أدب السيرة بين مطرقة المسكوت عنه وسندان الصدق الفني

عرض المادة
أدب السيرة بين مطرقة المسكوت عنه وسندان الصدق الفني
تاريخ الخبر 13-07-2016 | عدد الزوار 1255

تحقيق: نجاة إدريس إسماعيل

خطوط

-الناقد د. مصطفى الصاوي: لو كتبت المذكرات السياسية بشفافية لأصبحت من مصادر التاريخ.

- الناقد أبوعاقلة إدريس : أدب المذكرات يساهم في إعادة قراءة التاريخ

يعتبر فن السيرة الذاتية هو واحد من الفنون الأدبية الرفيعة والتي درج الأدباء والسياسيون على كتابتها حتى تستفيد الأجيال اللاحقة من تجاربهم الحياتية. وقد قال الروائي العالمي غابرييل غارسيا ماركيز في عتبة النص الأولى في روايته التي سجل فيها أحداث حياته (عشت لأروي) قال إن "الحياة ليست ما يعيشه أحدنا وإنما ما يتذكره وكيف يتذكره ليرويه" ولعل أبرز السير الذاتية على المحيط العربي سيرة الأديب المصري طه حسين عبر رائعته (الأيام)، كما كتب الروائي يحيي حقي رائعته (كناسة الدكان) لتسجيل سيرته الذاتية، الكاتبة ليلى أبوزيد وثقت لحياتها عبر كتابها (رجوع إلى الطفولة).. أيضا الشاعرة فدوى طوقان سجلت وقائع حياتها عبر كتابها (الرحلة الأصعب)، وسجل الناقد الفلسطيني د. إحسان عباس وقائع حياته عبر كتابه الموسوم باسم (عربة الراعي).. من الكتاب المؤخرين أثارت رواية (خبز حافي) لمحمد شكري جدلاً كبيراً بين المثقفين باعتبار أن الرواية توغلت كثيراً في أعماق المسكوت عنه وكشفت جزءاً يمكن القول بأنه مظلم في حياة الكاتب، فيما اعتبر البعض أن ما تم إدراجه في متن الرواية التي تم تصنيفها ضمن أدب السيرة الذاتية يأتي من باب الصدق الفني .

سير ذاتية مبكرة

منذ بواكير العهد الوطني بعيد استقلال السودان بدأ عدد كبير من المثقفين تسجيل سيرهم الذاتية في شكل مذكرات وكتب، وقد اشتملت تلك السير على تسجيل وقائع وأحداث لتلك الحقب السابقة بالإضافة لمعرفة الكثير من المخفي من الأحداث سواء كانت هذه الأحداث سياسية أو ثقافية أو اجتماعية، ولعل من أبرز الساردين لسيرهم الذاتية في السودان أب التعليم في السودان الشيخ بابكر بدري حيث كتب كتابه "مذكرات بابكر بدري " كما كتب كل من يوسف ميخائيل وأحمد محمد ياسين سيرهم الذاتية مسجلين وقائع حياتهم بحلوها ومرها . كما كتب كل من كامل محجوب ومحمد الخير عبد القادر مذكراتهم.

