الموت حق !!!

عرض المادة
الموت حق !!!
477 زائر
24-09-2016

قرأت في كتاب مترجم بالإنجليزية ألفه أحد الأطباء الألمان تحت عنوان: (الحياة بعد الموت) (Life after death)، إن الإنسان عندما يموت لا يعرف أنه مات أولا تصنع أنه مات .. بل أن روحه عندما تخرج من جسده يحس وكأنه يصعد إلى الأعلى وهو ينظر إلى جسده الراقد دون حراك.. ولأن جسمه الروحي يكون قد تحرر تماماً من كل القيود فإنه يقوم ويقعد ويتحرك بشكل كثيف.. ويجد أن الآخرين لا يشعرون به ويجد أنه يستطيع أن يخترق الجمادات.. فيقوم بالدخول من الحيطة والخروج من السقف ويجد في كل هذا متعة وتجربة مثيرة. وفي أحيان كثيرة يجلس على الكرسي أو على السرير المجاور للجسد الميت ويشاهد الآخرين وهم يجلسون فوقه وهو لا يحس بأي ألم.. ويحاول التحدث مع الآخرين والتفاهم معهم فلا ينتبهون إليه.. ويظل يسافر عبر المسافات في أقل من ثانية فهو مثلاً قد يذهب إلى حلفا ومنها إلى نمولي (آسف إلى جودة) ويعود في أقل من نصف ثانية..

ويمضي الكاتب الطبيب الألماني ليقول إن الموتى تظل أرواحهم حية وفي نشاط أفضل مما كانت عليه في الحياة.. ولا يعرف الميت أنه مات إلا عندما يحضر إليه أهله وذووه من الذين ماتوا قبله.. فيستطيع أن يتواصل معهم ويتحدث إليهم ويتبادل معهم الكلام. وبالطبع فإن الكلام الذي بين الموتى لا يتم بالأصوات. والحروف المعهودة وإنما بانتقال الأفكار من ذهن أحدهم إلى ذهن الآخر Exchange of Thoughts وحيث تنتقل كل الأفكار من ذهن واحد منهم إلى ذهن الآخر دون وسائط . ويحاول قدامى الموتى أن يقنعوا الميت حديثاً بمفارقة الأرض والدنيا والصعود معهم إلى الأعلى.. ولكنه يحاول إقناعهم بأنه لم يمت.. وفي النهاية ومع إصراره الشديد ولإقناعه عملياً فإنهم يحضرون معه كل الإجراءات الخاصة بغسل الجنازة ودفنها والرجوع من المقابر ومشاهدة ما يفعله الأحياء من الزوجات والأبناء والأقارب وهم يضحكون ويأكلون ويشربون.

وعندما يقتنع الميت بأنه (مات) يسافر معهم إلى مدارات أخرى وينقطع عن التواصل مع الأرض.. إما في سبعة أيام أو ثلاثة أسابيع أو أربعين يوماً.. ولعل بعض المعتقدات الدينية أو الروحية تذهب إلى هذا المنحى حيث يحتفل الناس عادة بمرور سبعة أيام على وفاة المرحوم ويسمونها (الصدقة) أو يحتفلون بالأربعين ويسمونها (كسر التربة).. وعندنا في السودان يكثر الاحتفال بمرور الأربعين فتذبح الذبائح وتوزع اللقيمات ليقال إنها صدقة للميت، ولكن ربما كانت احتفالاً بالتخلص من روح الميت التي تكون في ذلك الوقت قد اقتنعت بأنها ماتت.

وسبب السرد المطول عن الموت يجيء بسبب ما شاهدته ولمسته معنوياً ومادياً من بعض الزملاء في الصحف الذين لا يزالون (يخمون) الرماد حزناً على الجنوب والجنوبيين والذين لا زالوا يبكون بالدمع السخين مع أن البكاء (بتاع نسوان) وبعضهم يصر ويلح إصراراً أن الوحدة قادمة وبعضهم يبكي و(يجعر) على الأبنوس الذي ضاع وقد شاركهم في ذلك بعض المهووسين سياسياً.. وهؤلاء يحتاجون إلى أن نقنعهم بأن الانفصال والذي يسمونه استقلالاً قد حدث، وهؤلاء الناس في عرفنا قد ماتوا أو قل إننا نحن قد فارقنا ذلك الجسد الأرضي وصعدنا إلى سماء الرقي والتقدم بعد أن تخلصنا من سلاسل الجنوب التي تكبلنا منذ خمسينيات القرن الماضي وما يشعر به زملاؤنا من صحفيين وسياسيين هو الوهم الذي يجعلهم يعتقدون أن الجنوبيين لازالوا أحياء..

فيا أيها الزملاء الكتاب والمخبرون وبتاعين السياسة المهووسين اعلموا أن الجنوب قد فات ومات وأنه لا علاقة لنا بهؤلاء القوم.. والتشاديون في عرفنا وعقيدتنا أقرب إلينا ديناً ورحماً وثقافة من الجنوبيين.. والأثيوبيون أقرب إلينا ديناً ورحماً وشكلاً ومضموناً من الجنوبيين وكذلك الإريتريون.. وأخبار دولة الجنوب ليست بأهم من أخبار بوركينا فاسو أو فولتا العليا أو مدغشقر وتنجانيقا.. فيا أيها الزملاء ارحموا أنفسكم واتركوا أخبار هؤلاء القوم فقد ماتوا وكل ما مات فات، ونأمل أن يأتي ذلك اليوم الذي نشاهد فيه ظهر آخر جنوبي في السودان.

   طباعة 
3 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 3 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
صليل السواطير!!! - د. عبد الماجد عبد القادر
لغة الجسد والعقل اللا واعي!! - د. عبد الماجد عبد القادر
سيدي الحسن موديني وين؟!!! - د. عبد الماجد عبد القادر
يا ست العربية!!! - د. عبد الماجد عبد القادر
الانتخابات الجاية مزورة !!!! - د. عبد الماجد عبد القادر