التعليم العالي وقضايا الإصلاح والتنمية وبناء الشخصية السودانية 2-2

عرض المادة
التعليم العالي وقضايا الإصلاح والتنمية وبناء الشخصية السودانية 2-2
7775 زائر
12-07-2016

في عام 1912م وافقت الحكومة للشيخين أبو القاسم هاشم والشيخ البدوي بتدشين معهد علمي مجهول المكان حيث استقر في الرواكيب التي تقي حر الشمس بأمدرمان، قارن مع ولادة كلية غردون التذكارية، ثم تحول إلى حلق في مسجد أم درمان عام 1919 وتمت إقامة المنهج على النمط الأزهري، وإذا كان الأزهر ذاته في وضع متخلف كما عبر عنه الأستاذ محمد عبده، فكيف بنسخة مشوهة منه وغير مرحب بها – وكان من أوائل خريجيه إبراهيم النور وعبد الله الترابي- ومع أن الحكومة بدأت تعيين بعض خريجي المعهد العلمي إلا أن الحظوة في التعيين كانت لخريجي مدرسة القضاة الشرعيين في كلية غردون ولكن ورغم معارضة الإنجليز للتعليم الديني إلان أنه شق طريقه في نوري مع الناطقاب والكوارير، وفي الجزيرة مع آل التكينة بالإضافة إلى خلاوى الفادنية وود الفادني وآل ود بدر وغيرهم من المشايخ على امتداد السودان، الذين قاموا بدور اجتماعي وتعليمي، ولكن إلى أين يقود هذا التعليم؟ على مستوى البادية والقرية نجح هذا التعليم في فك الخط ومحو الأمية الدينية وإنتاج شخصية سودانية متماسكة – كما أن هذا التعليم يسد عورات الدولة في المناطق التي لم يصل إليها التعليم كما هو الحال مع خلاوى همشكوريب في شرق السودان وخلاوى أبوعزة مثلاً في كردفان.

ولكن ومع ذلك يظل السؤال قائماً عن وضعية التعليم الديني في معركة البناء الحضاري وكيفية ترقية أوضاع هذا التعليم وجعله قادراً على مخاطبة قضايا مجتمعاته، خصوصاً أنه بعد ثورة اكتوبر 64 ، كان من شعارات الثورة إلغاء ثنائية التعليم ولكن حدثت ردة عن إلغاء الثنائية، وبرزت المعاهد الدينية مرة أخرى، لتدني قدرات التعليم النظامي وعدم قدرته على الإحاطة بمناهج التعليم الديني الكثيفة القائمة على الحفظ والذاكرة.

من المؤكد أن التعليم المسمى بالتعليم الديني، أنتج أسماء لها وزنها في تاريخ السودان كالدكتور كامل الباقر (1918-1995) والشاعر التجاني يوسف بشير) وإن كان المعهد قد كفره) والشيخ مدثر الحجاز ورائد الصحف والاستقلال أحمد يوسف هاشم والأستاذ علي شمو – ولكن كذلك كلية غردون التذكارية أنتجت ذات المستوى كالشيخ عوض الله صالح (1908 – 1989) وكالبروفيسور عبدالله الطيب (1921-2003) ولكن يبدو لي في الحالتين أن القدرة على مخاطبة العصر تكمن بالإضافة إلى أصالة التفكير والتراكم المعرفي والعمق الحضاري في القدرة على مخاطبة العصر والمعرفة باللغات الأجنبية والتي كان رائدها د. حسن الترابي .

ولعل القدرة على مخاطبة العصر ومعرفة اللغات الأجنبية تكتسب بالمثاقفة والالتحاق بالجامعات الأجنبية، فكامل الباقر بعد المعهد العلمي هو ابن جامعة القاهرة، وجامعة لندن وعلي شمو كذلك الأزهر وأمريكا، ويوسف الخليفة ابوبكر جمع بين المعهد العلمي وبريطانيا وأمريكا، والشيخ الصديق الضرير جمع بين المعهد العلمي وجامعة القاهرة ودرس في جامعة الخرطوم.

