آخرهم الكاتب الأردني ناهض حتر اغتيال الكتّاب.. القتل جراء حصائد الأقلام

عرض المادة
آخرهم الكاتب الأردني ناهض حتر اغتيال الكتّاب.. القتل جراء حصائد الأقلام
تاريخ الخبر 28-09-2016 | عدد الزوار 741

الروائي بشرى الفاضل: هناك عنف لا حد له منذ سم سقراط وحرق كتب ابن رشد

الناقد المجمر: يجب احترام خيارات ومعتقدات الآخر بعدم تعريضها للسخرية أو توظيفها لإثارة النعرات الدينية

القاص علي يس: من يحسن الفهم يدرك أن الرجل يسخر من (تصور) الدواعش لله تعالى

تحقيق: نجاة إدريس إسماعيل

لعل اغتيال الكتّاب والأدباء - نتيجة لسوء فهم مقصدهم سيكون ماثلاً لأزمان بعيدة ما دام هناك أناس يجعلون غيرهم ينوبون عنهم في التفكير ويسلمونهم مفاتيح أدمغتهم طواعية، ولن يكون الكاتب الأردني ناهض حتر- الذي اغتيل الأحد الماضي الضحية الأخيرة للكتابة ما دام هناك من يسيئون تأويلات الكتابة، وكان الكاتب الأردني حتر قد أصيب بطلق ناري أدى لمقتله أمام قصر العدل بالعاصمة الأردنية عمان إثر اتهامه بنشر رسم كاريكاتيري اعتبره البعض مسيئاً للذات الإلهية فيما نشر الكاتب عبر حسابه على الفيسبوك بتوضيح يقول فيه "شاركت منشوراً يتضمن كاركتيراً بعنوان "رب الدواعش" وهو يسخر من الإرهابيين وتصورهم للرب والجنة ولا يمس الذات الإلهية من قريب أو من بعيد بل هو تنزيه لمفهوم الألوهية عما يروجه الإرهابيون"، ولكن رغم ذلك فقد تمت تصفية الكاتب واغتياله.

وحتر لم يكن الأول ولن يكون الأخير في دنيا الاغتيالات للكتّاب الذين كانت أقلامهم هي السبب الرئيس لتصفياتهم، ولعل الكاتب الجزائري كمال داود كان أحد الذين أهدر دمهم بسبب كتاباتهم، وذلك بسبب آرائه فيما يخص قضية العروبة والهوية الجزائرية مما دفع عبد الفتاح زراوي حمداش الذي يُحْسَبُ على السلفية في الجزائر لأن يهدر دمه بتهمة التطاول على الدين الإسلامي –حسب زعمه.

نجيب محفوظ والتكفير

ومن قبل تعرض الروائي نجيب محفوظ لمحاولة اغتيال واُتهم بالإلحاد بسبب روايته " أولاد حارتنا"، وقد حاول شاب اغتياله بسكين في العام 1994م بعد أن اتهمه بالارتداد عن الإسلام، وكان نجيب محفوظ قد اتهم بالإلحاد والزندقة والخروج عن الملة بسبب هذه الرواية، وكان بعض الشيوخ والمفسرين أطلقوا مقولتهم و"قالوا له إن هذا الرجل – محفوظ- مرتد عن الإسلام".

وفي السودان يعتبر الكاتب محمد طه محمد أحمد أشهر من اغتيل بسبب كتاباته، وقد تعرض للاعتداء عدة مرات إلى أن تم اغتياله في سبتمبر 2006م.

تصور خاطئ

ويرى القاص والصحفي علي يس في حديثه لـ(الصيحة): أن هذا الرجل لم يسخر من رب العزة - سبحانه وتعالى.. ومن يحسن الفهم يدرك بغاية البساطة أن الرجل يسخر من (تصور) الدواعش لله تعالى، وهو تصور يمكن التقاطه من خطابهم ذاته. الغريب والمحزن هو أن الدواعش وأضرابهم من بعض السلفيين يفلحون دائماً في حشد العوام من المسلمين ضد من يتهمونه - افتراء وجهلاً- بالكفر أو بالزندقة والإلحاد، وهذا مرده إلى جهل الناس الفظيع بالدين ذاته، واتخاذهم الفكر الفظ والمنحرف مرجعية، برغم رأيهم السالب في حملة هذه المرجعية.. وهذا يعيدنا إلى ما كنا نناقشه عن فساد الذوق العام، والذوق الديني عن الكثيرين بشكل أخص.

