الحضارة الإسلامية ودوائرها ومشاربها 4

عرض المادة
الحضارة الإسلامية ودوائرها ومشاربها 4
8493 زائر
29-02-2016

هذا الكيان الروحي / الثقافي أثر يعمق على الكيان الإفريقي السودان، ومع أن السودان الغربي لم يخضع لأي خلافة إسلامية شرقية باستثناء تواصله المغربي، إلا أن حركة التدوين والتأصيل والانتماء الإسلامي، كانت أشد في السودان الغربي من السودان الشرقي والنيلي، رغم أن السودان الشرقي لا يفصله عن المجاز ومراكز الإشعاع الثقافي الإسلامي إلا البحر الأحمر، الذي هو واصل وليس فاصلاً – ولكن الغرب الجغرافي ليس هو الحاسم في التكوين الثقافي وإلا فإننا نجد نسبة الإسلام في السنغال ومالي والنيجر وغيرها تفوق الـ 90%، بينما لا تتجاوز في مناطق كأثيوبيا وتنزانيا وإريتريا وكينيا حاجز الخمسين في المائة باستثناء الصومال، ولعل ذلك التمايز والتعامل يعود لأسباب :

منها أن الجوار الحضاري المغربي للسودان الغربي كان أشد مضاء وفاعلية من الجوار الحجازي والمدد المشرقي بخلافاته أموية وعباسية وملوكية وعثمانية .

ثانياً : أن التواصل بين ضفتي البحر الأحمر ومكوناته كان سياسياً وتجارياً بينما كان الفاعل الثقافي والحضاري أقل تأثيراً، نسبة لأن الحضور كان في غالبه سياسياً أو تجارياً، لذا كان ذا طبيعة مؤقتة فما إن تنتهي العوامل السياسية أو الأغراض التجارية حتى يعود اللاجئون السياسيون أو التجار وتبقى فقط بعض آثارهم بينما التواصل المغربي السوداني كان تواصلاً حضارياً أدى إلى انتشار الكتاب العربي في بلاد السودان وارتباط الأهالي بتراث الحرف العربي بل واتخذوا منه رمزاً لكتابة لغاتهم، حتى بلغ عدد اللغات الإفريقية التي كتبت بالحرف العربي ما يناهز الثلاثين، الفلاني، ماديتقا، سوننكي، ولوفي، نمي، بينما في شرق إفريقيا برزت فقط اللغة السواحيلية والصومالية.

كما سبق السودان الغربي إلى قيام ممالك إسلامية كممالك غانلو مالي وسنغاي وصوكتو، وارتبطت مثلاً نشأة تمبكتو أهم عاصمة للثقافة الإسلامية في أفريقيا في القرن الثالث عشر الميلادي بالطوارق واكتمل تأسيسها في عهد المرابطين، وازدهرت في عهد ملوك صنغاي، وبرز فيها جامع السونكري الذي أقيم على غرار القرويين والجامع الأزهر – وقد قضى أكبر عالم من السودان الغربي وهو أحمد بابا 14 عاماً في مراكش عاصمة السعديين، انصرف فيها للتدريس ابتداء من عام 1591 – ومن مؤلفاته التي بلغت زهاء خمسين مؤلفاً كتاب فريد في بابه وهو (الكشف والبيان لأصناف مجلوب السودان) أو (معراج الصعود إلى حكم مجلوب السودان)، رداً على حكم استرقاق الشعوب السودانية المسلمة تأسيساً على المذهب المالكي .

وما من دولة من دول السودان الغربي إلا ويرجع الفضل في تأسيسها إلى رجل من المغرب ومن أهم العلماء الذين كتبوا في السياسة الشرعية محمد بن عبد الكريم المغيلي، وكذلك من علماء المغرب الحاج أحمد بن عمر بن محمد أخيت، ومحمد بن أحمد وغيرهم. وفي دولة الفور في غرب السودان النيلي يرجع أساسها إلى أحمد المعقور وسليمان سولونج، وهما من جذور مغربية، ولمدة ثلاثة قرون، اتسعت الحركة العلمية في مدينة تمبكتو، وبفضل العلماء القادمين من المغرب العربي، أصبحت أكبر مركز إشعاع ثقافي في إفريقيا ما وراء الصحراء، وكان الكتاب فيها بسعر الذهب، ولا توجد مدينة إفريقية في السودان الشرقي أو النيلي فيها من المخطوطات كتمبكتو التي عكست النشاط الروحي والفكر للمدد المغربي .

ولعل الدور الذي قام به العلماء المغاربة في السودان لا يقل عن دور البعوث الاستكشافية المسيحية والاستعمارية، ولكن ضغوط الجيوش الغربية بمدارسها ومدافعها ولغاتها غطى جزئياً على جهود المدد المغربي- وما تزال آثار المغرب من جاليات قديمة اختلطت بالأهالي حاضرة على امتداد السودان، ويكفي أنه في جمهورية السودان للمغاربة ما يشبه الإقليم المسمى بشرق النيل حيث قامت فيه مدن كاملة للمغاربة والشناقيط والأشراف .