سير ذاتية ذات وجه سياسي

من أبرز السياسيين في السودان الذين سجلوا سيرهم الذاتية ووثقوا لحياتهم .. السياسي المحنك محمد أحمد المحجوب عبر كتابه (الديمقراطية في الميزان ) كما توجد مذكرات السياسي خضر حمد والسياسي الدرديري أحمد عثمان واللتان كانتا تسجلان اعترافات مبكرة عن الحقبة السياسية التي عاصروها بعيد استقلال السودان، أيضاً يعتبر كتاب (أوراق سودانية) لشوقي ملاسي من خلال مشاهداته وشهاداته من السير الذاتية التي تؤرخ لفترة حكومة مايو. من السياسيين المتأخرين هناك صاحب مركز الدراسات الإنسانية د. حيدر إبراهيم والذي سجل سيرته الذاتية في كتابه الموسوم باسم (أزمنة الريح والقلق والحرية) وعن كتابه هذا يقول الكاتب صلاح شعيب " لقد سرد د. حيدر مشاغباته مع أساتذته، وزملائه المدرسين في معهد المعلمين العالي. لم يترك تجاربه قبل الزواج نهباً للقيل والقال. طرحها على الورق بغير وجل. تطرق إلى وجوديته الصاخبة، وعلاقته بدين مجتمعه دون أن يخشى في حق البوح عن تدينه لومة لائم. لم ينس أن يسجل للتاريخ موقفه الحاد من أقربائه الممالئين للنظام وغمز من قناتهم بلا هوادة. لم يدس حقيقة علاقته بالمهن التي يسميها بعضهم "وضيعة" والتي عبرها اقتات أثناء غربته الدراسية في ألمانيا السبعينات. حكى عن تجارب تنظيمه السياسي اليساري قبل أن يصل إلى سن الخامسة والعشرين".

مذكرات منعت الفتنة

يقول د.عبد الله علي إبراهيم من خلال مقدمته التي كتبها لكتاب (دفاع أمام المحاكم العسكرية .. عبد الخالق محجوب ) –وهو الكتاب الذي يشتمل على كلمات التي كتبها عبد الخالق محجوب وتضمنت جزءًا من سيرته الذاتية – يقول د. إبراهيم ما يجمع الكلمات القصار لجوء عبد الخالق إلى الاستعانة بوقائع من حياته كي ينفي عن حزبه وفكرته الماركسية الشبهات وشهادة الزور، فقد كتب الكلمة الأولى كيف أصبح شيوعياً في جريدة الميدان عام 1954 بعد صدور منشورات نسبت بهتاناً للحزب الشيوعي تهاجم الإسلام وتشيد بالفكرة الماركسية مما حدا بالسيد عبد الرحمن المهدي بتهدئة أتباعه وعدم أخذ الناس بالشبهات، وأشار د. إبراهيم بأن الكلمة الثانية التي جاءت في الكتاب كانت خطبة عبد الخالق محجوب دفاعاً عن نفسه ومعتقده وسياسته أمام محكمة انعقدت لمحاكمته في عام 1959م في ظل حكم الفريق إبراهيم عبود.

سير ذاتية لإعلاميين

يعتبر كتاب (أوراق شخصية.. من جدة إلى كوبر) لصاحبه الصحفي الراحل سيد أحمد خليفة من أبرز كتب السيرة الذاتية لصحفيين سودانيين معاصرين حيث تعرض في كتابه إلى ما حاق به من أذى من حكومة مايو بعد أن تم اعتقاله من قبل نظام مايو بعد اتهامه بطلوعه في الاشتراك في جريمة أيلول الأسود وإصرار الرئيس جعفر نميري على أن تكون أعوامه جميعها سوداء.. وقد تعرض الكاتب في سيرته لعمله في ليبيا بمجلة البيان وعلاقته بنظام معمر القذافي وصولاً لمرحلة عمله كمستشار إعلامي للرئيس الصومالي أسياد بري وتعرضه لعلاقته بالمناضلين الإرتريين أمثال عثمان صالح سبي واشتراكه في تغطية أحداث عنف في الصومال وباكستان ثم عودته من جدة ليتم القبض عليه بالسودان قبيل إعلان تطبيق حدود الشريعة الإسلامية في نهايات حكم مايو .. ولم يترك صاحب الوطن علاقاته وصداقاته من الجنسين جانباً بل جعل لها حيزًا كبيراً بين ثنايا مذكراته .