مجتمع الأميين

الروائي بشرى الفاضل أبدى حزنه لمقتل الكاتب الأردني – رغم قوله إنه لم يقرأ له – ولفت في حديثه مع (الصيحة) إلى اغتيال (شهيد الفكر) في السودان، وفي لبنان مهدي عامل وفي مصر فرج فودة والسكين التي غرسوها في عنق نجيب محفوظ. وقال: في رأيي أن هناك كتابات يجب أن تقتصر على الحرية المتاحة في الجامعات فنحن نعيش مجتمعات غالبيتها العظمى من الأميين، وإن فكوا الحرف، لذا لا يمكن أن نصبح فلاسفة على الملأ في الكتابة بما في دواخلنا. ومضى يقول: دورنا التنويري ستلجمه مثل هذه القفزة للأمام".

مهارة جراح

الروائي حاتم عوض الكريم قال إن الكاتب يحتاج لمهارة جراح المخ وهو يعرض أفكاره خاصة وإن كانت هذه الأفكار تتداخل مع المقدس والقيم السائدة، فالخطأ لا شك خطير أو قاتل.

اللجوء للرمزية

القاص يحيى البحاري قال إن هناك سقفاً لحرية الإبداع وليس الكاتب فحسب، والحرية من شأنها أن تقود الكاتب إلى منتهاه ولا أقول إلى حتفه.. وكثير من المبدعين لجأوا إلى الرمزية للتعبير عن أفكارهم ورغم ذلك لم يفلتوا من السلطة، وبجانب السلطة فهناك المجتمع الطولي الذي يتمثل في العادات والتقاليد، وهذا قد يقف حاجزاً أمام المبدع عموماً.. سواء كان هذا الإبداع روائياً أو غيره من مجالات الإبداع المختلفة وفي الدول العربية كثير من الأدباء دفعهم سقف الحرية إلى الهجرة. وأضاف البحاري أن على الكاتب ألا يصمت خاصة إذا كان صاحب رسالة وكثير من المبدعين تم اغتيالهم لأنهم أصحاب قضية والشهيد الروائي الفلسطيني غسان كنفاني خير مثال.

تخير الطريق

القاصة سارة النور قالت لـ"الصيحة " إن الكاتب يساهم في المخاطر التي تصيبه عندما يغض الطرف عن ماهية المجتمع الذي يكتب من داخله ومدى تقبلهم لحرية الرأي وكيفية تفاعلهم مع الآراء الغريبة عليهم. بالنسبة للكاتب الأردني أعتقد أنه رسم رب الدواعش -حسب تصورهم - وغض الطرف عن خلايا داعش النائمة بداخل عدد من أفراد المجتمعات المسلمة فجاء رسمه مسيئاً لكل هؤلاء الذين اعتقد ظناً منه بأنهم معتدلون ولا ينتمون لداعش، وأضافت سارة بأن على الكاتب أن يواصل كتابته ولكن عليه أن يتخير الطريق لرسالته.

معادلة صعبة

القاص فاروق عثمان قال إن أي كتابة هي سياحة حرة نحو مطلق ذاتك لذلك فعندما تدخل عليها متاريس التثبيط من خوف أو قمع أو تابوهات دينية أو ثقافية أو عرقية، فإنك ستفقد أهم عنصر للكتابة وهو الصدق من موقع الحرية الفردية المطلقة لذا أي كاتب يلجم حريته المطلقة هذه، فإنه سوف يتجرد من الإبداع وأضاف عثمان بأن أي كاتب سواء كتب في الأدب أو الدين أو الفكر وكتب بحرية مطلقة فإنه سيتعرض للقتل أو الشنق أو الصلب أو حتى سيتهم بالكفر.. لذلك فالمعادلة صعبة وقليلون من امتلكوا الشجاعة وتجردوا من القمع والخوف وقالوا كلمتهم وهم يعلمون بأن حياتهم ستكون ثمنًا لإبداعهم وفكرهم ولكنهم قالوا قولهم ومضوا وأسقط التاريخ عمدًا أسماء القاتلين.