ومما قوى حركة المدد الروحي والفكري المغربي طريق الحج في المغرب إلى الحجاز، وفي فترة الصليبيين في القرن الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، تمّ قطع طريق الحج عبر مصر، فتحركت القوافل عبر الصحراء من مراكش وطرابلس وتلمسان إلى تمبكتو ثم كانو في نيجيريا ثم أبشي في تشاد إلى الفاشر أو صحراء عيذاب إلى البحر الأحمر عبر مينائي سواكن وعيذاب إلى الحجار، وقد وصف الرحالة المشهور ابن بطوطة ذلك.

ولم تك قوافل الحجاج مجرد تجمع حجيج وإنما كانت مدناً متحركة، فيها الأمراء والقواد والجند والعلماء والتجار والنساخ والوعاظ والرعاة والعمال والمغامرون وطلاب الرحلة، وكانت تربط تجارة المحيط الأطلسي بالبحر الأحمر، وفي الطريق يتخلف الآلاف وتضم الآلاف ولمدة شهور يحدث فيها تلاقح فكري وثقافي، وعن طريق هذا التلاقح دخلت الطريقة الشاذلية، لأن أبو الحسن الشاذلي كان يؤدي الحج عبر هذا الطريق ومات في صحراء حميثراء، على بعد بضعة عشر ميلاً من حلايب المنطقة المتنازع عليها بين مصر والسودان، وما يزال مقامه شاخصاً هناك. وبعد أبي الحسن الشاذلي وبعد نيف خمسمائة عام جاء رجل آخر وهو أحمد بن إدريس الفاسي 1750- 838 (1) وهو من أشراف فاس وكون مدرسة فكرية روحية أثرت بعمق في ليبيا والسودان وتشاد وغيرها، عن طريق تلاميذه وكان أشهرهم محمد عثمان الميرغني مؤسس الطريقة الختمية في السودان والسيد محمد علي السنوسي مؤسس الطريقة السنوسية التي أصبحت حركة جهادية ومن أبرز رجالها عمر المختار وعشرات الحركات العلمية المنتشرة، والتي تحمل شعارات وأفكار وأوراد ابن إدريس، حيث لم يقل تأثير ابن إدريس عن تأثير حسن البنا في القرن العشرين، وإن اختلف تأثير ابن إدريس لأنه امتدت به الأيام إلى 88 عاماً، وأصبحت له مئات الرسائل، بينما كانت حياة البنا قصيرة 42 عاماً، وقد مات ابن ادريس في صابيا باليمن بعد غربة أطول من غربة ابن بطوطة لأنه خرج من فاس عام 1797 ولم يعد لها أبدًا إلى أن مات في صابيا بعد أربعين عاماً من الجهاد الروحي والفكري .

وعلى خطي السيد أحمد بن إدريس جاءت خطى تلاميذه السيد أحمد التجاني الذي انتشر تلاميذه ومريدوه في كل السودان وأصبحت التجانية تمثل أكبر حركة روحية فكرية على امتداد السودان وأنجبت مجاهدين كالسيد عمر الفوتي الذي قاتل الفرنسيين وأحمد بمبا وغيرهم وغيرهم من تلامذة السجادة التجانية .

ولعل المغاربة هم أساس الوحدة الروحية القائمة على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والنفث الصوفي وساهم العلماء المغاربة في صياغة وتحرير العقل الإفريقي من رجس الأرواحية الإحيائية، ومن جبروت كهنوت التعسفية والتوهمات الطوطمية التي تجذرت في الوجدان الإفريقي ومن ثقافة الخوف من الطبيعة ووطأة الأرواح وغضب الأسلاف والشعوذة والدجل والسحر وسلطان الخرافة، مما أدى إلى تجفيف أو تقليل سطوة الجريمة والسرقة والسلب وخطف الإناث والزنا وسفك الدماء والسكر وغيرها من الموبقات، وظاهر هذا المدد الشعبي المجتمعي كذلك مدد الدولة على عهد المرابطين والموحدين.

ويمتاز عصر المرابطين من الناحية الدينية بظهور أقطاب التصوف الأولين بالمغرب وأساتذته الطرقيين والذين نجحوا في توحيد المغرب الثقافي ككيان جغرافي دخلت فيه أقاليم الجزائر وبلاد الأندلس وتونس والصحراء وموريتانيا والسنغال، وكان إيقاع المرابطين أشد في إفريقيا من الموحدين لانشغال الأخيرين بمجابهة الصليبيين في الأندلس، وحتى الدولة الفاطمية التي خرجت من تونس وملكت مصر 969م، والشام كان لها أثر كبير في نشر الإسلام في النوبة السودانية وقيام أول مملكة إسلامية في جمهورية السودان باسم دولة الكنوز إشارة لمؤسسها كنز الدولة وإن برزت الدولة في عهد الأيوبيين، ولكن نواتها كانت في أيام الفاطميين، كما أن الأزهر الشريف أكبر المنابر الإسلامية في العالم هو ثمرة من ثمرات الفاطميين .

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 5 = أدخل الكود