الحضارة الإسلامية ودوائرها ومشاربها ـ 2

عرض المادة
الحضارة الإسلامية ودوائرها ومشاربها ـ 2
7668 زائر
23-02-2016

ودخلت الحضارة حتى على مسجد النبي (صلى الله عليه وسلم) الذي ابتنى حيطاناً باللبن وعرشه من الجريد وركائزه من الجذوع، ولكن مع الفتوحات وتدفق الأموال اتخذت فيه المقصورة على عهد مروان بن عبد الحكم، وأرسل الوليد بن عبد الملك للفسيفساء والرخام وثمانين صانعاً رومياً وقبطياً ثم تعديلات مختلفة في كل القصور من رسوم الحضارة والأبهة، والجمال وحتى الكعبة أعيد بناؤها مرات وقام المتوكل بتزيينها بالرخام والفضة وألبس سائر حيطانها وسقفها الذهب والفضة .

كما برزت لغات جديدة في خدمة الثقافة الإسلامية، نثراً وشعراً وأدباً وفناً كالأردية والفارسية والسواحيلية والهوساوية، والفلفدي والبربرية واللاتينية التي ترجم منها ابن الرشد الفلسفة اليونانية إلى العربية .

حدثت كل هذه الثورة الحضارية في أقل من جيل بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) إذ فتحت دمشق 14 هجرية، أي بعد أربع سنوات من وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) وفتحت القدس 17هـ وطلب أهلها من أبي عبيدة أن يأتي سيدنا عمر ابن الخطاب بنفسه لاستلامها وقد فعل وعبر إليها عبر دمشق ، وفتحت أصفهان وقم والبصرة وغيرها في سنة 23هـ في جيش من رواده أبو موسى الأشعري .

وواكبت الفتوحات الجغرافية فتوحات فكرية وروحية وأنتجت حركة التعليم الإسلامي الإنسان المتفوق الخلوق المنتج في إطار المعرفية المعيارية التي قامت على القرآن والسنة، ولكن نواة المعرفة المعيارية نمت ككلمة طيبة، نتاجها أشجار طيبة، تسقى بماء واحدة، ولكنّها يتفاضل أكلها وتتفاضل ثمارها، نتيجة لتفرق ورثة الأرض من عباد الله الصالحين في بقاع الأرض، مما أدى إلى بروز أروقة حضارية على امتداد أرض الفتوحات، سواء فتحت سلماً كما فتحت المدينة بالقرآن أو فتحت عهداً كما هو أمر البقط في أرض السودان أو فتحت جهاداً وحرباً كما في فتوح الشام وما بعدها.

ومن عظمة الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) رسائله إلى الحكام، وكان لكل رسالة طعمها ومزاجها، وكذلك فإن صلح الحديبية الذي كان في غاية التسامح عبر عن ثقة الجماعة الإسلامية في رجالها وأنهم أصحاب المستقبل ونص على أنّه من يأت من قريش مسلماً يعاد إلى فتنة المجتمع الكافر بينما نص صلح نجران الذي أقامه الرسول الكريم مع نصارى اليمن على ألا يفتنوا عن دينهم ومراتبهم فيه ولا يحشروا ولا يعشروا ولا يأكلوا الربا ولا يتعاملوا فيه). بينما اختلف الأمر في عهد سيدنا عثمان في الصلح مع رماة الحدق ، حيث وصف مؤرخو الإسلام النوبة ، بأن سليهم لقليل ونكايتهم لشديدة، وقول يزيد بن حبيب ليس بيننا وبين الأساود عهد ولا ميثاق وإنما هي هدنة، وفي رواية أن المتوكل ألزم النوبة بثلثمائة رأس وستين وزرافة على أن يعطوا قمحاً وخل خمر وثياباً وفرساً، واختلفت المعاملة مع نصارى بني تغلب حيث أسقطت عنهم الجزية وأخذت عنهم الصدقة، وفي لبنان صولح الجراجمة على أن لا يؤخذوا بالجزية وأن ينقلوا أسلاب من يقتلوا من عدو المسلمين، ورد عمر ابن عبد العزيز إلى النصاري جزءاً مما أصبح مسجد دمشق وانتهى التفاوض بإرجاع كنائس غوطة دمشق . على أن يسكتوا عن كنيسة يوحنا التي أصبحت جزءاً من المسجد الأموي.