سير ذاتية لنساء سودانيات

كتبت الأديبة فاطمة عتباني سيرة غيرية - أي سيرة غيرها- وقد وثقت سيرة مستشارة رئيسة الجمهورية السابقة رجاء حسن خليفة.. فيما وثقت مؤخرا الدكتورة إشراقة مصطفى سيرتها الذاتية عبر كتابها الذي جاء بعنوان " الأنهار العكرة "

أدب المذكرات .. وإعادة قراءة التاريخ

قال الناقد أبوعاقلة إدريس في أفادته لـ(الصيحة ) إن أدب المذكرات يساهم في إعادة قراءة التاريخ من جوانب مختلفة ..التاريخ السياسي والاجتماعي والرياضي وما إلى ذلك .. هذه القر اءة الجديدة التي تتشكل من قراءة ما دوّن في تلك المذكرات من شأنها أن تضيء العتمات المظلمة في تاريخنا – وفي المسكوت عنه أحياناً – وأن تمحو الشفاهية التي اتسمت بها ثقافتنا الشعبية كأنها لون من ألوان البداوة فينا، وأن ترفع من حاسة الوعي والتنوير في أمتنا، إضافة إلى أن كتابة المذكرات – باعتبارها فعلاً إيجابياً – لها القدرة على مجابهة النقد وعلى مدافعته، وفي ذلك التصدي الإيجابي للكلمة والتدافع بالرأي والرأي الآخر "وقولوا للناس حسنا " وهنا ينشأ أدب رفيع فالفكر يقارع بالفكر والحجة تدحض بالحجة. وأضاف إدريس بأن ثمة مذكرات كتبت متعلقة بشخصيات ووقائع مهمة تشكل ذاكرتنا الوطنية الجمعية..عند إعادة تلك المذكرات وتمحيص ما كتب فيها وموازنته بمذكرات أخر وبما سطر في كتب التاريخ فإننا حتماً سنعيد إنتاج تاريخنا بإنصاف وحيدة وموضوعية، وهنا أمثّل بمذكرات الزبير باشا رحمة والتي كتبت بخط يده وهي موجودة بدار الوثائق بالخرطوم صندوق (1) قطعة رقم 01190 كما أشير لمذكرات النور بك عنقرة المودعة أيضا بدار الوثائق صندوق (1) قطعة رقم 01384 .

أهمية البوح والاعتراف

ذكر الناقد والأكاديمي د. مصطفى الصاوي في حديثه لـ(الصيحة) بأن واحدة من أوجه خصائص العمل السيري تكمن في عنصري البوح والاعتراف وهما يشكلان أهم المؤشرات ليس لجودة السيرة فحسب ولكن لإمكانية وجود تجربة إنسانية تعكس كما هي وبكل شفافية. وأضاف د. الصاوي بأن قليلاً ممن كتبوا أدب السيرة في السودان ترسموا ما أشرنا إليه آنفاً ومنهم الشيخ بابكر بدري، حسن عثمان الحسن، سيدأحمد خليفة، ولا أقصد بالبوح ما يتصل بالأخلاق ولكن حتى الحديث عن الفقر قد لا يرضي البعض. لذلك كان ثمة هروب كبير من السيرة الذاتية إلى نمط المذكرات المليئة بالإنجازات أكثر من التوغل في دخيلة الشخصية من الذات، اشتغلت تلك المذكرات على إعلاء الذات والتبريز وفي ذات الاتجاه قلت السير وربما تكون هناك دوافع دينية فالاعتراف في الثقافة الإسلامية يتقاطع مع مفهوم التوبة أما على المستوى الاجتماعي فدائمًا ما يقال (السترة والفضيحة متباريات)، وحتى في المذكرات السياسية والتي لو كتبت بشفافية لأصبحت من مصادر التاريخ إلا أن أغلب من كتبوا ربما بمظنة الغرور أو الأيدولوجي السافر تهربوا من إظهار الحقائق أو الحيادية.. ولكن تبقى السير والمذكرات في زماننا الراهن مهمة خاصة وأن هناك من يعمل على محو الذاكرة وطمس التاريخ .

من المحررة

يظل أدب السيرة مصدراً من مصادر استلهام التاريخ لذا يجب ألا تدبج السيرة الأدبية بالإشراقات النضرة من حياة صاحبها بل تكتب الحياة بحلوها ومرها وبحيادية كبيرة حتى تستفيد منها الأجيال.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 2 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية