تفسير القرآن الكريم الشيخ.. محيي الدين بن عربي

عرض المادة
تفسير القرآن الكريم الشيخ.. محيي الدين بن عربي
8063 زائر
23-05-2016

الشيخ محيي بن عربي المولود في الأندلس في مرسية في 17 رمضان 560هـ - الموافق 26 يوليو 1165 – والمتوفى 638هـ - 1240م – يكون قد انقضت على وفاته حوالي 775عاماً ميلادياً أو ثمانمائة عام هجري، ومن المناسب أن نقول بعض كلامات عنه بمناسبة مرور 800 عام هجري على وفاته. ولد في كنف أسرة ميسورة الحال مما مكنه من التجوال في العالم الإسلامي من الأندلس إلى المغرب وتونس – الحجاز وبغداد ومصر وقونية في تركيا إلى أن توفي في دمشق في زمن الدولة الأيوبية الثانية وفي كنف ملوكها.

ومن أهم كتبه الفتوحات الملكية وكتاب نصوص الحكم وكتب أخرى في الأدب والشعر والحكمة، ولكن هنا نستعرض المجلد الأول من تفسيره للقرآن الكريم ، طبعة دار الأندلس، بيروت عام 1978م، تحقيق وتقديم د. مصطفى غالب.

ومن المعلوم أن أهل التفسير مدارس، فمنهم من اهتم بالقصص والإسرائيليات وتفسير الصحابة، كما هو الحال مع الإمام الطبري 222هـ - 310ه الموافق 839 – 923م المولود في بلاد فارس – إيران – ومنهم من اهتم باللغة والنحو والصرف والحديث في تفسيره، كالإمام القرطبي المتوفى في مصر عام 1273 والمولود بقرطبة، وقد تأثر القرطبي بالإمام الطبري والإمام الماوردي ومنهم من اكتفى باقتفاء آثار من سبقوه كابن كثير الذي جعل تفسيره على خطى الطبري ولكنه جرده من الإسرائيليات والترهات، ومنهم من اهتم بالحكمة والكلام والتوحيد كالزمخشري الذي جمع تفسيره ما بين الحكمة والرواية والشعر- المولود 1020 في خوارزم والمتوفى كذلك في إيران 1143- لكن يختلف تفسير ابن عربي عن جملة هؤلاء المفسرين فهو أقرب إلى الإمام الغزالي المتوفى 1111م في طوس في إيران، ولكن كذلك منهجه يختلف عن منهج الإمام الغزالي، لأن للغزالي رؤية سلبية للفلاسفة " تهافت الفلاسفة" بينما أبن عربي حبيب للفلاسفة وتأثر بالإفلاطونية وكذلك اللاهوت المسيحي.

في القرآن الصيغة الواردة في شأن اللغة، هي اللسان "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه" (إبراهيم آية 4) "لسان الذين يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين" – النحل آية 103 – وفي سورة مريم "لسان صدق عليا" – أية 50 – ومن الواضح أن ما تلفظه ألسنة الناس هو من اختراعهم وإن كان خلق اللسان من الله سبحانه وتعالى – ولكن مع ذلك نشأ سؤال في العقل الإسلامي هو اللغة توقيفية أم اصطلاحية، وقد ناقش الإمام ابن تيمية المتوفى 1328م – تلك القضية في كتابه منهاج السنة وانتهى إلى حل وسط بين التوقيف والاصطلاح وأن أي جملة أو كلمة لا تعرف إلا بالقرينة، فإذا قلت عين لا تكفي – وتحتاج لقرينة لتكون عين ماء أو عين إنسان أو عين بمعنى جاسوس الخ ..

ولكن للغة شأن آخر عند ابن عربي، فاللغة شفرة تحتاج لتفكيك وهي ظاهر وباطن، وهذه الإشكالية الأساسية في تفسير ابن عربي، لأن مفاتيح فهم اللغة عنده ذاتية وغير موضوعية وغير خاضعة لقوانين الاصطلاح اللغوي – ولكن كذلك له وقفات جميلة، فمثلاً حينما يقف على قول الله تعالي – "وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين" – سورة المائدة آية 23 – يشير إلى أن الحول والقوة بالله فيهرب بذلك شيطان الوهم والتخيل والوسوسة والغضب بالتوكل – وكذلك حينما يقف مع قوله – "من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا" – المائدة آية 32 لأن كل شخص يشتمل على جميع أفراد النوع ، وقيام النوع بالواحد، كقيامه في الجميع بالخارج، ولا اعتبار بالعدد، فإن النوع لا يزيد بحسب الحقيقة بتعدد الأفراد ولا ينقص بانحصاره في شخص وفي تفسيره لقوله _( ولو شاء لجعلكم أمة واحدة ) أي موحدين على الفطرة الأولى، متفقين على دين واحد.

وحينما يفسر حب الله – يقول إن المحبين الخلص، يحبون ذاته، لا لصفة من صفاته، لكونه لطيفاً، أو رحيماً أو منعماً، فإن محبة الصفات، تتغير باختلاف تجلياتها، ومن يحب اللطيف لم تبق محبته، إذا تجلى بصفة القهر ومن يحب المنعم انمحت محبته إذا تجلى بصفة المنتقم.

ولكن الجانب الآخر من التفسير أو التأويل تصبح اللغة مجرد رموز ومعادلات وشفرة، كأنها جدول ضرب داخلي " لوغريثمات باطنية"

فمثلاً في قوله تعالى (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ) آل عمران 49 – حيث يؤول الطير بأنها نفس مجردة كاملة تطير إلى جناب القدس بجناح العشق، والأكمه المحجوب عن نور الحق، والأبرص، المعيب بمرض محبة الدنيا وغلبة الهوى.

وعن قوله تعالى (ينزل علينا مائدة من السماء ) سورة المائدة 112 أولها بشريعة من عالم سماء الروح تشتمل على أنواع العلوم، والحكم، والمعارف، والأحكام، فيها غذاء القلوب.

وفي قوله تعالي ( وجعلوا لله شركاء الجن) سورة الأنعام آية 155- أي جعلوا جن الوهم والخيال شركاء لله.

ويقول كذلك رب سيئة من شخص تعادل حسنة من غيره ، " حسنات الأبرار، سيئات المقربين.

وعن قوله " وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة " سورة الأعراف 22 أي يكتمان الغواشي الطبيعية بالآداب الحسنة والعادات الجميلة.

ويؤول الآيات كناقة صالح والعصا لموسى والطب لعيسى والفصاحة لمحمد(صلى الله عليه وسلم)، فمن كانت نفسه مطاوعة منقادة فمركبه ناقة إشارة إلى أن نفسه تستخرج بالفكر من علومه الكلية، العلوم النافعة من علوم الأخلاق والشرائع- فألقى موسى عصاه – إشارة إلى نفسه التي يتوكأ عليها وله القدرة عند الاحتجاج عند الخصوم.

ولولا خوفنا على القارئ من الملل لضربنا أمثلة كثيرة على تأويله لآيات الكون بآيات النفس من عقل وقلب كما كان ابن عربي من المؤمنين بالمهدي وهذه قضية أخرى – ويبرز نفسيره تأثره بالإفلاطونية وصورها ومثلها المعلقة وكذلك بشيء من لاهوت النصارى – وختاماً لا نملك إلا طلب الغفران لنا وله – والسلام.

   طباعة 
3 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 6 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية