فتوح مصر والسودان عند الواقدي في كتاب فتوح الشام والبلازري .. فتح بلاد النوبة

عرض المادة
فتوح مصر والسودان عند الواقدي في كتاب فتوح الشام والبلازري .. فتح بلاد النوبة
8779 زائر
22-03-2016

ورد في الحلقة السابقة، جهود المسلمين في كسر شوكة الروم في مصر، فقد كانت مصر مستعمرة رومية، وكان نصارى مصر قابعين تحت نير واضطهاد الروم ، لذا يمكن النظر إلى فتح مصر من زاويتين .

الأولي : تحرير مصر من قوى باطنية مستعمرة وتحرير الضمير المصري من سطوة الكنيسة الغربية التي كانت تريد تشكيل المزاج الديني المصري على غرار مذاهب الروم وإبطال مذهب الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية ولذلك نظر أهل مصر للفتح الإسلامي كحركة تحريرية حررت مصر من الغاصبين.

ولكن من سخريات القدر أن الممالك السودانية كالنوبة والبجا وغيرهما، تحالفت مع الروم وكل المعارك التي دارت في مصر السفلى " ما وراء القاهرة اليوم " كان وقودها أهل السودان بكل ثقلهم وعتادهم ورجالهم وأفيالهم ولا ندري إلى الآن لماذا رمى ملوك السودان القديم كل ثقلهم مع الروم، وهذه ليست أول مغامرة خارجية للدولة السودانية فمن قبل حررت الدولة الكوشية بقيادة بعانخي ثم ترهاقا كل مصر من تأثيرات الآشوريين بل وحررت فلسطين ذاتها من قبضة الآشوريين وحكم ملوك السودان مصر والشام، فهل كان ملوك السودان الذين حاربوا معارك الروم في مصر يطمعون في تكرار ذات الدور أم كان لهم تحالف استراتيجي بعيد المدى مع الروم – أم هي مغامرة مدفوعة الأجر كما هو حال الأورطة السودانية في المكسيك أيام الخديوي محمد سعيد والتي حاربت حروب فرنسا في المكسيك وهي حروب لا ناقة للسودان فيها ولا جمل أو كحروب السودان في شرق إفريقيا (كرن) وشمال إفريقيا وهي كذلك معارك الإمبراطورية البريطانية والآن كأنما التاريخ يعيد نفسه معارك الأورطة السودانية في بلاد العرب.

يقول عمر بن عبد العزيز إن مصر فتحت عنوة بغير عهد ولا عقد " الواقدي ص 219" ولكن نعلم أن أهل مصر السفلى كان لهم عهد من عمرو بن العاص أنهم آمنون على أموالهم ودمائهم ونسائهم وأولادهم" ولكن كما ورد في الحلقة السابقة أن بقية مصر فتحت عنوة وبتضحيات مأهولة وتم تحريرها من سيطرة الروم ، أم في مصر العليا أو الصعيد- فقد استشهد الآلاف من الصحابة خصوصاً في فتح مدينة بهنسا التي يقال أنّه دفن في تربتها خمسة آلاف صحابي – أم النوبة والجباة فقد ماتوا بالجملة مع أفيالهم دفاعاً عن الدولة الرومية في مصر- هل يا تري هي الحمية الدينية ولكن النوبة كانوا أرثوذكساً على منهج اليعاقبة " الكنيسة القبطية " بينما الروم على منهج الكنيسة الغربية الملكانية – ما يهم تراجع ملوك النوبة إلى حصونهم وممالكهم وسكتت حوليات المسلمين وكتب التاريخ ثماني سنوات، واكتفى كل فريق بالرصد والمتابعة، المسلمون انشغلوا ببناء دولتهم في مصر، كما تعرضوا لصدمة اغتيال الخليفة عمر بن الخطاب ومجيء سيدنا عثمان بينما انشغل النوبة بعلاج جراحاتهم والانكفاء على أمر ممالكهم وقد ذاقوا طعم الهزيمة وبأس الجيش الإسلامي .

وبعد ثماني سنوات من الاستقرار والسكوت والصمت، ثم تجهيز حملة بقيادة عمرو بن العاص لمد حدود الدولة الإسلامية في اتجاه النوبة- وهناك رواية وردت في الواقدي 225 أن الجيش " أي النوبة أو البجا " ظلوا يقاتلون بعد فتح مصر سبع سنين ولم يقدر عليهم المسلمون وكان من أساليبهم في المقاومة تفجير المياه في الفيافي والمسلمون لم يعرفوا هذه الحرب لأنهم أهل صحراء.

قاد عقبة بن نافع" إلى عمرو بن العاص " جيشاً فقاتل النوبة قتالاً شديدا وانصرف المسلمون بجراحات كثيرة وحدق مفقوعة ، فسموا رماة الحدق، ولما ولي مصر عبدالله بن السرح – سأل ملوك النوبة الصلح والموادعة فأجابهم إلى ذلك على غير جزية، ولكن على هدية ثلثمائة رأس في كل سنة وعلى أن يهذي المسلمون لهم طعاماً بقدر ذلك، وقد سار هذا العهد أو الهدنة ، لأنّ يزيد بن حبيب وهو نوبي لأن والده أخذ من النوبة في عهد البقط ، وأصبح بعد ذلك قاضي الإسلام في مصر يقول ليس بيننا والأساود بعهد ولا ميثاق إنما هي هدنة بيننا وبينهم على أن نعطيهم شيئاً من قمح وعدس ويعطوننا دقيقاً فلا بأس بشراء رقيقهم منهم أو من غيرهم.

وانتهى المسلمون بأنه الأولى الصلح مع النوبة لأنهم سلبهم قليل وإن نكايتهم لشديدة، وفي أيام الخليفة العباسي المهدي مضى عهد البقط بأن يرسل النوبة ثلثمائة وستين رأساً وزرافة على أن يعطوا قمحاً وخل خمر وثيابًا وفرشاً (الواقدي ص 329) وهذه أشبه باتفاقيات تبادل الأفراد، لأن كل رعايا النوبة كانوا يعتبرون مملوكين للملك، ولعل النوبة كانوا يتنافسون على هذه الثلثمائة وستين خانة، للذهاب إلى مصر للعمل في الجيش وخدمة القصور، أشبه ما يكون بحال المغتربين اليوم، على خلاف في الوضعية ولكن هؤلاء المجندين من النوبة أصبحوا قادة الجيش المصري بل وملوكاً على مصر كما في حال كافور الأخشيدي وفي عهد المتوكل 341هـ، جاء ملك البجة على بابا بنفسه إلى بغداد وصالح على أداء البقط والأتاوة.

ولعل في عهد البقط إشكالية تتعلق بمسجد دنقلة العجوز ، هل ابتناه عبد الله بن ابي السرح أم كان موجوداً قبل ذلك – ولعله كان موجودًا قبل ذلك، لأن النص يتكلم عن المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وإذا صحت فرضية أن المهاجرين الأوائل وصلوا إلى هذه المنطقة فربما كان أثراً من آثار هجرتهم والله أعلم – والشاهد أن في تاريخ تقبل السودانيين للِإسلام ثغرات وفجوات ولعله يأتي اليوم الذي يستطيع بعض الطلاب الموهوبين الجمع بين ما ورد في المصادر المكتوبة مع الشواهد التاريخية والحفريات والله أعلم.

   طباعة 
3 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 4 = أدخل الكود