الجَذوةُ المتقدةُ: من(نارِ) المجذوب.. إلى (غارةٍ وغروب)

عرض المادة
الجَذوةُ المتقدةُ: من(نارِ) المجذوب.. إلى (غارةٍ وغروب)
تاريخ الخبر 09-11-2016 | عدد الزوار 357

كتبه: عبد الرحيم حسن حمزة

وتحلُقُ (حيرانِ) الشعر ومريديه حول نارِ شيخِهم المجذوبِ في زمانِه ذاك، هو نفسُه تحلقُ هذا الجيلِ، جيلِنا حول نارِ ندوة العلامةِ عبد الله الطيب المباركةِ (1).. أو هو إلى قبسِها أقربُ.

ويظلُ محمد المهدي المجذوب - رحمه الله - المجددَ الأكبرَ، المتجاوزَ الأكبرَ، شاعراً لا ينفك يهزمُ توقعَك باستمرار.. شِعرُه كشمعةٍ في كأسٍ تتشكلُ أنى شاء، أو عجينة من طينٍ مائع، تحرِفُه نسمةٌ تعبر في غير توقيتِها المرصودِ في الزمانِ، أو قلْ.. هو شعرُ المجذوبِ الذي لا ينتسبُ إلا إليه..على أنَّ الرجلَ لا يقولُ بمذهبٍ يأوي إلى سَرحتِهِ، أو مذهبٍ نقديٍ يلتفتُ إليه، أو- كما يقولُ- يخشى اللغةَ التي استطاع استظهارَها ببراعةٍ فاستولد منها لغتَه العصيةَ الخالدةَ أبد الدهر..

والمجذوبُ حين يرفعُ رايةَ العصيانِ لما هو مألوفٌ، يزودك بما يروقُ النفسَ الأمارةَ بالتوجسات والإرهاصاتِ الجارفة.. وفي(نار المجاذيب) ابتداءً، يليكَ هذا التشكيلُ العجيب كموسيقى لفُرقاطةٍ من الجند في جيش حر نظيم ففي قصيدتِه المهداة إلى منسية أو (كلب وقرية) (2).. وحين يُستهلُ الإيقاعُ بـ (فعلن فعلن فعلن فعل(، فإنه يعرج إلى: (مستفعلن فعلن مستفعلن فعل) مروراً بـ (متفاعلن متفاعل)..

ثم يتحور إلى: (مفاعيلُ فاعلاتُ).. أو.. (مفاعلن مفاعلن فعول).. أو..(متفاعلن متفاعلن متفاعل)..

إلى: (فاعلاتن مستفعلن فاعلات)..

وهكذا.. تتلاطمُ كلّ هذه الأمواجِ إذ تتناوبُ في سياق محيطِ (أبي السُرة) المائجِ بجزرِه المعزولةِ عمن لا يستطيعون إليها سبيلاً إلا من عميقِ نظرٍ وفطنةٍ ووعي بحتميةِ التحول..

ثم تلمحُ آفاقَ التجريبِ المتقدمِ من خلالِ ثقبِ (القوقعةِ الفارغة) المُشبَعةِ بملحِ دعاش البحرِ العالقِ بالأنفاسِ.. ثم .. أنت متفاجئٌ لا مَحالة بمفارقاتِ الفكرة وعرامتِها، وتبلغُ عندك الثورةُ ذُروةَ سنامِها وأنت تلتقطُ هذه المقاطعَ من (غابة)

زمانك ذا فاسدٌ

فكن فاسدا

وكن فاجراً أيها العابدُ..

وكن طامعاً أيها الزاهدُ..

وإن لم تجد نُهزةً حُلوةً،

فكن حاسدا..

وإمَّا هُزمتَ على غِرة

فكن حاقدا..

فما زينَ الأرضَ إلا الحقودُ

ولا ألهمَ العدلَ إلا الحسود!!(3)

هذا غريبٌ مثير.. وتحت نارِ المجاذيب، يلتقي الناسكُ بالمتسولِ.. والدرويشُ والسائحُ والنشالُ وماسحُ الأحذيةِ وبائعةُ الفول والعرافةُ والسياسيُّ الماكرُ، ليظلَ القولُ إن الكاميرا البارعةَ تدورُ في أرجاءِ المكانِ في صمتٍ غادرٍ فلا يبقى في المنتهى إلا ما تقولُه في جُرأتها الناجزة، ولا تبقى إلا الأرضُ بعبقِ لياليها الماطرةِ وشتائها الذي يلفُ عظامَ اليتامى والمكلومين المحرومين..

وفي نارِ المجاذيب، كلُّ شيء يبحثُ عن كلِّ شيء في متاهةِ اللاوعي حتى يلتقيَ الجميعُ في الباحةِ الفسيحةِ، ينظرُ بعضُهم إلى بعضٍ في ذهول!!

