التعليم العالي وقضايا الإصلاح والتنمية وبناء الشخصية السودانية 1-2

عرض المادة
التعليم العالي وقضايا الإصلاح والتنمية وبناء الشخصية السودانية 1-2
7928 زائر
12-07-2016

فرض التعليم الحديث قسراً على السودانيين، بعد موقعة كرري وإقامة قواعد حكومة الحكم الثنائي، فكر كتشنر في إقامة مؤسسة تعليمية حديثة لإحياء ذكرى غردون، حيث بالنسبة له أن غردون جاء في مهمة حضارية لفتح السودان أمام الحضارة والمدنية وسط مجموعات سكانية همجية ومتخلفة، وخير طريقة لاستمرارية سعي غردون إنما يكون بالتعليم الحديث القادر على تنمية العقل وتأهيل الشخصية وغرس قيم القيادة، وفي 30 نوفمبر 1898 أطلق كتشنر نداء للشعب البريطاني بالتبرع بمبلغ مائة ألف جنيه إسترليني ولكن كان تجاوب الشعب البريطاني أكثر من ذلك حيث وصلت التبرعات في ستة أسابيع إلى 135 ألف جنيه استرليني. وبحلول عام 1901م برزت الكلية وفي ثناياها مدرسة صناعية، ومدرستان ابتدائيتان ومركز صغير لتدريب المعلمين، وهناك خلط حتى في أذهان بعض الجامعيين أن كلية غردون قامت ككلية جامعية منذ يومها، علماً بأنها لتصل إلى مستوى كلية جامعية استغرق ذلك قرابة الأربعين سنة من التطور والنمو، وتخرج من هذه المدارس أبناء خلفاء المهدي الثلاثة وعدد من أمراء المهدية البارزين، وواكب بناء كلية غردون " مكتبة جامعة الخرطوم الحالية " بناء الكاتدرائية الإنجلكانية التي وضع حجر الأساس لها أميرة بارتربيرج في 7 فبراير 1904، كجزء من قصر الحاكم العام" المبنى الذي أحيل لمتحف عسكري في القصر الجمهوري " كما تم تجهيز عشرة ميادين لكرة القدم والتنس مع الكلية وفي عام 1907م ضمت المدارس الأولى 184 ولداً والمدرسة الصناعية 120 ولداً كما تمت إقامة مدرسة عالية " ثانوي " للتدريب المهني لتخريج المساحين والمهندسين (27 طالباً" كما ألحق بكلية غردون مدرسة عسكرية للسودانيين الراغبين في الخدمة في الجيش.

وفي مراجعة لوضعية التعليم عام 1933م أصبح هناك عشر مدارس أولية تضم 965 طالباً، وأنها تغذي كلية غردون – التي أصبحت مدرسة ثانوية- بالطلاب ليكونوا أكثر تأهيلاً أي حتى عام 1933م لم يعرف السودان التعليم الجامعي وإنما عرف هذه المدارس التي تلبي حاجة الحكومة في الكتبة وصغار الإداريين وأصحاب الحرف، حيث لم يك هناك حرفيون مؤهلون لتطويع الحديد والأخشاب وغيرها، وأول فرع في كلية غردون يرتقي إلى ما يشبه المستوى الجامعي هو مركز تدريب القضاة الشرعيين – لتلبية مطلوبات المجتمع في الأحوال الشخصية وابتداء من 1919 أخذت الكلية تستقبل طلاباً من شمال الصومال.

