شيخ البلهارسيا – الخواجة الذي بكته السودانيات

عرض المادة
شيخ البلهارسيا – الخواجة الذي بكته السودانيات
9123 زائر
19-09-2016

هذا استعراض لكتاب الطبيبة الإنجليزية آن كريجتون Ann Crichton بعنوان سم في مقاييس صغيرة – كريستوفر صن وعلاج البلهارزيا – وطبعا اسم بلهارزيا ذاته مستمد من اسم الطبيب الإنجليزي الذي اكتشف المرض وسمي باسمه، أما د. كريستوفر صنChristorpherson فهو الذي اكتشف علاج البلهارزيا وهي مرض تسببه يرقات وطفيلات تنمو وتتحوصل في إحشاء المريض وتمتص دمه. والعنوان ليس من عندي، فالذي أطلق اسم شيخ البلهارزيا هو سلاطين باشا مؤلف "السيف والنار" من أعمدة الحكم الثنائي، أما الذي نعي كريستوفر صن ووصفه بأنه لوحده الخواجة الذي بكته السودانيات كذلك Major Elderon أحد أعمدة الثنائي في مقال نشره في جريدة التايمز البريطانية بعد موت كريستوفر.

النقلة التي حدثت في السودان من الطب التقليدي الاعتباطي الذي كان بعضه يقوم على التداوي بالأعشاب وبعضه بالرقي وبعضه بالسحر والدجل والشعوذة وبعضه بالكي والفصد وولادة الحبل والجلد والتوثيق بالحبال، كان وراؤه رجال، درسوا واقع طب المناطق الحارة كالملاريا والبلهارسيا والتايفود والسحائي والكلازار والجدري والبرجم الخ، وفحصوا جسم الإنسان ومخرجاته وتوصلوا إلى الداء وكثير من الدواء – واخضعوا الفحص للملاحظة والتجربة تحت المعمل وبنوا المستشفى الحديث الذي يقوم على التحليل والكشف والتصوير ثم العلاج – ومهن بين هؤلاء كريستوفر الذي يعتبر أحد الآباء المؤسسين لمشروع الطب في السودان، ومع إن كريستوفر كان مسيحيا وماسونيا كما أن صورة الإسلام في ذهنه سلبية، لأنه ربط الدين الإسلامي بما رآه من مظاهر تخلف المسلمين، ناسيا ومتناسيا إنجازات المسلمين الحضارية التي عبرت لأوربا عبر الأندلس وإسهامات ابن النفيس وابن رشد وابن سيناء والإدريس وابن خلدون في الطب والتاريخ والفلسفة والجغرافيا ولكن كريستوفر كان مجرد طبيب بارع أفنى عمره في البحث والعلاج ولم يكن مؤرخا ولا متنورا حتى يعرف إنجازات المسلمين كما ابتلى بتخلف المسلمين السودانيين وغيرهم، مما أعطاه صورة سلبية عن الثقافة الإسلامية .

ولد كريستوفر عام 1868 وكان والده قسا في لانكشير – وتلقى تعليمه الطبي في انجلترا وكمبردج ووصل للسودان لتأسيس الخدمات الطبية عام 1902 وكان عمره 34 عاما وقضى في السودان 17 عاما واكتشف أن مستن من ملح البوتاسيوم بجرعات معينة يقضي على ديدان البلهارسيا في إحشاء المريض، وأقام تجارب على 70 مريضا، في عام 1917م. وكتب ما يزيد عن العشرين مقالا في الدوريات الطبية العالمية حول اكتشافه ورشح لجائزة نوبل ولكن لم يحظ بها لأن آخرين شوشوا عليه، وكان من معتقدات كريستوفر أن سبب تأخر مصر شيوع البلهارزيا وسط فلاحيها الذين يمثلون 90% من السكان وأن مرض البلهارزيا يؤدي إلى انكفاء الشخصية على ذاتها ويجعلها شاحبة، منخفضة المعنويات ضعيفة الشخصية، منهكة وغير قادرة على العطاء.

وحينما وصل إلى السودان وجه في عام 1903م وباء الجدري ونجح في محاصرة المرض وعمل كرنتينة يحجز فيها كل من يشم فيه رائحة المرض ويحرق كل موجوداته كما وضع لبنات بناء مستشفى الخرطوم الحالي والسلاح الطبي وكان يتواصل بين المستشفين على حمار – كما ذهب وشارك في حرب البوير في جنوب أفريقيا، وأسس مستشفا ميدانيا، كما شارك في تأسيس الفرق الطبية الإنجليزية في صربيا في أوربا دعما للمجهود الحربي للحلفاء.

وفي السودان لم يكتف بانشاء المستشفيين، ولكنه تابع تأهيل وتدريب القدرات الوسيطة، وكان رأيه سلبيا في قدرة الممرضة السودانية على استيعاب مطلوبات الممرضة، ولذلك جاء بممرضات من انجلترا لتأسيس هذه الخدمة من تمريض وإسعاف وعلاج ولجان تحقيق وجودة – أي بناء خدمات طبية متكاملة ومؤهلة – ومما عرف عنه – إنه كان لا يتردد مساء على نادي السودان – نادي الصفوة الإنجليزية ويفضل أن يظل قابعا بين مرضاه السودانيين وممسكا بمعمله يفحص ويحلل وبقلمه يكتب ويبحث ويرصد، تزوج كريستوفر من عائلة انجليزية مرموقة عام 1912 وعمره 42 سنة ولكن لم يرزق بذرية .

في عام 1915 نجاه الله من الموت في حروب صربيا، لأنه حسب التقديرات من اصل 240.000 جندي صربي مات مائة ألف كما مات معهم مائتي ألف مدني ولكن سلاطين باشا استطاع أن يتوصل إلى كريستوفر وينقذه بواسطة الصليب الأحمر النمساوي وهذه قصة طويلة وفي عام 1936 مع الغزو الإيطالي لإثيوبيا نذر كريستوفر وقته وطاقته لتحرير إثيوبيا وعمل المستشفى الميداني والدعم من بريطانيا للمتطوعين وكان حينها على أبواب السبعين عاما.

وظلت زوجته جوس وفية للسودان، حتى إنها احضرت معها خادمها عثمان لبريطانيا وأحاطته بعنايتها.

مات كريستوفر في 21 يوليو 1955م عن عمر يناهز 87 عاما وأوصى بدفن رماد جثته بعد حرقها في كنيسة العائلة أما زوجته فقد امتدت بها الأعوام وماتت وعمرها 94 عاما.

حينما نحت مالك بن نبي مصطلح القابلية للاستعمار فقد صدق، فلولا الاستعمار لتأخر دخول الطب الحديث للسودان ولما نجح السودانيون في التصدي للأمراض الخبيثة ولمات الملايين من وباء الجدري والملاريا والكلازار والدوسنتاريا وغيرها ورغم ذلك لا نسلّم للاستعمار ولكن نقول له شكرا لأن الحرية هي الحياة – والله أعلم.

   طباعة 
4 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 2 = أدخل الكود