مسؤولية وإدراك

الناقد محمد حسن رابح المجمر قال في إفادته لـ(الصيحة) إن حرية التعبير تبدأ من إدراك الكاتب أو الفنان لمسؤوليته تجاه ما يقوم به من عمل فني وإبداعي، وفي بلد متعدد الإثنيات والثقافات والديانات تكون الحدود المرسومة (قانوناً) ما بين هذه الثقافات هي الفيصل في تحديد (مساحة) هذه الحرية وهذه من المسلمات الأساسية في المعرفة بالنشر الثقافي، ولا تدخل السياسة أو الإجراءات الحكومية المسبقة في هذه الجزئية، وهذا معمول به في الهند ونيجيريا والسودان وجنوب إفريقيا وغيرها.. أما فيما يتعلق بمنطقة (الاصطدام بين الثقافات) أو صراع المذاهب والطوائف الدينية فإن هذا الأمر يصعب التعاطي معه من زوايا التعريف القانوني (العام) أو السطحي، في مقابل التركيبة الإجتماعية أو الطائفية للبلد المعين خصوصاً في الشرق الأوسط حيث يكون الدين (موضوعاً رئيسياً وكلياً) وتنتظم داخله كل (مفاهيم الحرية وتقبل الآخر) من نفس الزاوية التي يجب على هذا الآخر (عدم تجاوزها) أو امتهانها باعتبار أنها تعني ذلك (المقدس) بالنسبة لأفراد هذا المجتمع وأشهر السوابق: قضية الكاتب البريطاني - من أصول هندية - سلمان رشدي التي صدرت في حقه (فتوى إيرانية) بإهدار دمه.

والنقطة الفاصلة ما بين التطرف والاعتدال في حقل الكتابة الإبداعية في مجالات الرواية أو الشعر أو التشكيل تظل قائمة عند حدود (احترام خيارات ومعتقدات) هذا الآخر بعدم تعريضها للسخرية أو توظيفها لإثارة النعرات الدينية أو القبلية، وتدخل هذه النقطة في إطار (الإشكالي) في بلدان تقدمت اقتصادياً على صعيد الاستهلاك دون أن تحدث تنمية اجتماعية متكاملة تستصحب مجمل حركة تطور الوعي الاجتماعي، والحديث عن حرية التعبير تحت ظل واقع تفاوت ثقافي واسع بين مكونات البنية الاجتماعية للدولة يكون ضرباً من العبث، وعلى الكاتب أن يوازن بين ما يود نشره وطريقة التلقي المحتملة في هذا البلد المعني.

وقطعا، لا يكون العنف الدموي الرد الأمثل في مقابل ما يتم نشره من مفاهيم دينية أو سياسية (مغايرة) في أي بلد متعدد الثقافات والطوائف اجتماعياً ومذهبياً، بقدر ما تكون هنالك حاجة ملحة لتوطين ثقافة (التقاضي) والامتثال لما تقرره المحكمة واحترام القانون في مثل هذه الحالات، واستخدام السلاح ضد حملة (الأفكار والرؤى) أياً كان اختلافنا أو اتفاقنا معها غير مقبول ولا يعبر عن أي حالة مدنية معتبرة يمكن التعويل عليها.

ودعا المجمر إلى تفعيل كافة القوانين التي تحمي الفرد وتضمن له الحكم العادل في حال وصوله إلى (نقطة الاصطدام) بهذا الآخر المختلف دون تطرف أو انحياز، وقال إن هذا سيرد الاعتبار إلى المؤسسية في الدولة ويقفل باب الثأرات والتصرفات الفردية خارج القانون.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 3 = أدخل الكود