل ذلك حتى جعل من ملاحتها شيئا نادراً لم يحدث ولا حتى في مملكة مروي منذ كوش .

من أجل ذلك كان لابد لـ"راجين" أن تنال من الحب الكثير لا لشيء إلا لكونها هي من عليها أن تنجب (سعيدة) ولأنها أمها كانت راجين حصيفة ودقيقة في عملها توشك أن تظن أن ابنتها ملاك فالبنية مبروكة من الله خلقها لم تر جدتها مولوداً مثلها، سمحة ووشها منطرح كأنما جاءت إلى الدنيا ضاحكة .

تعيسة لم تكن صندوق (مصمت) فهي تعيش وتتحرك طولاً وعرضاً بانفعالاتها الداخلية وبها يمكن لحاستي اللمس والشم أن ترتب بحرفة مدربة ما اخترق سياج قلة حيلتها في طريقه إلى دواخلها وبالتالي تكون قادرة على التعرف على عوالمها التي يلفها الظلام وتظل دواخلها في تفاعل مع تلك المدخلات وتضج بالأسئلة الحارقة، لذلك كانت حاستي الشم واللمس حاضرة عندها (بكثافة) رغم أنها لا تدرك أن المصافحة بالأيدي هي شفرة السلام. كيمياء الحب والفطرة السليمة هي من هدتها إلى ان تتآلف مع (راجين) من خلال تمشيط شعرها ولمسها لجسدها فيه كثير من حنان الأم الفطري. لذلك كانت تعرف مع من تتعامل فاستكانت إليها. وحتى حينما بدأت لمسات مختلفة الغرض ومختلفة التكوين كانت كيمياء العاطفة هي التي أوصلت إليها حسن نواياها .

كانت الخلايا داخل تلافيف دماغها تسجل لها كل رائحة لكل جريدة فحسب بل المتغيرات الدقيقة في روائح كل جريدة على مر الشهور . ص 110
تعيسة حتى وهي غائبة عن الحكي كانت حاضرة إذ كانت كل الفصول تقود إليها، فهي حاضرة بكثافة في ذاكرة القارئ، فعندما تم إقصاؤها بنفيها في كوخها المنزوي كان ذلك سبباً لأن يراها الفلكلوريون ومن أجلها تم إخراج ولدي الحاج سعيد محمد صالح ومحمد خير الرافضين كلية لأي اندماج ما بين العبد والسيد، ومن ثم تم نفيهما خارج حدود الرواية، ولم نكد نسمع لهما خبراً إلا حينما تم تهجير أهل الكهف إلى عالمهم الجديد القديم. هكذا رأي د. بشرى أن يعبر عن كرهه الشديد لهما فقرر أن يعاقبهما بالنفي
لم يشأ د. بشرى أن يشغل نفسه وقراءه بأي صدام ما بين السيد وعبده الواقفين مع وضد حتى ما بعد الاندماج القسري الذي فرضه واقع الرحلة المشؤومة تلك في نظر السادة أهل الدبة، مخافة أن يقود ذلك الصدام إلى فصول أخرى من الحكي، قد يأخذ مساحة للحكي، كانت (تعيسة السعيدة) هي أحق به، وكذلك فعل مع الجيل الذي ولدت فيه تعيسة فلم يغذِّ شخوصهم وتم نفيهم بالكامل إلى الظل، لتنعم سعيدة بحظها من مساحات براح للحكي.

المؤسسان أخذا نصيباً ربما أكثر من الجيل الثاني والثالث، ومع ذلك لا نكاد نشعر بهما وهما يمشيان بحذر في فضاء الرواية حتى إذا ما دفنوا استأثر بخيت (البوخ) بكثير من الألق، فهو لم يصطحبه في رحلته إلى نيالا رغم أنه كان من الممكن أن يثري ذلك من الحكي. ومع كل هذا التحريض الذي ربما كان في صالح الرواية لو أن نيالا استحوذت على مساحة من الحكي. كانت نيالا غائبة تماماً إلا من اسمها حتى إذا ما جاء وقت خرجت، استبدت فيه (سعيدة) على كل مشاهد الحكي، ظهرت مدينة الفاشر في هدايا تجارها.

اشتغلت الرواية بمستويين من اللغة إحداهما كانت عالية جداً تليق بـ(ثيمة) الحكي وبها تم الاعتناء بحرفة مدربة بمفردات الحوار الموغلة جداً في عاميتها، وأنت داخل تلافيف تلك الحوارات تشعر أن كل الشخوص وهي تتناقل مفرداتها تجبرك على الاندماج في عالمهم وتكاد أن تحدد ملامح تلك الشخوص، فقد اهتم د. بشرى كثيراً بشخوص روايته وغذاهم من دمه. فمن يقرأ الرواية يشعر أن حاج سعيد قد مر يوماً بجانية وحاجة صفية، قد سقته فنجاناً من القهوة على (بنبرها) و(الراجين الله) رغم إطلالتها على القارء على استحياء إلا أنها كانت حاضرة بشحمها ودمها ومع ذلك لاقت شخصيات كـصفية ونفيسة ومن ثم (الراجين الله) ذات نفسها كثيراً من الإهمال الذي تشعر معه بأنه متعمد، وسقطت تلك الشخصيات الغنية من جراب الحكي فبدت كأنما توشك أن تشرع في سرد حكايتها فينتهرها د. بشرى آمراً إياها بالسكوت بل ومشرداً بها خارج مساحات الحكي، لحد يجعلك تطلق العنان لخيالك متمماً ما رأيت أنه لم يصادف ما سبق وأن أعددت نفسك لسماعه منهن .

اللغة التقريرية التي اهتمت بسرد تاريخ شخصيات سودانية ذات منجز على مستوى شعبي كبير لم يكن موفقاً، إذ بدا وكأنما ظلموا بحصر منجزاتهم في بعض وريقات من أسطر، وبهم وقع الظلم على شخوص في الرواية كانت أحق بمساحة الحكي منهم وتشعر كأنما أراد د. بشرى تكريمهم في (تعيسة).
عندما قلبت آخر صفحة في فصول الرواية كنت كمن شرب كثيرًا من الماء وهو في حالة هذيان من العطش لم يشف ما بي من شراهة إلى فصول أخرى من الرواية، شعرت أن ذلك لم يكن عادلاً معي إذ توقعت أن شخوص الرواية تم إسكاتها في حين أنها كانت حبلى بكثير من الحكي.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 4 = أدخل الكود