في عام 1910 دخلت مدارس كلية غردون عالم العلوم الطبيعية والبحث العلمي وذلك حينما أهدى عالم أمريكي للكلية معامل حديثة لتشخيص الأمراض والبيئة، وحدث التطور الآخر، حينما أصبح كتنشر في الحرب العالمية الأولى وزيراً للحربية وغرفت بارجته الحربية في عام 1916م، والتي أنشأ فيها محمد إقبال قصيدته المشهورة، قائلاً لكتشنر كما نبشت جثمان المهدي وألقيت به في أعمال النيل، ها هو جثمانك يذهب أبعد في أعماق المحيط- وما يهم فإن حاكم عام السودان ونجت أطلق نداء لتخليد ذكرى كتشنر بإقامة مدرسة طبية لتخريج المساعدين الطبيين، حيث تم جمع 57 ألف جنيه استرليني وافتتحت كلية كتشنر الطبية وافتتحها سير لي استاك عام 1924م، وأصبح خريجو كلية غردون أساساً لنهضة السودان وكذلك لمجتمعه السياسي الذي عرّف بمؤتمر الخريجين وكان الهدف تخريج شباب على نمط الشخصية الإنجليزية، بقدرات ذهنية وإلمام بقواعد الدولة الحديثة والخدمة المدنية واحترام سلطة الدولة والإنتاج بدلاً من العشائرية والروح القبلية والخرافات, وكان لكل بيت طلابي داخلية مسمى على أحد أبطال الإنجليز كما دخلت الجمعيات الأدبية وجمعيات المسرح والدراما – ولجنة المجلة ونادي الطاولة والشطرنج وأندية الفلاحة وأندية الكشافة والموسيقى وغيرها من مؤسسات الترويح بالإضافة إلى الأندية الرياضية والبدنية وكرة القدم والجمباز ولكن كذلك غرس التعليم سياسات الحكومة الاستعمارية المتعلقة بالفوارق بين الشمال والجنوب (الجنوب يعني كذلك جنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان) وكان الزي المدرسي هو الجلابية والعمة أي الزي السوداني التقليدي. وابتداء من عام 1937م بدأ التفكير في تحويل مدارس كلية غردون إلى كليات جامعية – وكانت الخطوة الأولى لذلك إخلاء الكلية من الطلاب الثانويين بإنشاء مدرسة ادي سيدنا الثانوية في بداية الأربعينيات، وجاء دعم من وزارة التعليم المصرية مما مكن فتح كليات لما بعد الثانوي في الهندسة والزراعة والبيطرة والقانون وتعطي الدبلوم العالي بعد ثلاث سنوات من التحصيل الأكاديمي (مثلاً كلية الزراعة افتتحت في شمبات عام 1938، ولكن حدثت ردة علمية في ظروف الحرب حينما تحولت الكليات إلى ثكنات عسكرية وثغور حربية.

ولكن بعد الحرب وفي عام 1945م جاءت منحة بريطانية في حدود مليون جنيه استرليني – وفي فبراير 1946 تم انتساب كلية غردون لجامعة لندن وأصبحت كلية غردون أول كلية غير بريطانية منتسبة لجامعة لندن وفي ذات العام أصبحت كلية غردون قادرة على استيعاب 300 ذكر ومائتي أنثى ومكتبة تضم مائتي ألف مجلد بالإضافة إلى التوسعة في المباني والمعامل – وفي عام 1946 ظهرت خريطة جامعة الخرطوم الممتدة حالياً على النيل وتم افتتاح كلية الخرطوم الجامعية رسمياً في 1 سبتمبر 1951 وضمت عضوية هيئة التدريس 80 مدرساً منهم 7 بدرجة الأستاذية Profess ers

وفي يوليو 1956م بعد 6 أشهر من استقلال السودان ولدت جامعة الخرطوم وأصبح الأستاذ نصر الحاج على أول مدير لها.

وإن كانت هذه قصة جامعة الخرطوم، فإن هناك تعليماً موازياً لم يلق رعاية أو اهتماماً وإنما برز نتيجة لمطلب اجتماعي، قاعدي وهو ما يسمى بالتعليم الإسلامي وبرز التعليم الإسلامي من تحت الأنقاض لأن المهدية حرمت كل النظر العلمي الذي لا يتطابق ورؤية المهدي وخليفته، وحتى خريجي الأزهر من مشائخ السودان الذين آزروا المهدية كالشيخ حسين الزهراء تم تطويبهم وقتلهم. كما أن كثيراً من هؤلاء لم يك أصلاً مؤمناً بالمهدية، وحينما فرضت المهدية دولتها، هاجر عدد من الرافضين لصيغة الحضرة المهدوية بينما صاغها آخرون ، وحينما بدأ الاستعمار مشروعه التعليمي وجد أنصار التعليم التقليدي مؤسساتهم خارج الشبكة الرسمية – ومع أن الخلاوى بدأت مسيرتها في تعليم القرآن، كما برز المعهد العلمي ما بين البيوت والرواكيب، إلا أن الولادة تمت في عام 1902م حينما بدأ الشيخ البدري مجهوداً ذاتياً في التعليم الفقهي.

   طباعة 
2 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 4 = أدخل الكود