ولعل التماس فنون الإدارة ومخاطبته العصر ومعرفة اللغات الأجنبية هي التي جعلت د. كامل الباقر يتجه بطلابه النوابغ في الجامعة الإسلامية إلى أدنبرة ولعل أكبر هدايا د. كامل الباقر لجامعته وللمجتمع السوداني كانت باقة المتخرجين من أدنبرة منهم بروفيسور حسن الفاتح وبروفيسور محمد عثمان صالح وبروفيسور احمد بابكر ود. أحمد على الإمام بل وأهم مديري الجامعات السودانية هم هدية الجامعات البريطانية – ويبدو أن السعي لجعل الجامعات المسماة إسلامية على مطلوبات مخاطبة العصر هو الذي فرض تعيين رؤساء لها من خارج هيئات تدريسها مثل الأساتذة (أحمد محمد الحاج ، ومهدي أمين التوم، ويوسف فضل، ومدير عبد الرحيم وأخيرا حسن عباس) ولا أدري لماذا تميز هذه الجامعات بتسمية إسلامية، فيكفي أن تكون جامعة أم درمان، لأن كل جامعة وطالب علم يسعى لشأن إسلامي، لأن تحصيل العلم سواء كان في أدنبرة أو الخرطوم أو القاهرة عبادة، والأزهر سمي الأزهر فقط وجامعة المدينة المنورة كذلك وجامعة طيبة. بل إن إفراد مزية دينية، قد تكون له سلبيات لأن الطلاب المتميزين اكاديمياً يذهبون إلى جامعة الخرطوم وأقرانها كما أن خريجي هذه الجامعات ليسوا بأقل في حماستهم الدينية أو معارفهم العلمية من إخوانهم في الجامعات المضاف إليها إسلامية، كما توجد فيها ذات التخصصات الشرعية والفقهية كما أن إطلاق هذه الصفة من باب التزكية الذي لا لزوم له (فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى) فهل إضافة إسلامي يضفي على الجامعة مزية؟

ولكن الذي يهم هو إصلاح شأن التعليم، فقد ظللنا ولأكثر من نصف قرن نشد حقائبنا إلى الغرب والفجوة العلمية تتسع ما بيننا وبين الغرب – هل معدل ذكائنا أقل؟ لماذا دول كانت تعد أقل مدنية من السودان تقدمت كماليزيا والكوريتين وغانا – لماذا تتأخر الجامعات السودانية في التصنيف العلمي؟ لماذا يتزايد طلب العلاج في بلاد كانت تخطب ود السودان كدول الخليج والأردن وغيرها. لماذا عقول بعض أبنائنا مشغولة بهوس التكفير والتبديع بدلاً من أسئلة النهضة والنمو وقضايا الفقر والتنمية

والحالة فكرتني فيما حدث لي قبل سنوات ، حينما زار البلاد صفوة من الأساتذة الجامعيين من بلد عربي، فأردت أن أخرجهم من عالم الخرطوم إلي خلوة من خلاوى السودان، وكان ذهني منصرفا إلى بيع فكرة الخلوة كتعليم أهلي، على نفقة الشيخ وأحبابه ولكن بعد انتهاء الزيارة لاحظت على وجوههم وجوم، رغم ما قوبلوا به من ترحيب وضيافة – قائلين لي هل ستقابلون فواتيح الألفية الميلادية بهذا النوع من التعليم؟ كنا نريد أن نرى شيئاً يباهي كمبردج أو هارفارد أو يسير على الطريق – فإذا بك تعود بنا الرواكيب والنفير وتعليم الحلق والسوط - ونحن نعلم أن حفظة القرآن في نيجيريا هم أساس صناعة الشحذة والتسول وأطرقت وانقطع الحديث إلى أن قال السائق حمداً لله على السلامة وصلنا الخرطوم.

   طباعة 
2 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 7 = أدخل الكود