ولكنَّي وقد قيض لي الله أن أطلعَ على مخطوطةِ الديوان الأخير: (غارة وغروب)- قبل أن يرى النورَ أخيراً بالعاصمة القطرية- تعتريني الدهشةُ من ذاتِ الروحِ التي تحومُ في المكان.. فالشعرُ على أسلوبيته تلك ونبلِ غايته ودقةِ تصاويرِه وتعددِ مطارِقه كما في ديوانه الأول "نارِ المجاذيب".. لكأن العبقريَ قد استفرغَ طاقاتِ الشعرِ عنده دفعةً واحدة، وأنَّ الناس يتدرجون بُغية بلوغِ القمم وهو الواصلُ إليها قافزاً عبر السياجِ دون عناءٍ وجهد..

أغلبُ قصائد الديوانين- نار المجاذيب وغارة وغروب- كُتبت ما بين الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي وقد أعاننا شاعرُنا أيُّما إعانةٍ وهو يُثبتُ التواريخَ وهذا أمرٌ مهمٌ جداً لنعرفَ أنها قصائدُ الجيلِ الواحدِ المتجددةُ تجددَ الزمان.. أما فيما يتعلقُ باختيارِه لأسماء الدواوين- وللأدباء مذاهبُ في هذا- فيقول حدسي إنَّ المجذوبَ كان يكتُبُ نصوصَه أولاً قبل أن يشرَعَ في اختيارِ عنوانٍ لها.. ويبقى السؤالُ: لماذا تَسمى الديوانُ (غارةٌ وغروب) بهذا الاسم وقد رحل العبقري قبل أن يسميه؟.. لعل صديقَنا الصحفي الراحل-عليه وعلى والده الرحمة والمغفرة- الأستاذ عوض الكريم المجذوب، كان يفكرُ في الأمرِ اعتماداً على التوقعِ والحدسِ وهو يستصحبُ بعضَ التراكيبِ التي كان يلجأُ إليها والدُهُ في التسمياتِ على منوالِ: الشَرافةُ والهجرة، أًصواتٌ ودخان، البشارةُ والقُربان والخروج.. وعلى هذا جاء (غارةٌ وغروب).. كما أن للمجذوبِ قصائدَ عديدةً على هذا النحوِ مثل: القريةُ والفجر، الكلابُ والقمرُ، الشعرُ والنارُ، أحزابٌ ومبشرون، مدٌ وجزر، بستانٌ وإنسان، قطارٌ وجبل، تعبٌ وصلاةٌ، شكرٌ وشرابٌ، إلى آخرِ ذلك.. على أنني ألمحُ بالديوان قصيدتين عنوانُ إحداهما (غارة) والأخرى (غروب(.

هذا ويعنُّ لي أن أختمُ بأبياتٍ لقصيدةِ بعنوان (الصبر)، وهي مرثيةٌ كتبها المجذوبُ في 17 فبراير/ 1965م ولها نصيبٌ من أجواء قصيدةِ (غارة)، ولنا فيها عزاء في فقدنا للمبدعين

يـنامُ، فِراراً في مدى الليلِ نـومةً

تعودُ إليه بالأسى غيرَ نائمِ

وأقبلَ نِسياني بأمـسي يردُني

عن الغدِ يحيوني أعاليلَ واهِمِ

(دفنتُ جلالَ الدين حِبِّي ومُهجتي)

يصيحُ أبي في موتِهِ غيرَ عالِمِ

عَمَيتَ عيوني تبصرُ الدمعَ خُطوةً

تَهَّوَرُ في قاعٍ طوَى الأفقَ حاطِمِ

وأشتاقُ لا شوقاً إلى بردِ سَلْوَة ٍ

ولكنْ إلى طيفٍ بعيدٍ ملازمِ

وقبرٍ صغيرٍ بات قلبي وِسادَهً

تلمَّسـتُهُ بين الرَّدى والتمائمِ

ثَكِلتُ مُنىً من قبلُ والصبرُ عَثرةٌ

وما أنا في عيـشٍ صـبـورٍ بسالمِ

وهل أُشتَفي بالموتِ والعيـشُ مِيتةٌ

وثُكْلٌ بكيم في الدموعِ السواجمِ؟(4)

السلام على المجذوب في الخالدين.. السلام على عوض الكريم في أعلى عليين.

هوامش:

1-قدمت ملامح من هذه الورقة بندوة معهد العلامة البروفيسور عبد الله الطيب للغة العربية-جامعة الخرطوم - في احتفالية ثلاثينية الشاعر الكبير الراحل محمد المهدي المجذوب-الاثنين 19/3/2012م

-2 نارُ المجاذيب- محمد المهدي المجذوب: الطبعة الأولى- الخرطوم - يناير1969م- وزارة الإعلام والشؤون الاجتماعية.

- 3 غابة، المصدر السابق- ص47

- 4 غارةُ وغروب- محمد المهدي المجذوب-وزارة الثقافة السودانية.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 3 = أدخل الكود