الأغاني وأبو الفرج السوداني!

عرض المادة
الأغاني وأبو الفرج السوداني!
671 زائر
04-08-2016

قبل حوالي أكثر من ألف وثلاثمائة عام، قال أحد الفلاسفة لتلاميذه: "إذا أردتم أن تعرفوا رقي الأمة أو تدهورها، فاستمعوا إلى غنائها".. ومن فورهم جرى التلاميذ متفرقين ليعرفوا في أية أمة يعيشون وليختبروا نظرية معلمهم.. وبعد مرور عشرة قرون على نظرية ذلك المعلم، جاء الفيلسوف المشهور ابن خلدون وقال: "إن أول ما ينقطع من عمران الدول عند اختلاله وتراجعه صناعة الغناء".. وقد انفرد ابن خلدون من بين جميع حملة الأقلام في تاريخ الأدب والفن والفكر بقوله هذا، حيث عرَّف بالتفصيل كيف تدرجت وتطورت صناعة الغناء من بدايتها في القرن الأول الهجري، على أيدي الرواد الأوائل مثل طويس وابن سريج وابن محرز ومعبد وجميلة حتى بلغ الفن غايته في عهد بني العباس، على أيدي العباقرة أمثال إبراهيم الموصلي وابنه إسحاق وابن جامع وابن المهدي ومخارق وعريب ومتيم وفريدة وكُثير مطرب خمَّارويه أمير مصر وابنته قطر الندى.

وإذ ننظر في غنائنا السوداني نجد أن نظرية الفيلسوف السابق لابن خلدون تضعنا أمام غناء بدأ في عهد الاستعمار، وساهم في مقاومة المحتلين منذ أغنية "عازة في هواك" مروراً بغناء الغزل الذي دعا إلى طهارة الحب وإعلاء قيم الحرية.. "يا أم جدايل قودي الرسن واهتفي فليحيا الوطن".. وجاء الفنانون الذين أثروا الساحة الغنائية فيما بعد، عهد سرور وكرومة، وهم الكوكبة التي عاصرت الاستقلال مثل عبد العزيز محمد داؤود وأحمد المصطفى وعثمان الشفيع، وكل من تغنى بأغاني الحقيبة في ذلك الزمان.. وازداد الغناء قوة وثراء بمن أدخلوا آلات الموسيقى والتطريب.. مثل الكاشف وإبراهيم عوض ووردي، وقادوا ثورة الفن الغنائي. والآن ينحدر الغناء إلى الدرك الأسفل معبراً عن أجسام البِغال وأحلام العصافير.. وقد ساقني حظي العاثر أن أستمع إلى بعض "المطربين القشاشة" الذين لا يجدون غير أن "يطرشوا" ما سمعوه من الآخرين. بعد أن يقوموا "بتفجيخ" اللحن والكلمات.. وكثيراً ما شاهدت أحد الفنانين أو الفنانات وهو "بيرطِع" و"يترس" "ويفنجط" في رقصة "القرد". والتردي الذي ضرب أوجه الحياة المختلفة لم يستثن الغناء والفنون، ذلك لأن التردي الاقتصادي يكاد أن يلعب الدور الرئيس والعامل الحاسم في انحطاط وانهيار مظاهر الحياة والرُّقي.. فقد أفرز الواقع الاقتصادي شريحة جديدة في المجتمع استأثرت بمعظم التمويل المصرفي المتاح في البنوك، واتجهت نحو الأعمال الطفيلية وابتعدت عن قضايا التنمية، وتمظهر سلوكها العام ونمط حياتها السائد في البذخ والشوفينية.. ومن أجل هذه المجموعة الجديدة في المجتمع انحرف الغناء السوداني بعد أن كان يمجِّد الأعمال البطولية والشجاعة للجيوش وللضباط وللأطباء والمهندسين، انحرف الغناء لوصف "الكرسيدا.. السمح سيدا" وانحرف الغناء لكي يمجد حياة البذخ والترف للذين "يدلقون" الأموال السائلة على رؤوس المغنيات، فجاءت الأغنية التي تقول "بالدولار أبا لي بالريال أبا لي" لكي تكرِّس نحو تفضيل الفئة الغارقة في تجارة العملة بيعاً وشراءً وتحويلاً.. ثم مع المزيد من مظاهر التدهور الذي أفرزته السياسات المصرفية، وتعاملات البنوك التي اتسمت بالصفوية ومعاملات "الخيار والفقوس" انتشرت مشاكل الصكوك المصرفية والشيكات البنكية لتتكون شريحة جديدة في المجتمع، اسمها "الجوكية" ومجموعة الشيكات الطائرة والتي تعتبر في حد ذاتها إحدى الأمراض الاجتماعية بعد إجازة مادة الصكوك المردودة لحراسة أموال البنوك المهدرة.. وبامتلاء السجون والحراسات بأصحاب الشيكات المرتدة فقد برزت الممارسات الاقتصادية السالبة. لمجموعة المتعاملين في الشيكات المرتدة. وقادت معها معظم المجتمع لمزيد من الإسفاف والبذخ ومظاهر الثراء الفاحش والكاذب.

وهنا تغير نوع الغناء وبرعت مجموعة من الآنسات والسيدات في الإشادة بمثل هؤلاء الأفراد من المبذرين الذين نهبوا البنوك أو نهبتهم، فكانوا أدواتها في منظومة اقتصاد الأرقام المغلوطة والأموال المرهونة والسلع المضروبة والمرابحات الوهمية.

ونختم قولنا بأن نظرية ابن خلدون الفلسفية التي تقول بأن انحطاط الأمم قد يكون مقروناً بانحطاط غنائها ومفرداتها الفنية، يمكن أن نضيف إليه عاملاً آخر وهو أن تدهور الأمة.. ربما يكون سببه تدهور وانهيار وتعثُّر جهازها المصرفي.. واللي يشوف "جهاز" غيرو يهون عليهو "جهازو".

   طباعة 
1 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
3 + 5 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
صليل السواطير!!! - د. عبد الماجد عبد القادر
لغة الجسد والعقل اللا واعي!! - د. عبد الماجد عبد القادر
سيدي الحسن موديني وين؟!!! - د. عبد الماجد عبد القادر
يا ست العربية!!! - د. عبد الماجد عبد القادر
الانتخابات الجاية مزورة !!!! - د. عبد الماجد عبد القادر