نمو الدوائر الحضارية المتوازية في إطار المعرفة المحورية :

الدائرة الحجازية :

وهي الدائرة الحاضنة للمعرفة المعيارية (مكة والمدينة) وفيها تنزل القرآن الكريم وتم تدوينه، وتم تحصيل حديث الرسول الكريم، وفيها تكاملت علوم الوحي، على يد الطليعة المؤمنة وروادها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي – واختص عثمان بتدوين المصحف وحرق المصاحف المخالفة، عصمة للمصحف من التبديل والتغيير . وبرزت في المدينة حركة الفقه ومن روادها الإمام مالك بن أنس والحارث المحاسبي والواقدي الذي كتب في السير وفتوح الشام. كما برز الشعراء الذين وقفوا بين يدي الرسول (صلى الله عليه وسلم) وبدأوا قصائدهم بالنسيب، علماً بأن أصل النسيب عريق في البيئة العربية. مما يبرز تلاقح الأصيل والجديد، مما يذكر بإشادة الرسول الكريم بحلف الفضول والذي خلاصته اجتماع الجميع على نصرة المظلوم، دون النظر إلى هويته مسلماً كان أو يهودياً أو وثنياً .

أرسى النبي الكريم حكم الشورى ومبادئ الحكم الراشد، ولكن حينما انتقلت السلطة إلى مراكز الحضارات القديمة استمدت منها عناصر الحكم العضوض والاستبداد في دمشق وبغداد، وتبدّل الحال ترف ومجون ونسي الناس حشمة المدينة وتقشف أهل الصفة والأشعريين .

الدائرة الشامية :

لعل خلاصتها فيما دار بين معاوية وعمر بن الخطاب، حينما زاره في الساحة وطلع عليه معاوية في منتهى أبهة الملك والسلطان، قال عمر (أكسروية يا معاوية) فقال معاوية: يا أمير المؤمنين، أنا في ثغر تجاه العدو وبنا إلى مباهاتهم بزينة الحرب والجهاد حاجة). والعمران هو رمز الحضارة وهي التفنن في الترف واستجادة أحواله والكلف بالصنائع وطاعة الشهوات، أصبح الشام مركز ثقل الدولة الإسلامية وظل المسلمون أقلية في المجتمع الشامي المتنوع، إلى لحظة سقوط الدولة الأموية، وحينما كثر المسلمون في الشام اتسعت دائرة التناقضات ما بين أهل سنة ونصارى وشيعة ويهود وعلويين ألخ.. وبرزت دول الطوائف كدولة آل حمدان في حلب والتي كانت في رباط وجهاد حتى أن سيف الدولة غزا الروم أربعين غزوة، وكانت علوية المزاج، وبرز فيها المتنبئ وسيف الدولة، وكانوا على رقة في الدين وكانوا كذلك شيعة كما برز في الشام ابن تيمية جهبوذ الحركات السلفية، ودخلها التتر والمغول وراج فيها فكر أبن عربي، الأب الروحي لنظريات الفيض الإلهي - وظلت دوائر الشام تتقاطع وتتداخل سلماً وحرباً، تواصلاً وقطيعة، تجمعها خصائص وتفرقها خصوصيات، الأيام دول، بعضها لأهل السنة وبعضها ربما علويين أو شيعة أو مماليك أو تتر ولله في خلقه شؤون.

الدائرة العراقية

دائرة وسطية ما بين عروبية الشام وتناقضاتها المذهبية والروحية وعراقية الفارسية وروحها الشاهنشاهية، وبرز في العراق ملوك بني العباس، الذين تصاهروا مع الفرس والترك، وبرز فيهم كيان الدولة البويهية الشيعية والتي مدح فيها المتنبي المتوفي 354هـ - عضد الدولة ركن الدولة البويهية، وتغلبت الحالة الفكرية ما بين الاعتزال والتفلسف كما هو في أيام المأمون، والاتباع والتقليد كما هو عند المتوكل – وبرز في بغداد أبوحنيفة النعمان ومدرسة الرأي وسند التصوف الشيخ عبد القادر الجيلاني وأبو الحسن الأشعري والجاحظ والغزالي ولكل مشربه، ولم يرمِ أحدهم الآخر بكفر أو زندقة، وما تزال مذاهب وأفكار وأشعار بغداد في القرن الثاني والثالث والرابع الهجري تحكم العقل العربي والإسلامي.

الدائرة الفارسية :

وما ذكرت الدائرة الفارسية إلا وذكر الأدب الفارسي المرسل بلسان فارسي ومكتوب بلسان عربي كما هو عند الفردوسي والشيرازي وعمر الخيام، ومن أشهر رجالها عضد الدولة السلطان الشيعي البويهي والذي زوج ابنته للخليفة العباسي الطائع بالله . وبرز من رجال فارس ابن سينا وأبو الفرج الأصفهاني وسيبويه، وأصبح للكيان الفارسي مشروعه ودولته على يد الصفويين وأصبحت اللغة الفارسية لغة الأدب والفن في آسيا الوسطى .

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 5 = أدخل الكود
روابط ذات صلة